تكلمنا في المقال السابق عن الصراع الذي حدث بين الإخوة، وخصوصًا بعد موقعة أنقرة، ووصلنا إلى الصراع الذي حدث بين موسى وأخيه محمد الذي انتهى بانتصار محمد جلبي عليه؛ ما جعل الساحة خالية له، وأصبح سلطان الدولة العثمانية بلا منافس بعد مرور فترة ليست بالطويلة ولا بالقصيرة، سمحت بانتشار الفتن، وأبرزها وأخطرها كانت فتنة «بدر الدين بن إسرائيل» التي تحدثنا عنها سابقًا، ناهيك عن التدخلات التيمورية في تقسيمات الدولة وتفتيتها إلى أشلاء.

لذلك عمد محمد جلبي إلى إطفاء نار الفتنة أولًا، فأخمد ثورة، وقتل «بدر الدين ابن إسرائيل» الذي ادعى النبوة، ووصل به الأمر أن صار له أتباع؛ ما سمح له بالقيام بثورة على الدولة العثمانية، كانت ثورة قوية بالدرجة التي تفتك بالدولة نهائيًا، خصوصًا وهي في مرحلة من الضعف الشديد. إلا أن اللّه تعالى قيد السلطان محمد جلبي ويسر له بأن فتك بهذه الفتنة الشديدة، وخرجت منها الدولة بقوة أكثر مما سبق.

قام محمد جلبي باتباع سياسة حكيمة في التعامل مع الوضع الحساس الذي كانت تمر به الدولة، فهو يعلم جيدًا أن المقدرة العسكرية منهكة، وخصوصًا بعد أن كانت الدولة في حروب داخلية لمدة عشر سنوات بعد موقعة أنقرة؛ ولذلك كان حكيمًا في تصرفاته العسكرية والسياسية، فصار بسياسة الشدة والحزم مع الحكمة، دون أن يقلل من شأن الدولة أو الخضوع لتيمورلنك أو للغرب الصليبي، ولذلك اتبع عدة أمور:

  • بالنسبة للأراضي التي انتزعها تيمورلنك وأعادها للتركمان وأمَّرهم عليها ليشتت الدولة، فلم يدخل محمد جلبي في صراعات معهم، بل قام بالدخول في صداقات حتى لا يكوّنوا أحلافًا ضده.
  • وطد العلاقات مع الروميلي، فاستقبل سفارات راجوزة والبندقية وجنوة، وجدد معاهدات تجارية معهم. كما استقبل سفراء الصرب والأفلاق الذين أتوا للتهنئة بمقام السلطنة، وأعاد للإمبراطور المناطق التي كان سليمان قد أخذها.
  • وبعد أن اطمأن للوضع الذي أصبح شبه مستقر، بدأ في انتهاز الفرص لإعادة الملك وتوحيد الدولة من جديد. فكان لا يتغاضى عن التجاوزات التي تحدث من الممالك المحيطة به، سواء في الأناضول أو في الروميلي، حيث كان السلطان ينتهز فرصة الاعتداءات ويشن حملة على تلك المناطق ويسرع بتطبيق العقوبات، وذلك بضم المنطقة ضمًا مباشرة لأملاك الدولة العثمانية، أو بفرض النفوذ العثماني عليها وإعلان تبعيتها من جديد. ومثال ذلك عندما تجاوز «جنيد بن أيدين» حدود الدولة معتديًا على الوالي العثماني «بأيدين إيلي»، شن محمد جلبي حملة عليه قادها بنفسه، وانتهت بحصار أزمير وفتحها؛ ما فتح الباب لسيطرته على بحر إيجة، مما جعل قوته تظهر هناك، فاضطر أمراء جزر “فوجة” و”ميدللي” و”ساقيز” التابعين لجنوة لقبول النفوذ العثماني ودفعوا الخراج السنوي، ويعد ذلك تصرفًا في منتهى الحكمة والذكاء، فهو يعيد الأملاك بغطاء دولي (بمسميات اليوم)، أو بشرعية من الأعداء الذين لن يعترضوا ذلك؛ لأن هذه المناطق تعتبر قد خالفت الاتفاقيات المبرمة، ولذلك تستحق توقيع العقوبات عليها. بل ولا يمكن لهذه الدول الصليبية أو المناطق التركمانية أن تعترض على ذلك، وإلا اعتبرت مخالفة للاتفاقيات المبرمة.

ومن ذلك أيضًا، تأديبه لـ«محمد بن قرمان» الذي كان قد انتهز فرصة الصراعات والفتن في الدولة العثمانية، وقام بمهاجمة الدولة حتى وصل إلى بورصة وحاصرها ونهبها؛ فشن محمد جلبي حملة عليه شارك فيها بعض من بني كيرمان، وأحكم الحصار على ابن قرمان؛ ما اضطره لطلب الصلح الذي نقضه مرة أخرى. فعاد له محمد جلبي من جديد، وهزمه هزيمة قاسية، وأجبره على توقيع معاهدة تبعية جديدة للدولة العثمانية تنازل بمقتضاها عن «يكي بازار»، و«سيوري حصار»، و«اقشهر”، و«بكشهر»، و«سيديشهر» للعثمانيين، وارتضى بدفع الخراج السنوي عن الأراضي الموجودة تحت يده، بل والمشاركة بفرقة عسكرية عند الضرورة.

الاستفادة من صراعات الآخرين

من الذكاء والحكمة إذا كنت في مرحلة من الضعف أن تستفيد من أخطاء الآخرين، فعندما نشب صراع بحري بين الدولة العثمانية والبنادقة، وانتهى بالنصر للبنادقة، استغل محمد جلبي الصراع الذي حدث بين «ميرجه»، أمير الأفلاق، ومنافسه «دان» الذي طلب مساعدة محمد جلبي. فلبّى محمد جلبي النداء، وقدم مساعدات انتهت بالنصر له، وإعادة القوة للعثمانيين مرة أخرى، بل ودفع الخراج السنوي المتأخر وزيادة قيمته. وكذلك الحال لما نشب صراع بين «إسفنديار ان جاندار» وابنه «قاسم» بسبب تقسيم أملاك الإمارة، فتدخل محمد جلبي في الصراع الذي انتهي بالاعتراف بسلطة العثمانيين على هذه المناطق.

هذا إن دل، إنما يدل على حنكة وذكاء، حيث استطاع بهذه الطريقة أن يعيد كثيرًا من أملاك الدولة التي أُخذت منها، بالإضافة إلى استعادة هيبة الدولة العثمانية داخليًا وخارجيًا، بعد أن تدهورت الأوضاع بشدة نتيجة الحروب والفتن الداخلية وأصبحت هيبة الدولة ضعيفة داخليًا، وبعد أن كانت الدولة العثمانية محط طمع للجميع خارجيًا.

ولذلك، كان محمد جلبي يقوم بهجمات من وقت لآخر، ويستعيد الأملاك دون الخوض في حروب مفتوحة كبيرة حتى لا ينهك الدولة والجيش بما هو فوق طاقته، الأمر الذي جعل الدولة مهيبة وقادرة على صد أي هجمة تحدث وتواجهها بقوة، بل ويعلم الجميع أن العقوبات تكون قوية إلى أقاصي الدرجات في حال حدوث إي اعتداء على أملاك الدولة. لذلك، فلا بد من التعامل بحذر شديد مع الدولة العثمانية.

وفاته

بعد أن بذل -رحمه اللّه- قصارى جهده في محو آثار الفتن ومحاولاته المستميتة لإعاده هيبة الدولة، بل لإعادة الدولة من الأساس وشروعه في إجراء ترتيبات داخليه تضمن عدم حدوث شغب داخلي في المستقبل. وبينما كان السلطان في كل هذا، شعر بدنو أجله فدعى الباشا بايزيد وقال له: «عينت ابني مراد خليفة لي فأطعه وكن صادقًا معه كما كنت معي. أريد منكم أن تأتوني بمراد لأنني لا أستطيع أن أقوم من الفراش بعد، فإن وقع الأمر الإلهي قبل مجيئه حذار أن تعلنوا وفاتي حتى يأتي».

وتوفي السلطان محمد جلبي عام 1421 م، وقد اعتبره المؤرخون العثمانيون بمثابة نوح الذي حافظ على سفينتهم عندما هددهم الغزو التتري، وخوفًا من حصول ما لا يحمد عقباه لو عُلم بموته قبل وصول مراد، اتفق إبراهيم وبايزيد، وزيرا السلطان، على إخفاء خبر وفاة السلطان، وادعيا أنه مريض إلى أن حضر مراد بعد 43 يومًا واستلم مقاليد الحكم.

131

الكاتب

مصطفى محمود زكي

ماجستير قانون عام وباحث دكتوراه، مقدم حلقات شخصيات حق علينا معرفتها وكاتب بموقع الألوكة. نرى أننا إذا أردنا النجاحَ والتقدمَ فإنه لا سبيل عن معرفةِ الماضي معرفةً دقيقة واعية، حتى نعرفَ ماذا فعل أعداءُ الأمةِ بنا، وكيف نهض السابقون بالأمة.

التعليقات

  • محمدالزامل منذ شهر واحد

    عرض جميل للتاريخ ……………..شكرالك

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.