كيف كان حال المسلمين حينما كان التتار على أعتاب أرض الخلافة؟

تناولنا في موضوع سابق كيف نشأت إمبراطورية التتار وسيطرة على أرض الدولة الخوارزمية بكل سهولة ويسر وحالة الترهل التي إصابة المسلمين في ذلك الوقت حتى أن التتار كانوا يدخلوا المدينة يقتلون كل من فيها بدون أي مقاومة ووصل الهوان أن المسلمين عاونوا التتار على إخوانهم خوفا منهم، فكان ملخص الوضع في ذلك الوقت انقسام شديد بين حكام المسلمين، شعب وصل لقمة الضعف والخوار، اكتساح للتتار في أرض المسلمين دون مقاومة تذكر، واليوم نستكمل الحكاية ونعرض أحداث وأسباب أول هزيمة للتتار على يد المسلمين.

هزيمة التتار

بعد أن قضى التتار على شمال ووسط الدولة الخوارزمية بدأ جنكيز خان يخطط لاجتياح الجنوب الذي يشمل وسط وجنوب أفغانستان وباكستان تلك المنطقة كان يحكمها جلال الدين بن محمد خوارزم شاه ” الذي تناولنا قصة نهايته في المقال السابق”، كان جلال الدين على علم بما حدث لأبيه وعائلته ولبلاد المسلمين على يد التتار فجهز جيشا قويا وانضم إلى جيشه الأمير التركي ” سيف الدين بغراق” ومعه ثلاثون ألف جندي وأمير مدينة هراة بفرقة من جنوده كما أنه تجمع ستون ألف مقاتل ممن فر من جنود محمد خوارزم شاه، اختار جلال الدين مدينة بلق ذات الجبال الوعرة لتكون ساحة المعركة حيث دارت معركة عنيفة لمدة ثلاث أيام أظهر فيها جيش المسلمين بسالة واستماتة على النصر وبالفعل أنزل الله النصر على المسلمين وارتفعت معنوياتهم وانهارت أسطورة الجيش التتري الذي لا يقهر.

شعر جلال الدين أنه أصبح يملك جيش قوي فأرسل إلي جنكيز خان يدعوه إلي القتال مرة أخرى ولأول مرة يدب القلق في قلب زعيم التتار وسير جيشا غفير على رأسه ولده، ودارت معركة ” كابول” التي كانت أشد عنفا وضراوة من الموقعة السابقة ومن الله على المسلمين بالنصر للمرة الثانية وهذه المرة لم يكن نصر في أرض المعركة وحسب بل حرروا عشرات الآلاف من أسرى المسلمين وغنائم كثيرة من الجيش التتري

انهيار جيش المسلمين

بعد أن انزل الله النصر على جيش المسلمين طالب الأمير بغراق وأمير هراة بتقسيم الغنائم ووقع الخلاف واحتدم الصراع حتى تقاتل جيش المسلمين مع بعضه ووقع العديد منهم قتلى حتى قتل في المعارك أخو بغراق فانسحب من جيش المسلمين ومعه جنوده، ولم يفلح جلال الدين في إعادة مرة أخرى وكانت هذه الأحداث قاسمة لجيش المسلمين، فبدل من الاستعداد للمعركة القادمة لسحق التتار نهائيا يقتتل المسلمين على فتات الدنيا!

في هذه الأثناء كان جنكيز بنفسه على رأس الجيش بعد هزيمة جيشه في أخر معركتين ولما علم جلال الدين بحضوره فر هاربا خوفا من القتال بهذا العدد الهزيل من الجنود وظل يتنقل من بلد إلي أخرى حتى قرر الهروب إلي بلاد الهند واستقر عند نهر السند وطلب سفن لنقله وبينما هو ينتظر السفن إذا بجنكيز وجنوده، فدارت معركة يقال عنها أن ما كان قبلها هو لعبا ولهو من شدتها وبعد قتال دام ثلاث أيام توقف القتال وفي هذه الأثناء جاءت السفن ففر هاربا وترك بلاد المسلمين مرتعا للجيش التتري، ففعل الجيش التتري الأفاعيل بالمسلمين من قتل وتنكيل وأمر بذبح أطفال جلال الدين، وأخذ التتار يجتاحون المدينة تلو الأخر دون مقاومة تذكر.

حال المسلمين في هذه الحقبة

الوضع في أرض الخلافة العباسية

بدأ التتار في التفكير باجتياح أرض الخلافة التي كانت هي السبب الرئيسي لاجتياح كل ما سبق من البلاد فهدد التتار بالهجوم على شمال العراق مدينة الموصل بـ أربيل ودب الرعب والهلع، بدأ الخليفة الناصر لدين الله في جمع الناس للقتال فجمع حوالي ثمانمائة رجل فقط!، ولك أن تتخيل حجم الكارثة والهوان للمسلمين فالتتار على أعتاب دولة الخلافة حاضرة العالم ولا يخرج للجهاد سوى ثمانمائة! أين جيش الخلافة؟ أين تجهيز الخليفة بعد أن رأى كل هذه المجازر السابقة؟ أين المسلمين؟!

فلما التقي الجيشين فر جيش المسلمين هاربا ولكن التتار ظنوا أنه كمين لم يصدقوا أن هذا هو جيش خلافة المسلمين فانسحبوا وعدلوا عن القتال وفتحوا جبهات للقتال في أرض الروس ودارت هناك معارك عنيفة انهزم فيها التتار، استغل احد أبناء “محمد خوارزم” انشغال التتار وبالفعل استطاع أن يسيطر على ” شمال وغرب وجنوب إيران” وهكذا أصبح ملك غياث الدين هو الحد الفاصل بين التتار وأرض الخلافة ولكن ماذا صنع الخليفة العباسي مع غياث؟ أرسل إلي خال غياث يحثه على الانقلاب عليه ويوعده بالدعم والمساندة، وبالرغم من قوة العلاقة بين غياث وخاله وانه كان لم يقطع أمر دون مشورته وافق على الانقلاب عليه وأخذ يحرض الجنود حتى قامت حرب بينهم انهزم فيها إيغان خال غياث وقتل فيها العديد من رجاله.

مملكة الكرج الحادثة الأغرب

 كان هناك صلح بين المسلمين ومملكة الكرج واعتلت العرش هناك امرأة ولم يرضى قومها بولايتها عليهم فأشار عليها البعض أن تتزوج فأخذت تبحث عن ملك ذو نسب رفيع وشرف فعلم أحد ملوك السلاجقة المسلمين فطلب منها تتزوج ولده ولكنها رفضت الزواج بمسلم فقال الأمير ” مغيث الدين طغرل” إذا فليتنصر ابني وهذا ما حصل بالفعل، فلا تتعجب من هذه الحادثة أو غيرها فقد كانت سمت هذا العصر هوان الدين فتجرعوا الأهوال على أيدي التتار، وفي يوم من الأيام رآها تخونه مع احد الخدام فقالت له إما أن ترضي بهذا أو ارحل فقال لا أرضى فقامت بنفيه وإخضاعه للإقامة الجبرية ومنعته من الحركة.

عودة جلال الدين

اكتفى التتار بالمساحة الواقعة تحت سيطرتهم وأخذوا يوطدوا حكمهم فيها، وفي هذه الأثناء ظهر مرة أخرى جلال الدين الهارب في الهند منذ خمس أعوام وأخذا يجمع الأنصار حول ولكنه جمع الأنصار لا لحرب التتار! ولا لتحرير ملكه وملك أبيه المنهوب بل لمحاربة أخيه غياث الدين، فتحالف مع سعد الدين بن دكلا وقام جلال الدين بغزو فارس ومحاربة أخوه غياث وظل يتوسع حتى اقترب من أرض الخلافة العباسية وأعلن الحرب عليها وحاصر البصرة شهرين ثم فك الحصار واتجه إلي بغداد ولكن ماذا فعل الناصر الخليفة العباسي أرسل إلي التتار يحرضهم على جلال الدين! لكن التتار كانوا منشغلين بأراضيهم التي استولوا عليها.

لا تسأل أين كانت عقول هؤلاء الرجال؟ لان الإجابة ببساطة حب الكراسي وعشق السلطة والغباء السياسي وانعدام الدين يفعل أكثر من ذلك.

أما جلال الدين وجيشه فعاثوا في بلاد المسلمين الفساد وقاموا بأعمال السلب والنهب وكان المسلمين في العراق بين هجمات جلال الدين وظلم وفجور الخليفة الناصر حتى مات وجاء ولده وعرف بالصلاح والتقوى ولكنه مات بعد تسع أشهر وتولى بعده الظاهر بأمر الله، وظل جلال الدين يغير على أراضي المسلمين بهجمات كأنه تتري، في هذا الوقت مات جنكيز جان وحدث هدوء نسبي من عام 624 إلى 627 هجرية.

الهجمة التتارية الثانية عام 628 هـ

بينما كان حكام المسلمين منشغلين في القتال مع بعضهم البعض فجلال الدين يقاتل أخيه ويغير على أرض المسلمين، العراق بها فتن واضطرابات، أرض الشام ومصر خلافات بين صفوف الأيوبيين، إذا بهجمة تتارية ثانية تهدد أراضي المسلمين بقيادة “شورماجان”..

أرسلت الطائفة الإسماعيلية في غرب فارس إلي التتار بأن جلال الدين قد ضعف والفرصة سانحة لاجتياح أرضه، جهز شورماجان جيشه واجتاح بلاد المسلمين اجتياح غاية في العنف و الشراسة والتقى بجيش جلال الدين في حرب شرسة انهزم فيها جلال الدين وفر هاربا والتتار خلفه يسحقون بلاد المسلمين وظل جلال الدين يتنقل من بلدة إلي أخر مثل أبيه حتى نزل في بلدة عند فلاح أكرمه واواه حتى علم انه جلال الدين فقتله بالفأس وهو نائم لان جلال الدين قد قتل جنوده اخو الفلاح. بعد موت جلال الدين سيطر التتار على شمال فارس ثم أذربيجان وحتى أكتمل سقوط فارس كلها إلا الأرض التابعة للطائفة الإسماعيلية، ظل شورماجان خمس سنوات يرسخ حكمه في تلك الأراضي.

التتار والصليبين

برغم من اجتياح التتار لأوروبا وأعمال القتل والتنكيل والسلب والنهب حتى وصل الحال بالتتار بتهديد الغرب باجتياح روما مقر البابوية إلا أن عداء الصليبيين للمسلمين كان هو الأساس فأرسل البابا إنوسنت الرابع وفد للزعيم المنغولي يطالبه بالتوحد لحرب المسلمين واجتياح أرض الخلافة وفي نهاية الرسالة دعى البابا ” كيوك” زعيم التتار للتنصر فغضب كيوك ورد عليه بأن يأتي كل ملوك أوربا تقدم الولاء والطاعة فرفض أمراء أوربا.

ولكن البابا لم ييأس فأرسل إلي القائد التتري ” بيجو” قائد منطقة” تبريز” المجاورة للخلافة العباسة وتحمس للأمر ولكن كيوك أصر على الرفض ففشل الاتفاق ولكن الصليبين أرسلوا وفد ثالث 646 هـ لطلب التعاون مرة أخرى مع كيوك وخصوصا أن الصليبيين كانوا يعدوا لحملة على مصر بقيادة لويس التاسع فتكون الضربة مزدوجة إلا أن كيوك قد مات عند وصول الوفد وخلف بعده ثلاث أولاد صغار فتولت الحكم زوجته واستقبلت الوفد استقبال جيد ولكنها اعتذرت عن المساعدة بسبب الاضطرابات ورفض المغول توليها عليهم فخرجت الحملة الصليبية وحدها على مصر التي انهزمت على يد المماليك.

الإعداد للهجوم على أرض الخلافة

تولى الحكم “منكوخان” وكان قائدا حازما ذو ميول توسعية يحلم بإسقاط الخلافة فعين أخوه هولاكو حكم إقليم فارس، وما أدراك ما هولاكو ذلك السفاح الذي لا قلب له ويرتوي بدماء البشر ولكنه كان ذكي اعد العدة في خمس أعوام من 649 لـ 654هـ وعمل على محاور عدة لتحقيق حلمه منها:

  1. اهتم بالبنية التحتية وتمهيد الطريق من الصين إلى العراق أقام الجسور ووضع قوات لحمايتها، جهز ناقلات عملاقة لنقل المعدات لحصار بغداد.
  2. عقد التتار عدة تحالفات ويعد هذا تغيير في استراتيجية التتار فعقدوا صلح مع عدة أمراء صليبيين ليضمن ولائهم والاستفادة من خبراتهم في حرب المسلمين والأعجب من كل هذا أن أمراء المسلمين ذهب بعضهم للتحالف معه خوفا منه.
  3. استخدم هولاكو سلاح الحرب النفسية فكان يغير على أرض المسلمين المجاورة للعراق لبث الرعب في قلوبهم وأرسال الرسائل التهديدية للمسلمين وزرع أتباعهم يحدثون الناس عن قوة التتار التي لا تقهر وأنهم يأكلون لحوم البشر ويشربون دمائهم.
  4. إضعاف جيش المسلمين؛ كان للخليفة المستعصم بالله وزير شيعي “مؤيد الدين العلقمي” أمره هولاكو أن يقنع الخليفة بتقليل عدد الجيش وتخفيض ميزانيته وهذا ما حدث بالفعل فقد كان عدد الفرسان في عام 640 مائة ألف فارس وأصبح لا يتعدى عشرة آلاف وانصرف الجيش للأعمال المدنية.

هكذا أحكم هولاكو السيطرة على أمراء أوربا ومهد الطريق وجهز جيشه بأعداد غفيرة من الجنود وزرع الرعب في قلوب المسلمين، كما أنه بفضل العلقمي الشيعي وزير الخليفة عرف كل كبيرة وصغيرة عن الوضع الهزيل الذي كانت عليه أرض الخلافة ولا ننسى اتفاقه مع بعض الملوك الأكراد باشتراكهم في الحملة التتارية على أرض الخلافة وهذا كان ملخص إعداد الخمس أعوام، كم يذكرنا إعداد هولاكو بأساليب أعدائنا اليوم نفس المكائد وللأسف نفس الانبطاح للمسلمين إلا من رحم ربي.

التتار على أعتاب أرض الخلافة

بينما كان هولاكو يعد كل هذا كانت أرض الخلافة في سبات عميق ظهر جيش التتار فجأة وأخذ يعد معداته لحصار المدينة ودب الرعب وجمع الخليفة الوزراء وكان العلقمي على رأسهم وطالب بعقد صلح وعدم قتال التتار ولكن مجاهد الدين أيبك وسليمان شاه أخذوا يحثوا الخليفة على المقاومة والجهاد، بعد تردد قرر الخليفة الجهاد.

ولكن ماذا حدث؟ كيف كان سقوط الخلافة؟ وما تداعيات هذا الحدث على باقي العالم الإسلامي؟ هذا ما سنعرفه في موضوعنا القادم.


المصادر

ليليان أحمد

كاتبة وباحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية، وقضايا الفكر الإسلامي، أكتب من أجل إيجاد الوعي في… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى