أستخدم فيسبوك منذ حوالي 6 سنواتٍ تقريبًا بمعدل 12 ساعة في اليوم (أتركه مفتوحًا بجانبي دومًا). لدي العديد من الصفحات والمواقع والمجموعات التي أنشأتها عليه والتي يهمني أمرها وإدارتها، بها عشرات الآلاف من الأشخاص. قبل فترة اتخذتُ قرارًا أخيرًا بمغادرته، وقد فعلتها أخيرًا. سأحاول مشاركة تجربتي معكم هنا.

إدمان فيسبوك

كل شيء فيه يجعلك تدمنه، المعلومات والأخبار والفيديوهات تنهمر عليك من كل حدبٍ وصوب. يمكنك وأنت جالس في اسطنبول أن ترى فيديوهات مباشرة لأناسٍ من الإسكيمو أو البرازيل أو الصين. ترى عشرات المنشورات والتقارير المهمّة، تتابع أناس ملهمين وتستفيد منهم كذلك. كل شيء إلى حد الساعة جميل.

المشكلة هي أنّه يأخذ كل وقتك وأنت لا تشعر. تقضي عليه عشرات الساعات أسبوعيًا لمتابعة الأخبار أو مشاريعك وصفحاتك. الوقت يمضي بسرعة، لا تشعر إلّا وقد حلّ المساء وأنت لم تنجز شيئًا بعد. في حالتي، كان فيسبوك هو السبب الرئيسي وراء ذلك. الموقع يقدّم لك المعلومات من شتّى أنحاء العالم، المشكلة هي أنّه لا يمكنك تحمّل واستيعاب جميع هذه المعلومات والبيانات سويةً. مما يدفعك إلى متابعته كلّ يوم لمحاولة استيعاب أكبر قدر ممكن من البيانات.

هذا طبعًا بغض النظر عمّن لديه أعمال على الموقع. المسوقون وغيرهم من الناس أصحاب المواقع ممن يريدون التواصل مع جمهورهم لزيادة أرباحهم. هؤلاء أيضًا مقيدون بأغلال شبكة اجتماعية مثل فيسبوك.

التخدير

المشكلة الأخرى – والتي لا يحسّ بها الكثيرون – هي التخدير، فيسبوك مجال افتراضي “وسطي جميل” للتعبير عن الآراء والصدامات الفكرية بعيدًا عن أرض الواقع. أفكار تتناطح هنا وهناك وفي كل موضع بِتٍّ على الموقع. تتابع هؤلاء الأناس “الملهمين” ظانًّا أنك تستفيد منهم بالفعل. في الواقع أنت لا تفعل، أنت فقط تقرأ كمتوسط 150 كلمة لهم في اليوم أو تتابع أخبارهم وأحداثهم. يتم تخديرك شيئًا فشيئًا لتحسّ أنّك توقفت عن القيام بأي شيء على أرض الواقع وفقط تتابع الأفكار على العالم الوهمي.

أنت لا تغير شيئًا من نفسك عبر فيسبوك. جميع الصفحات الثقافية الترفيهية السياسية التي تتابعها لن تغير شيئًا من واقعك. هي فقط مصدر ليمدّك بالمعلومات. إن لم تستخدم هذه المعلومات فستظل مكانك.

يمكنني تأليف كتاب عن مساوئ فيسبوك ولن أنتهي. ليس هذا موضع هذا المقال. المساوئ هائلة جدًا وأكبر من أن تتصورها.

ما المحاسن؟

خرافية: فيسبوك نوعٌ من أنواع الإدمان بل لربّما يكون أقصاها. إن كسرت هذا الإدمان فيمكنك فعل أي شيء آخر تريده في حياتك. لأنّ الإنسان إن امتلك زمام أمره وكسر إدمانه فهو يمتلك الإرادة كذلك ليحقق أي شيءٍ آخر في حياته. محاسن ترك فيسبوك يمكن جمعها في كتابٍ هي الأخرى. أنت هنا لا تترك مجرد موقع على الإنترنت. أنت تتخلص من إدمان.

كيف نتخلص منه إذًا؟

لا يوجد حلّ سحري. نهائيًا، إن كنت تنتظر تلك التدوينة التي تخبرك عن 27 طريقة للتخلص من إدمان فيسبوك فهي غالبًا ستأتي ولكنها مجرد تدوينة أخرى تقرأها ثم ترميها إلى سلّة قمامتك العقلية وتتابع حياتك. لا يوجد حلّ سحري لأي شيء في الواقع. الإرادة هي الحلّ الوحيد. أن تغلق الموقع وتطفئ حسابك وتعمل على ما تريد أن تعمل عليه حقًا.

مجددًا: لا يوجد حل سحري، ولن يكون. فقط لكي أجعلك متأكدًا. لا تبحث عنه فهو لن يأتيك.

بالنسبة لي، ما فعلته كان ببساطة هو أنني ذهبت إلى موقع Random.org لإنشاء كلمة مرور عشوائية. نسختها من هناك ولصقتها في خانة تغيير كلمة المرور على فيسبوك دون أن أحتفظ بنسخة عندي. غيّرتُ كلمة المرور لشيءٍ لا أعرفه ثمّ سجلت الخروج من حسابي على جميع أجهزتي. الآن، لا يمكنني الدخول لحسابي:

التخلص من إدمان فيسبوك

بالطبع، يمكنني استرجاع كلمة المرور عبر البريد الإلكتروني وتغيير كلمة المرور. ولكن هذا خيارٌ طويل ولأنني كسول فلم أقم به حتّى اللحظة. مجددًا: الضامن الوحيد لك هو الإرادة، ولا شيء آخر قد يمنعك فعليًا من العودة إليه. قم بإزالة نطاق facebook.com من تاريخ متصفحك. قم بإزالته أيضًا من الوصول السريع والعلامات. أزل أي شيء قد يدفعك إلى فتح ذاك الموقع مجددًا.

يمكنك أيضًا تثبيت إضافة Block Site على فيرفكس وكروم وإضافة نطاق فيسبوك إلى خيارات الإضافة لحجبه. الآن لا يمكنك الوصول إليه بأي طريقة. وستتذكر أنّك تريد حقًا التخلي عنه في كل مرة تحاول فتحه.

مالبديل؟

تويتر. لأنّه ممل جدًا. خوارزميات فيسبوك تقوم بتحديث الصفحة الرئيسية لك في كل ثانية. تفتح الصفحة ترى سلسلة من المنشورات. تحدّث الصفحة فترى منشورات أخرى. بهذا الشكل أنت مدمن على تلك الصفحة الرئيسية فهي تتغير كل لحظة وتعطيك معلومات جديدة. أمّا في حال تويتر فإنّ تدفّق التغريدات ثابتة وفق التغريدات الأحدث. حتّى لو حدّثت الصفحة مليون مرّة فستبقى المعلومات والتغريدات كما هي. بالتالي لن تدمن الموقع ولا يمكنك أن تدمنه. فكل الموجود فيه قديم منذ أن تحققته قبل 5 دقائق.

هناك سلسلة من المواقع الأخرى التي يمكنك أن تتابعها مثل Reddit, Quora وغيرها من المواقع والمدوّنات. ميّزة هذه الأشياء هي أنّها غير إدمانية على عكس فيسبوك. خوارزميات عرض المنشورات فيها ثابتة تعرض لك المواضيع وفق المتوفّر والتاريخ وليس أي منشور عشوائي متوفّر كما في فيسبوك. يضمن لك هذا ألّا تدمنها وأن تحافظ على وقتك.

الآن من المهم أن تدرك أنّك حررت ساعاتٍ وساعات من وقتك اليومي. عليك استغلال هذا لعمل أشياء مفيدة لك. اعمل على مشاريع، قم بعمل رياضة، أنجز مهامك اليومية، لا أحد يستطيع أن يخبرك كيف ستملأ وقتك. وقتك هو حياتك وحياتك عبارة عن اختياراتك وقناعاتك أنت. عليك أن تبحث بنفسك عن الطريقة المثلى لتملأ هذا الفراغ. لا تتركها فارغة دون أيّ شيء لأنّ هذا سيحتّم عليك العودة إلى ما كنت عليه.

يمكنك أن تقضي وقتك وأنت تحلم بنجاحك وإنجازاتك وكم أنت عظيم، ولكنّه لن يغير شيئًا من واقعك البائس، من واقع أنّك غير قادر على التخلّص من إدمان موقع إنترنت فكيف تصل إلى ما تطمح بالوصول إليه؟ من ينهزم أمام نفسه سينهزم أمام أي شيءٍ آخر. لابن القيم مقولة خالدة في الداء والدواء ص. 354-355:

وأخسّ الناس همّة وأوضعهم نفسًا من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة، واستجلبها لنفسه، وتحلّى بها، وهي – لعمر الله – رؤوس أموال المفلسين، ومتاجر البطّالين. وهي قوت النفس الفارغة التي قد قنعت من الصول بزورة الخيال، ومن الحقائق بكواذب الآمال.
وهي أضرّ شيءٍ على الإنسان، وتتولد من العجز والكسل، وتولّد التفريط والحسرة والندم. والمتمنّي لمّا فاته مباشرة الحقيقة بحسّه نحَتَ صورتها في قلبه، وعانقها، وضمّها إليه، فقنع بوصال صورةٍ وهميةٍ خياليةٍ صوّرها فكره، وذلك لا يُجدي عليه شيئًا، وإنما مثله مثل الجائع والظمآن يصوّر في وهمه صورةَ الطعام والشراب، وهو يأكل ويشرب.
والسكون إلى ذلك واستحلاؤه يدلّ على خساسة النفس ووضاعتها، وإنّما شرف الناس وزكاتها وطهارتها وعلوّها بأن ينفي عنها كلّ خطرة لا حقيقة لها، ولا يرضى أن يخطرها ببال، ويأنف لنفسه منها.

ماذا عمن يمتلك أعمالًا عليه التحقق منها كل يوم؟

يمكنك تخصيص وقت معين كل يوم للتحقق من هذه الأشياء ومتابعة أعمالك وعملائك على فيسبوك. لتكن 20 دقيقة كحدٍ أقصى واجعلها مرّة واحدة (يعني متصلة وليست 5 دقائق بالصباح و5 بعد الظهيرة و5..). هذا لكي تعوّد نفسك على الابتعاد عن الموقع. قم فقط بعملك، لا تفتح صفحات ومجموعات لا علاقة لك بها ولا تتابع الأخبار على حائطك. فقط قم بعملك واخرج.

لإعادة الدخول إلى الموقع، فقط قم بإزالة الموقع من أي حظر لإضافة ثبّتَها. وقم في صفحة تسجيل الدخول باسترجاع كلمة المرور. لكن لا تقم بتغيير كلمة المرور إلى واحدة تعرفها. فقط قم بفتح القفل عن حسابك والدخول دون تغيير كلمة المرور (اضغط على Skip في الصورة بعد أن تقوم بإدخال الشفرة التي تصلك على بريدك):

التخلص من إدمان فيسبوكبعدها سيتم فتح الموقع لك ولكن لجلسة واحدة فقط. بمجرّد أن تغلق متصفّحك سيتم تسجيل خروجك بعد فترة ويجب عليك إعادة إدخال كلمة المرور – التي لا تعرفها – لتتمكن من إعادة الدخول. بهذه الطريقة تضمن عدم تعويد نفسك على الدخول كل فترة إلى الموقع.

النهاية

لا تيأس إن عُدت إلى ما كنت عليه بعد يومٍ ويومين. هذا متوقّع في أوّل أيام المحاولة ولكن ما يهمّ حقًا هو ألّا يخبو عزمك وألّا تذهب عزيمتك. تابع نفس المحاولات في اليوم الثاني والثالث إلى أن تصل إلى التخلّي عنه كلّيًا.

توكّل على الله وخذ القرار. هناك عشرات التجارب الإيجابية التي يمكنك البحث عنها عبر الإنترنت لمن تركوا فيسبوك وتغيّرت حياتهم – حرفيًا – بعدها. يمكنك الاطلاع عليها أو طلب المساعدة.

1135

الكاتب

محمد هاني صباغ

شاب مسلم، مؤسس عدد من المبادرات العربية والعالمية عن البرمجيات الحرّة والمفتوحة. مبرمج ومدوّن. كاتب مستمر في تبيان.

التعليقات

  • مقال قيم منذ 3 سنوات

    بارك الله فيك!

    رد
  • Mohamad Zidani منذ سنتين

    تدوينة جميلة. انا ايضا واجهت نفس المشكل لكنني استخدمت هذه الاستراتيجية.

    http://www.7ibr.pro/99-يوم-من-الحرية-لعلاج-ادمان-الفيس-بوك/

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.