إن الحديث عن المنظومة الأخلاقية في الإسلام ليس موضوعًا هامشيًا وترفًا فكريًا نتسلى به، بل هو أحد الأسس العملية التي تعكس سلامة عقيدة المسلم وصحة عبادته ودماثة أخلاقه من خلال سلوكياته اليومية.

 لا ريب إن قلنا إن المسلم المعاصر تتقاذفه أمواج عاتية، ذات تيارات جارفة، ومن نواحٍ شتى، تجعل منه يستغرق في تفكير عميق من شأنه أن يجعله يضرب أخماسًا في أسداسٍ قبل أن يتخذ قرارًا حاسمًا في حياته، وعلى الرغم من هذا كله، فالخيرية كانت ولا تزال مزروعة في قلب الأمة المسلمة، فهي شجرة باسقة الأفنان، طيبة الجنان، عالية الأغصان، إذ لها جذور أعمق من أن تُستأصَل، قال تعالى:

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ)

فيا لها من خيرية قامت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله!

إن هذه الخيرية في أصلها الأول أشبه بنبتة عزيزة تحتاج منك إلى رعاية فائقة، وإلا فإنها لن تُؤْتِي أُكُلَهَا، والأدهى والأمر أن تنقلب من النفع إلى الضرر، فتتحول إلى غثائية كما ذكر نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم– في حديث ثوبان الذي رواه أبو داود وغيره: ونقتصر على ذكر الشاهد فقط: «…بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل…».

إذن نلخص أن أمة الإسلام اليوم تعيش بين حالتين متناقضتين:

بين خيريتها الأصيلة النافعة وبين غثائيتها العرضية الضارة، ومن أسس الخيرية الإيمان بالله والذي هو الدافع الحقيقي للأخلاق الحسنة كإيثار الآخرين وتقديمهم على النفس، وهنا يحق لنا أن نتساءل:

هل بقي من الإيثار شيء في حياة المسلم المعاصر؟! وكيف نؤثر الغير على أنفسنا في حظوظنا الدنيوية؟

إن الإيثار خلق رفيع عظيم، يسمو بنفس كل أثير كريم، فيرتقي به في درجات المحبة والإيمان ويرفعه في مدارج التوكل والإحسان، لتبرز بعد ذلك إنسانيته لكل إنسان، مشاهدة جلية للعيان: حبًا ومودة، في الرخاء والشدة، عطاء وسخاء، في البذل والعدة، وقد صدق من قال:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فلطالما استعبد القلب إحسان

الإيثار هو تقديم وتفضيل للغير على النفس في الحظوظ الدنيوية ابتغاء ما عند الله في الدار الأخروية، وضده الأثرة التي تعني الضن والبخل بما يملك الإنسان، إنه الاستئثار بكل شيء دون مشاركة مع الناس أو حتى –على الأقل- الشعور بمأساتهم بالإحساس. ومن الأدلة عن الإيثار، ما قاله العزيز القهار عن إخوة يوسف الأشرار: (لقد آثرك الله علينا) ومما يوضح معنى الأثرة والاستئثار، ما قال المصطفى المختار –صلى الله عليه وسلم- لأصحابه الأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا».

بين الإيثار والجود والسخاء

الإيثار

أوجه الشبه

وقد يخلط البعض بين الإيثار وغيره من المصطلحات كالسخاء والجود مثلًا، بداية إن هناك أوجه للتشابه بين السخاء والجود والإيثار إذ هي من شيم الكرام الطيبين.

أوجه الاختلاف

  • الإيثار: هو أن يؤثر الإنسان غيره بالشيء مع حاجته له.
  • السخاء: ألا يُنقصه البذل ولا يستصعب معه العطاء.
  • الجود: أن يعطي المرء الأكثر ويبقي لنفسه الأقل.

ما أجل هذه المعاني السامية! ما أقدسها وأرفعها! سبحان من غرس منابتها في قلب المؤمن فأبدعها!

درجات الإيثار

ذكر ابن القيم –رحمه الله تعالى- أن للإيثار درجات تتمايز عن بعضها وهي:

الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يفسد عليك وقتًا، يعني أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم، فتجوع ويطعمون، وتعرى ويكتسون، وتظمأ ويشربون.

الثانية: إيثار رضا الله على رضا غيره، وإن عظمت المحن، وثقلت فيه المؤن، وضعف عنه الطول والبدن، وإيثار رضا الله على غيره هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاة الله ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء.

ولله در القائل:

فليتك تحلوا والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر *** وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين *** وكل الذي فوق التراب تراب

الثالثة: أن تنسب إيثارك إلى الله، فكما أنه هو المعطي على وجه الحقيقة فهو المؤثر أيضًا، فانسب الإيثار إليه، واشكره على فضله وإحسانه، ونواله وإكرامه.

من مظاهر الإيثار

الإيثار

ومن الصور المشرقة الوضاءة للإيثار ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رجلًا أتى النبي –صلى الله عليه وسلم– فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله: من يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال هيَّئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيَّأت طعامها وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يُريانه كأنهما يأكلان، وهما باتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله، فقال: «ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما» فأنزل الله:

(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)

 ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم–: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم». إنها روح الوحدة والإيثار، وعنوان تماسك المجتمع بالتعاون والاستقرار!

ولقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى النبي-صلى الله عليه وسلم- بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري وعند الأنصاري امرأتان فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فأتى السوق فربح شيئًا من أقط وشيئًا من سمن فرآه النبي –صلى الله عليه وسلم– وعليه وضرة من صفرة (من أثر الزعفران)، فقال: ميهم يا عبد الرحمن؟ (ميهم كلمة استفهام معناه كيف حالك؟) قال: تزوجت أنصارية قال: فما سُقت؟ قال: ‹نواة من ذهب› قال: «أولم ولو بشاة».

في هذه القصة يتجلى إيمان الأنصار الذين آثروا إخوانهم المهاجرين عن أنفسهم، وقدموهم على كل شيء، فموقف سعد بن الربيع من مناصفة الأهل والمال قل مثيله في التاريخ بل ندر، ويتضح من القضة أيضًا قوة توكل المهاجرين ويقينهم في الله وثقتهم بكرمه، وذلك من خلال مروءة عبد الرحمن بن عوف وعفته نخوته، إذ بادل الكرم بالعفة، والمحبة بالرقة فقال: دلني على السوق.

فما أروعه من رد جميل وخلق نبيل! إنها قمم شامخة وهمم عالية! إنه الإيمان يصنع العجائب! إنه بلا شك أثر التربية القرآنية والنبوية في صياغة شخصية الرعيل الأول من جيل الصحابة العظام!

ذكر ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين قصة ماتعة رائعة تُكتب بماء العيون، وتُستخرج منها المعارف والفنون، فيها من لون بهيج من الأخلاق الرفيعة، عفو وإيثار، سماحة وأنوار.

 فعن قيس بن سعد بن عبادة –وكان من الأجواد المعروفين- حتى أنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم فقالوا: إنهم كانوا يستحيون ما لك عليهم من الدين، فقال أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناديًا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة من عاده.

ثم إن للإيثار فوائد شتى منها:

  • كمال الإيمان وحسن الإسلام.
  • استجلاب محبة الله تعالى ورضوانه.
  • حصول الألفة والمودة بين الناس.
  • حصول البركة والخير والزيادة.
  • البعد عن صفة الأثرة الذميمة والوقاية من داء الشح الممقوت.
  • الإيثار من علامة الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة والنجاة من النار.

ختامًا

حَريٌ بنا أن نعود إلى المنهل الأصيل الذي استقى منه الرعيل الأول معارفه وثقافته، فظهرت بتطبيقه الأخلاق الرفيعة، وتماوتت بذلك السلوكيات المشينة الوضيعة.

أخوتاه: أهمس في آذانكم أن عودوا إلى أصلكم، لا تخدعكم الدنيا بزخارفها وزينتها، واعملوا بقول نبيكم محمد –صلى الله عليه وسلم:

«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

1176

الكاتب

عبد الغني حوبة

أستاذ بمعهد العلوم الإسلامية جامعة الشهيد حمه لخضر الوادي-الجزائر، خطيب بمسجد الصحابة تكسبت الوادي، ماجستير شريعة وقانون تخصص قانون دولي إنساني.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.