قرأتَ عن الالتزام وربما أبحرتَ في صفحات وكتاباتٍ كثيرةٍ عن الاستقامة، وَقَرَ في قلبك منها ما وَقَرَ ونسيت ما نسيت ولكن تأكد أن ما ستكتبه أنت سيكون بحقٍّ هو الإنجاز.

اكتب أنت ورقاتك التي تخطها بحبر الصدق والإخلاص والتفاني في العمل، ورقاتٍ تكتبها بمدادٍ من اليقين والإيمان والشوق والفرار إلى الله، فلكل نفسٍ بشريةٍ إحساسٌ منفردٌ وطريقةٌ في التعبير تختلف، لا تكن متكاسلًا بل كن مقلدًا لمن سَلَفَ ومجددًا لمن خَلَفَ، قدِّم للمسلمين ذكرى تنفعهم بتجربتك وخبرتك، دوِّنها لتكون جزءًا من التاريخ… من الحاضر… من المستقبل، إنه عِلمٌ بحقٍ، يستحق منك الكتابة والتبصر والبحث، إنها خبرةٌ تستحق منك أن تورثَها غيرك، اترك لمن بعدك تذكرةً أو أثرًا… ذلك أضعف الإيمان، اجعل من قصة التزامك قدوةً ومثالًا يُحتذى به، اجمع نصائحك، حذِّر من سقطاتك، ليس مهمًا أن يعرفك أحدٌ، بل المهم أن ينتفع منك أحدٌ.

إن هذه الطريق يسير فيها الآلاف بل الملايين ممن افتقد الناصح الأمين أو المعلم الحكيم… أبحر بظلمةٍ تتوق نفسه للاستقامة… للتحليق… للتخلص من حالة التيه والوحشة، ولكنه يجهل المحطات المؤدية لها، يحتاج لمن يعينه بكلمةٍ… بتذكرةٍ، بنصيحةٍ صادقةٍ، لينطلق حرًا وقد تخلص من قيود التأخير، إن منهم من قد ينطلق من دعوةٍ واحدةٍ كالريح يسابق ويعدو يستدرك، لأن الله جعل في قلبه صدقًا وإن رُبِّيَ في وسطٍ سيءٍ بل إن ثمرات صدقه قد تبهرنا!

حين نتأمل في سير عظماء الإسلام، نجد لأكثرهم قصة تحدٍ تلهمنا، بل إن منهم من كان عبدًا مملوكًا ولكنَّ الله رفع ذكره ونصر به الإسلام وجعل صدقه آيةً لمَن بعده، ثم لا تتعلقْ كثيرًا بالأسباب بل برب هذه الأسباب، انظر كيف كان سيف الدين قطز، قائد المسلمين في معركة عين جالوت المجيدة، ابن أخت الملك جلال الدين خوارزمشاه، رُبِّيَ في وسطٍ ملَكيٍ… في وسطٍ قياديٍ… ثم ابتلي بالسَّبي والرِّق والبيع في أسواق النخاسة على أيدي التتار! فهل نفعَتْه حينها تلك المكانة، هل حفظتْه من الإهانة ؟!

ثم حين أراد الله أن يقهر به التتار أنفسهم الذين كانوا سببًا في تعاسته، هيأ له الأسباب، وإن الله إذا أراد أمرًا هيأ له أسبابه، فنقله بمحنةٍ من بلاد الخوارزميين إلى بلاد المصريين، كل هذه المسافة، ليلقى المنحة… لينشأ على القرآن وتعاليم الإسلام والرماية وركوب الخيل، وليصبح فارسًا، يحطم الله به أكبر غطرسةٍ في ذلك الزمان، غطرسة هولاكو وجنده الطغاة.

هل استعان قطز بمكانة أسرته أم بإيمانه وعزته كمسلمٍ أبى أن يذل أمته تتاريٌّ مغوليٌّ همجيٌّ نجسٌّ؟!

ورغم أن مدة حكمه كانت قصيرةً إلا أنه قدَّم فيها الإنجازات التي خلدت ذكراه في صفحات التاريخ، إنه رجلٌ لم يبحث عن عظيمٍ ينصر الإسلام بل كان هو ذلك العظيم الذي يهب لنصرة الإسلام، فانظروا كيف تكون همة المسلم. ولو تفرَّسنا في سير عظماء الإسلام لوجدنا في سيرة كلٍ منهم سرًا للتميّز والتفوق والنجاح، رغم التحديات التي قد تهدد مسيرته وتجهض طموحاته.

إن الإسلام بحاجةٍ لمن يحمل همّه وينشغل به لا من يغفل عنه ثم يطلب فضله وعزته، ومن أَعَزَّ الإسلام وطلب عزته أعزه الله وحفر سيرته تذكرها ملائكة السماء وتدوِّنها سجلات تاريخ الأرض.

ثم إن صلة العبد بخالقه صلةٌ عظيمةٌ بل هي أعظم ميثاقٍ بين اثنين، بين بارئك ومصوِّرك وبينك أنت العبد، فلْتكن هذه الصلة وهذا الميثاق تحت رعايتك الدائمة وعنايتك المستمرة وتفقُّدِك الحريصِ في كل حينٍ، لابد أن تستشعر أن لك ربًا وأنك له عبدٌ وأن بينكما صلةً هي الأغلى والأخص والأهم والأقوى.

إن هذه العلاقة لا تحددها ساعةٌ معينةٌ ولا ظرفٌ معينٌ فأنت القادر على الإنابة لله والتقرب منه في كل حالاتك وفي كل ظروفك، إنها أثمن ما تملِك وأول وآخر ما تحفَظ.

ضع يدك على صدرك، استشعر دقات قلبك، مَنْ أَمَرَ هذه العضلة أن تنبض، من جعل فيها هذه القدرة على الخفقان ليُحيي معها جسدٌ عظيم الأسرار بانتظامٍ، كل دقةٍ ينتظم معها جسمك تقوى بها خلاياك وتستمر في الحياة، فإن أنت أغفلت أهمية هذا القلب فتذكَّر، أنه سيتوقف عن الخفقان يومًا، سيختفي نبضك لا محالةَ، وحينها إنه الموت، هادم اللذات وقاهر الجبابرة ومصير كل العباد والمخلوقات، فهل من مفرٍّ؟ إلى أين أيها المغتر؟!

إن راودَتْك غفلةٌ ما، فقط ضع يدك على هذا القلب وتخيل لحظةً واحدةً أنه سيتوقف في أي لحظةٍ، فما أنت فاعلٌ حينها، اليوم هو ينبض إذًا ما زالت أمامك فرصةٌ للاستدراك… للتوبة والتقرب من الله، احرص على أن تديم اتصال قلبك بالله حتى يُكرِمَك بنور الإيمان وسكينة القرب من خالقك، وإن توقف عن الخفقان وأنت على هذه الحال من التوحيد والعبادة، فإن روحك ستكون في برزخ السعداء، برزخ الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، برزخ الذين أحسنوا الإخلاص والسعي والعمل فطمعوا في رحمة ربهم وعفوه وعظيم أجره.

وهذه الصفحات التي ستكتبها ليس بالضرورة أن تكتبها حبرًا على ورقٍ، بل يكفي أن صفحات لسيرةٍ صالحةٍ بين الناس، يكفي أن تكتبها حسناتٍ في كتابك يوم تلقى الله، فإن للحسنات عَدَّادًا، وللسيئات عَدَّادًا آخرَ، فاحرص أن يتفوق عدادُ حسناتك دومًا على عداد سيئاتك بل احرص على محوها تمامًا ما دمت تملك سرًا لهذا المحو، (إن الحسنات يُذهبن السيئات).

حين تحمل هذا الهم على كاهلك وتنظر للهدف السامق في حياة كل مسلمٍ: رضوان الله سبحانه وتعالى، تصغُر الدنيا في عينك ويتلاشى بريق ملذاتها في حياتك لأنك بدأت تبصر النور الحقيقي يتجلى…  وكلما تقربْتَ من الله كلما فتح عليك في العبادات والدعوات.

ثم إن القلب الذي يتصل بالله تتغير موازينه وتصوراته، تتغير نظرته للحياة وللأهداف، ولذلك فإن بعض الناس لديه قدرةٌ على التغيير سريعةٌ عجيبةٌ، لا يستغرق منهم الأمر إلا مجرد العزم ليظهر عليهم ما عجز عنه آخرون رَبَوا في وسط الاستقامة، ذلك أنهم أدركوا أن صلة الإنسان بربه أثمن الصلات وشعروا بفداحة التقصير فأبوا إلا التعويض عما فاتهم والفوز بالمراتب العلا لا دونها.

ومن روعة هذا الدين  وكرم رب العباد، أنه مهما بلغ بالمرء السوء والتراجع أو السقوط فإن باب التوبة ما زال مفتوحًا بفضل الله ومِنَّته، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله عز وجل: (أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني واللهِ لَلَّهُ أَفرَحُ بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة ومن تقرَّب إليّ شبرًا تقربْتُ إليه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول).

إن لكلٍ منا موهبةً أو قدرةً أو طاقةً تؤهله لتحقيق إنجازاتٍ رائعةٍ في حياته وحياة المسلمين، ولكن المشكلة في الإرادة والإيمان بأننا نستطيع ذلك، فما زال أعداء الأمة يزرعون بذور الانهزامية في مجتمعات المسلمين ويسقُونها بإعلامهم وفنون دجلهم، ليُخمدوا فتيل العزة والإباء في صدور أبناء الإسلام، ولكن العقلاء قد أبصروا هذا المكر وأقبلوا يقلِبون صفحات الروتين والفراغ الممل ويمزقون صفحات العبث والتيه والتخبط في اختيار الأهداف ومشاريع الحياة، ليخُطُّوا في دفاترهم، صفحات جديدةً من التوبة والعودة لطريق الله، من العلم والعمل والعزم والحزم، من وضوح الرؤية وفقه الدنيا والآخرة.

إنها صفحات على كلٍ منا الاعتناء بها لتكون حجةً لنا لا علينا يوم نلقى الله، ولا أفضل من دفتر ملتزمٍ تتزاحم فيه الأعمال والعبادات والمشاريع الراقية التي تبني الإنسان وتبني الأمة…  فكن صاحب ذلك الدفتر وكاتب تلك الصفحات.

وما من كاتبٍ إلا سيفنى ويُبقي الدهر ما كتبت يداه فلا تكتبْ يمينُك غير شيءٍ يسرُّك في القيامة أن تراه

324

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي 10 كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (صيد المقالات) وصناعة الهمة).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.