لم أكن أتوقع حين دخلت غرفة الفصل الجديد أنني سأصطدم بهذا النوع من الفتيات العنيدات، تصرفاتهن مستفزة، ردودهن مؤسفة وترحيبهن مزعج، كانت هذه لحظات دخولي على فصل لتأهيل وتربية الفتيات في عمر “المراهقة” كما يصنفه الأخصائيون الاجتماعيون، رغم أنني لا أتفق كثيرا مع هذه التسمية لأنها من جهة أصبحت شماعة تبرر أي تصرف غير مقبول لدى الشاب والشابة ، ومن جهة أخرى لأجل الطريقة البشعة التي يوظفها بها الغرب فأضحت وسيلة لتغريب وسلخ الشباب المسلم باستدراج ماكر ثم لأنها ليس بالضرورة قاعدة ثابتة، فقد شاهدنا شبابا في هذه العمر يقودون جيوشا في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وشاهدنا عبقرية الإسلام تتجلى في هذه العمر عند الكثير ممن سبقنا من أجيال بل حتى في وقتنا اليوم تميز بعض الفتية خلالها بعقل رزين وأداء مبشّر فلا يمكن أن يكون التصنيف دقيقا ملزما..

بداية تجربتي مع المراهقات

كانت البداية صعبة وعسيرة بحق، فأنا أخاطب فتيات يحملن من الأفكار الهدامة الكثير وربين في وسط ألف الإهمال وقلة المراقبة، مسلمات هذا صحيح لكنهن لم يعرفن من الإسلام إلا الاسم واللباس الذي فرضه عليهن أهاليهن وكانت المفاجأة كبيرة حين رأيت تلك الجرأة في عيونهن، وهي تبرق بالتحدي! وكأن لسان حالهن يقول: ستولين مهزومة كما ولى من جاءنا قبلك!.

استعنت بالحزم والرفق في آن واحد، ولكن قبل التفاعل المباشر معهن، بحثت عن السبيل الأنسب لجذب اهتمامهن بطريقة مختلفة عما اعتدن عليه، فتلقي العلوم الشرعية بطريقة صماء مع هذا النوع من الفتيات خلق لديهن فتورا ومللا لا يقاس!

ولأن في عمق كل مسلم وإن  كان غير ملتزم حنين جارف لتاريخ عزة لا يُنسى، كانت البداية من هنا، من تعرية ذلك الركن في قلب كل واحدة منهن ودغدغة عواطفه بحب التاريخ الإسلامي لتشتعل جذوة الفضول والإقبال بفضل الله،

كنت أقص عليهن البطولات النادرة والمواقف الفذّة والسير الماتعة وأسترسل في تشويقهن كلما لمحت بريق الإعجاب يغلب على بريق التحدي الذي لمحته أول مرة.

استغرقت مني مهمة إحياء الحنين هذه وقتا ليس بطويل، حتى أحييت في قلوبهن معاني الجمال لهذا الدين وعظمة هذا الإسلام، ولا زلت أتذكر تجاوبهن مع ذلك الرسم الذي خططته على السبورة بعفوية، لألخص  لهم تاريخ الإسلام قبل 14 قرن، كان آخر قرن فيه أظلمها! بينما أشعت القرون الأخرى بأنوار الإنجازات الرائعة، ثم مع التشخيص الواقعي لحال الأمة وأسباب انهزامها وتراجعها وتفصيل الحلول والعلاجات الناجعة لعودتها واستعادة مجدها والتي تقع مسؤوليتها على عاتق كل مسلم ومسلمة. كان هذا كافيا بحمد الله لانتشال هذه الفتيات من دائرة التيه والعبث وإدخالهن في دائرة الجد والعمل بقلب مؤمن موقن واعتزاز أمة لله.

بعدها بدأت مسيرة من التجاوب المبشر تجمعني مع فريق الفتيات الجديدات، وكم كنت سعيدة برؤيتي لهن يسابقن في حفظ القرآن وفي إنجاز التمارين والإجابة على الأسئلة بهمة، لقد كان هذا قبس من تجربتي مع ثلة من الفتيات في عمر “المراهقة” والذي أراه ثغرا على المسابقة أن تسده إن كان لديها القدرة و الرغبة.

فقد  تفاجأت بالكثير من الثغرات التي تركتها تربية الأسرة غير المدركة، والتي لا تحيط علما بأي تفصيل حول طريقة تفكير ابنتها، لدرجة أن منهن من انغمست في خطر عظيم وذنوب كثيرة وهي لا تدري بعد أنها مخطئة.

مشروعك الجديد

من هنا استلهمت فكرة مشروعك الجديد، وهو تأسيس نادي تأهيل للفتيات في عمر “المراهقة”، يستوعب هذه الطاقات الضائعة ويعيد توجيهها لما يفيد الأمة.

ستكون البداية من مقر صغير، تقدمين لهن فيه، ما لن يجدنه بسهولة في مكان آخر، تقدمين لهن ترياق العزة وحب الإسلام ، وفرصة التعلم وإتقان المهارات المهمة، رغّبيهن في جلسات ترفع الهمة وتصحح المفاهيم الفاسدة أو المنحرفة، اشغلي وقتهن بأعمال تعود بالخير عليهن وعلى المسلمين واستمعي لهمومهن فستفاجئين بالكثير ثم لعلك تدخلين في الوقت المناسب وتنقذي الأمانة.

معالم المشروع الجديد

وحتى أجلي لك معالم المشروع الجديد، فإنني أنصحك أولا أن تتطلعي على اهتمامات الفتيات في مثل هذه العمر، ولتكن البداية بتوفير منهج تأهيلي تربوي على شكل دورة تعليمية لمدة محدودة، تحتوي العلوم الشرعية مثلا وأخرى للفنون الإدارة والتعامل، وأخرى للهوايات المختلفة والتي لك فيها خيارات كثيرة يمكنك أن تنتقي منها ما يسهل عليك اقتحامه وتوفيره بشكل علم ينتفع منه الفتيات وإن كان كالطبخ والخياطة والتجميل أو تعليم الحاسوب والتعامل مع الانترنت والتدوين وغيره من فنون.

خطوات إطلاق المشروع

أعلني دورتك في الأوساط التي ستجدين فيها استجابة كالمدارس والمساجد والتجمعات العائلية والنسوية، ويمكنك البداية من محيطك الأسري باستقطاب الفتيات القريبات وإن قلّ عددهن،  كما لا تنسي أن تشجعي الأمهات بلغة إقناع جذابة على استيعاب هذه الفتيات وتوفير الوسط النافع لهن. أيضا لا تجعلي من مسألة الوقت عقبة، فلو أنك خصصت لهذا المشروع يومين في كل أسبوع، لكان فيه خيرا كثيرا وبركة، إن صدقت النيّة وكساك الإخلاص.

ستكونين المعلمة والصديقة في نفس الوقت وقربك منهن سيسمح لك بابتكار أفكار للنشاطات الجماعية، كإنشاء مكتبة مشتركة أو كإعلان جدول أعمال خيرية تتطوعن فيه لزيارة أيتام أو مرضى أو مسنين لبرّهم أو تقديم مساعدة للاجئين أو فقراء معوزين لإكرامهم والإحسان إليهم.

فضلا عن تعلم بعض الفنون والأعمال التي يمكنكن من خلالها تقديم المساعدة لمن هم بحاجة لها، وتأملي معي آفاق المشروع لو أنكن اتفقتن على إطلاق برنامج تطوعي تسابقن فيه بالخيرات ، إنه بحق بحر لا ساحل له وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. ذلك أني أرى العمل التطوعي من أفضل الأعمال والقربات التي ينبغي أن يهتم بها المسلم والمسلمة، فهو مملكة البذل والعطاء والإخلاص والتافني يتبدد معه الملل والكسل وتشع الروح ببركات الاستعمال،

ولا ينحصر التطوع في البذل المالي بل قد يكون فكريا ومجهودا جسديا تقدمه المتطوعة في سبيل الله وهي تردد ( لا نريد منكم جزاء ولا شكورا).

سقيفة صفة النساء

وهذا يرجع بي لتاريخ الأمة الماجد، وسقيفة صفة النساء وهي سقيفة خاصة بالنساء في المسجد النبوي، وكانت تجتمع فيها مجموعة من النساء قد تعاون على البر والتقوى وتعاهدن فيما بينهن على التطوع لعمل الخير في المجتمع المسلم، كانت بدايتهن بتخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خاصا لهن لتعليمهن دينهن وكانت مندوبتهن التي تتحدث باسمهن هي أسماء بنت يزيد.

ولو أردنا حصر قصص العمل التطوعي لمن سبقنا من نساء المسلمين لصعب علينا استذكارها كلها، ولكنني أضرب لك بعض الأمثلة لعلها تلهمك وتدر عليك بالأفكار المفلحة..

يذكر التاريخ دار رملة بنت الحارث الأنصارية التي تتسع لحوالي أربعمائة ضيف والتي تبرعت بها لتكون أول دار مخصصة لاستقبال ضيوف الدولة الإسلامية الأولى في المدينة .

وفي المجال الطبي، سبقت رفيدة الأسلمية بشكل يدفع للانبهار بسيرة هكذا سلف، فلا يزال التاريخ يذكر خيمتها التي أوقفتها لتطبيب المسلمين والتي تصنف كأول مستشفى في الإسلام ، وحقيقة من يتأمل همة رفيدة رضي الله عنها يبصر تلك الحرقة الجارفة التي كانت تقود هذه الصحابية المبصرة للمسابقة بالخيرات حتى في عقر ساحات الحرب. ويكفيها فخرا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أصيب سعد بن معاذ رضي الله عنه بالخندق: (اجعلوه في بيت رفيدة حتى أعوده من قريب) .

ومن يتأمل في سيرة أمهات المؤمنين والصحابيات الطاهرات سيجذبه ذلك النشاط البارز في مشاركة الرجال الجهاد وبناء دولة الإسلام، فتجدهن يجتمعن للغزل  في البيوت وفي المسجد وأحياناً في أرض المعركة لتجهيز المجاهدين بالحبال فضلا عن التجمع لتوفير الصناعات اللازمة كالقرب والجعب وما يلزم المسلمين في حياتهم اليومية.

وكانت درة الإسلام وفخر أمتها أم عمارة نسيبة بن كعب رضي الله عنها تعد عصائب علقتها في وسطها أعدتها لإسعاف الجرحى وربط جروحهم.

فضلا عن حرص الصحابيات على أن يصنعن ويتصدقن من أيديهن إسهاماً في خدمة المجتمع المسلم.وأقرب مثال على ذلك أمنا أم المؤمنين زينب بنت جحش  رضي الله عنها، فقد كانت تدبغ وتتصدق بعد تصنيع الجلود ودبغها. بل زادت على ذلك لمساتها الجمالية إذ أنها كانت تصنع الجلود بخياطتها خرزاً فتصنع منها الوسائد أو الأفرشة. ولا عجب أن تكنى أم المساكين ويصفها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بطول اليد لبذلها الصدقات والزكوات.

وكذلك برعت أمنا سودة بنت زمعة في دباغة الجلود الطائفية، والتي كانت جلودا متميزة تحتاج إلى خبرة في طريقة دبغها.

لقد  كان باب الصدقات باب تطوع عجيب، وقد ضربت فيه أمنا عائشة وأختها أسماء بنت الصديق المثل السامق في النفقة في سبيل الله.

وعلى هذه الخطى استمرت نساء السلف الصالح في التطوع والتصدق والمسابقة بالخيرات، ولا زالت أوقاف زبيدة زوجة هارون الرشيد التي تذكرنا بها معالمها التي بقيت في طريق الحج من العراق إلى المدينة وعين زبيدة مكة لسقاية الحجيج.

قال ابن الجوزي رحمه الله يصف جميل صنعها: إنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الراوية عندهم بدينار، وإنها أسالت الماء عشرة أميال بحط الجبال ونحوت الصخر حتى غلغلته من الحل إلى الحرم، وعملت عقبة البستان فقال لها وكيلها: يلزمك نفقة كثيرة، فقالت: اعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار.

وإن شئت الاستزادة  لتستلهمي الهمة والأفكار، فدونك سيرة الصحابيات العطرة وبعدهن التابعيات وصالحات المسلمين، جعلك الله مسابقة مثلهن.

لنقم بسد الثغر

إن مجتمعنا المسلم بحاجة للكثير من الإصلاح والدعوة والبذل، ولو بدأنا كنساء بسد ثغورنا وتحسس حاجات المجتمع وتلبيتها على قدر طاقاتنا، تأملي معي كم سنحقق من التغيير في ظرف وقت قياسي، وإن انتشرت عدوى المسابقة بالخيرات، لا أخال إلا بركات ستتنزل على مجتمعاتنا ولعلها تكون سببا في أن يرفع الله عنا هذا الحزن وهذا الغمّ الذي لازم أمة الإسلام عقودا من الزمن، وهكذا يمكننا التأثير إن أردنا ذلك وصدقنا في نوايانا، و لا يهمنا في ذلك النتائج اللحظية بل يهمنا أكثر،  القبول والإخلاص.

كان هذا بعض ما يجول في خاطري حول مشروعك الجديد، أرجو أن أكون وفقت في بسط معالمه لك، وإن كنت أراه يحمل مشروعين معا، مشروع تأهيل “المراهقات” ومشروع “المتطوعات” إلا أنهن حلقتين في عقد واحد وما أجمل أن يكونان معا، زيني بهما نفسك واستذكري نعم الله عليك، وأنت المؤمنة المستعلية بإيمانها والمسابقة بهمتها، روحها معلقة عند قناديل العرش وجسدها حجة لها على الأرض!

 

192

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ستة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.