لا شك أن النفس دائمًا ما تبحث عن راحتها وسعادتها وتحقيق توافقها من حين لآخر، وقد جاء الإسلام بمنهج سليم يُلبّي احتياجات النفس البشرية، والسمو بها نحو نفس متوافقة مطمئنة، متمثلة في الكتاب والسنة الحافلين بالموضوعات التي تقوم بمداواة النفوس بعبارات بسيطة تعطي معانٍ كثيرة تُستشَّف منها العبر والعظة والإجابات الشافية.

لم يخلُ أي دين على وجه الأرض منذ آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم إلا وقد تكلم عن النفس، وأبدى اهتمامه لها ومحاولة تهذيبها والارتقاء بها نحو الأفضل، وتحقيق السعادة نحو نفس مطمئنة يرضى عنها الله عز وجل.

إن الإنسان -شئت أم أبيت- يتكون من جسد وروح، فالجسد الظاهر يمكنك تعديل السلوكيات الصادرة منه وعلاجها بسهولة، ولكن ماذا عن الروح إذا حدث لها اضطراب، كيف يتم علاجها؟

يظل المرض النفسي أعظم من الأمراض العضوية، بل إن المرض النفسي قد يأتي بأمراض عضوية، فالأمراض العضوية يمكنك علاجها بالعقاقير وتشفى، أما الأمراض النفسية إذا لم تُعالَج قد يفضي بها إلى الانتحار.

وقد جاء الإسلام برسالة خالدة ومنهج سليم يداوي النفوس ويعلي الهمم ويُزكي النفوس ويقودها نحو نفس تليق بعبوديتها لربها عز وجل، ومتزنة انفعاليًا في بيئتها الاجتماعية.

أسباب الاضطرابات النفسية

تنشأ الاضطرابات النفسية من أمور عدة، كارتكاب المعاصي وتشويه المفاهيم الدينية وضعف الضمير والقيم والمعايير والضعف الأخلاقي والشعور بالذنب.

إن البعد عن الدين وعدم ممارسة العبادات والإذعان للشيطان واتباع الهوى يؤدي إلى الانحراف والشقاء والضيق، ويدخل الإنسان في صراع داخلي بين تأنيب الضمير والشعور بالكدر وحزن والهم. ومع الإصرار على العصيان واتباع الهوى يضعف الضمير ويحدث نوع من عدم التوازن لدى الفرد .قال تعالى:﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153] كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾  [الأعراف: 33]

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: 124]

أعراض الاضطرابات النفسية

كيف عالج الإسلام الاضطرابات النفسية؟ 3

إن ارتكاب المعاصي والآثام  يكشف لنا أعراض الأمراض النفسية والانحرافات السلوكية والاجتماعية –مثل الجنس، والسرقة والعدوان..إلخ–، وبالتالي تنعكس سلبًا على الفرد؛ إذ يشعر الفرد بعدم الارتياح والضيق، ما يهدد الذات ويجعل الفرد غير متزن سواء مع نفسه، أو مع أهله والبيئة التي يحيا فيها.

ومن أعراض الاضطرابات النفسية أيضًا الخوف المستمر وتوقع الخطر، وعدم الثبات والاستقرار النفسي، والاكتئاب والتشاؤم والغم والكدر والقلق، ومن ثم انعدام السلام والطمأنينة والراحة النفسية.

العلاج النفسي بين الروحانية والمادية

يقوم العلاج الديني على أساليب ومفاهيم ومبادئ دينية وروحية، بينما يقوم العلاج المادي على أساليب ومفاهيم ومبادئ وطرق للعلاج من صنع البشر. ويمكن تلخيص العلاج الديني والمادي في النقاط التالية:

  • يعتمد العلاج النفسي الديني على التوجيه والقيم والمبادئ الروحية والأخلاقية.
  • يقرر العلاج الديني أن الصراع يقوم على أساس روحي وأخلاقي، بينما العلاج النفسي المادي يقوم على أساس بيولوجي غرائزي.
  • العلاج النفسي الديني هو عملية توجيه وتربية وتعليم وإعادة سمة الفطرة للإنسان وتقوية ثقتها بنفسها وبخالقها.
  • إن العلاج الديني أفضل وأعظم العلاج للنفس البشرية، لأن النفس كما أننا لا نعلم حقيقتها، إلا أننا نتأثر بما يُصيبها، وأن من يعلم حقيقتها هو الله عز وجل لأنه خالقها ويعلم مكنونها وما يصيبها، ولذلك أنزل المنهج الذي فيه صلاح الناس، وأرسل الرسل لتوضيح هذا المنهج وتهذيب نفوس البشر.
  • يوفر الدين الأمن الذي قد لا يستطيع علم النفس أن يوفره، وقد أكد بعض علماء النفس على ذلك مثل “كارل يونج”، حيث أكد على أهمية الدين وضرورة إعادة غرس الإيمان والرجاء لدى المريض، كما أكد “سيكل” على أهمية تدعيم الذات الأخلاقية لدى المريض.

علاج الاضطرابات النفسية في الإسلام

للعلاج النفسي في الإسلام طرق عديدة ولها فاعلية وتأثير كبير في النفوس، وما أحوجنا في هذا العصر للاهتمام والأخذ بهذه الطرق والمساهمة  في معالجة النفوس المريضة، والتي تسعى للخلاص والسعي نحو الأفضل ولا تجد من يأخذ بيدها ليحررها من أغلال الانحرافات التي نراها. ولكي يتم العلاج الصحيح والحصول على نتيجة فعالة، يجب أولًا تهيئة البيئة النفسية الداخلية للفرد قبل البدء في تطبيق طرق العلاج.

أولًا: تهيئة البيئة الداخلية للفرد

الاعتراف: وهو أن  يُقِرّ لربه بذنوبه وخطاياه  وتفريغ ما بنفسه من انفعالات ومشاعر الإثم المهددة حتى يخفف من مشاعر الخطيئة وعذاب الضمير، وقد تمثل ذلك الاعتراف فيما ورد على لسان آدم وحواء عليهما السلام عند مخالفتهما أمر الله تعالى، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾  [الأعراف: 23]

الاستبصار: ويعني الوصول بالمريض إلى فهم أسباب شقائه ومشكلاته النفسية والدوافع التي أدت إلى ارتكاب الذنوب، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: 124]

التعلم واكتساب اتجاهات وقيم جديدة: فمن خلال ذلك، يتم محو أو تعديل سلوكيات قديمة واكتساب سلوكيات جديدة، ومن ثم يحدث تقبل الذات وتقبل الآخرين وتكوين علاقات اجتماعية صادقة مع الآخرين. قال تعالى:

﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]

التوبة: تعتبر التوبة أمل المخطئ الذي تحطمه ذنوبه، والطريق إلى المغفرة إذا تحرره من آثامه وخطاياه، ومن ثم يشعر الفرد بالتفاؤل والراحة النفسية، وبخاصة حينما يعتقد اعتقادًا تامًا أن الله يقبل التوبة من عباده، ويتمثل ذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]

التضرع والدعاء: ويقصد بهما سؤال الله واللجوء إليه وحده في كشف الضر والبلاء إذ يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]

الإكثار من الطاعة وذكر الله: وهو غذاء روحي مطمئن ومهدئ، وعلاج ناجح يبعد الوسواس القهري. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

ثانيًا: طرق العلاج النفسي في الإسلام

كيف عالج الإسلام الاضطرابات النفسية؟ 5

الطريقة الاقتدائية: قد يكون القدوة الطيبة، والاقتداء بالمربي الفاضل الأثر الطيب في تحقيق هدف المعالج. وهو ما يدعو إليه قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾

الطريقة الوعظية: وتعتمد على أساليب النصح والترغيب والترهيب، وذلك لتعلم وتعديل المفاهيم امتثالًا لقوله تعالى” ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾  [لقمان: 17]

طريقة المناظرة والحوار الإقناعي الفكري المنطقي التدريجي: ويقصد بها استخدام المنطق والعقل والحوار للتعرف على الأفكار غير العقلانية بطريقة مباشرة للإقناع، ويتمثل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 258]

الإسلام ليس مجرد دين إنما هو منهج حياة

إن الذين لا يريدون تدخل الدين في العلوم –العلمانيين–، ويظنون أن هذا لا يؤدي إلى التقدم والتطور ويرون بأن الدين إذا تدخل في العلوم فإنه لا يخرج من إطاره الديني وسيظل في تأخر ولن يتقدم، هم في الحقيقة مخطئون؛ لأن غاية الدين هي توحيد الله عز وجل والإيمان به والعبودية له، ومن ثم فإن الإيمان بالله يحث ويدعو للاكتشاف والبحث، فلم يكن الدين -الإسلام- معاديًا للعلوم، بل إن الله عز وجل ذكر آيات عديدة تدعو للبحث والتفكر والنظر (أفلا يتفكرون، أفلا يعقلون، أفلا يتدبرون،  فلينظر الإنسان مما خلق …إلخ)

إن علم النفس خير مثال على ذلك، حيث أن علم النفس تحديدًا يحتاج إلى الجانب الديني مع المادي –الجسد الظاهر-. فلا يمكن فصلهما عن بعض، لأنك إذا اهتممت بدراسة السلوك الظاهر دون الاهتمام بالجانب الروحي –الديني– فإنك أشبه بمن يدرس سلوكيات الأنعام أو حركات آلة عاملة فقط، همها إشباع حاجاتها البيولوجية فقط.

إن الإسلام لا يمنع الأخذ باكتشافات الغرب، ولكن يجب أولًا تفنيد هذه الاكتشافات وتنقيتها وأخذ الصحيح منها وترك ما ليس بصحيح.

ختامًا

فإن النفس المطمئنة التي امتثلت لأوامر الله واجتناب نواهيه لا يؤثر فيها أي اضطراب نفسي مهما كان، لأنها تحيا حياتها على يقين تام بالله، فهي متوافقة مع نفسها والمجتمع الذي تحيا فيه. هذا وإن تزكية النفس ومحاولة علاجها وتوجهها نحو النهج السليم يؤدي إلى تحقيق الراحة النفسية والطمأنينة القلبية، وبالتالي تكون سلوكياتها التي تصدر عنها سليمة صحيحة وليس بها شذوذ أو خلل. ويرحم الله ابن القيم إذ قال:

“إن العلاج الديني هو أجود العلاج وأنفعه وأفضله وأنجحه، وأكمله، وأجمعه”

203

المصادر
الكاتب

التعليقات

  • elsayed ismail منذ 3 أسابيع

    اقول لكم بصدق انني لم اجد طريق السعادة في الحياة الا بالطريقة الاسلامية وبالتعليمات الاسلامية كما سبق فلم اجد غير باب الله يايا ولم ارى دون حكم الله حكما لانه لم اجد اي سلطان على قلبي غير الله سبحانه وتعالى

    رد
  • أبو هيثم محمد منذ 3 أسابيع

    الحمد لله على نعمة الإسلام

    وجزاكم الله خيرا..

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.