لا شيء يعلو أو يتقدم على المصالح المادية والأطماع الاستعمارية في السياسة العالمية الصليبية عموماً، فأينما وُجد المال والثروة وُجدت المكائد التي تحاك للوصول إلى تلك الثروة بأي وسيلة، وإذا أضفنا إلى المصالح المادية كراهية اليهود والصليبيين للإسلام منذ بزوغ فجر الدعوة الإسلامية وحتى الآن، فإن الدافع إلى محاولة طمس معالم الإسلام والنيل من أتباعه من المسلمين في شتى أنحاء العالم يصبح أمراً لا يشك فيه مسلم عاقل.

 ومن هنا وقع 13 مليون مسلم تحت وطأة الاضطهاد والتشرد في الفلبين، فكيف بدأت القصة؟

دخل الإسلام الفلبين عام 1310م وقام حكم إسلامي في العديد من الجزر الجنوبية وبخاصة جزيرة مِندناو، بدأ الحكم الإسلامي بالانحسار أثناء الاحتلال الأسباني للفلبين، وازداد الأمر تعقيداً بمجيء الاستعمار الأمريكي الذي ضم الجنوب المسلم إلى الشمال. وسبب المحنة أن الأمريكان والأسبان عملوا على تنصيب حكام صليبيين على البلاد وعمد القساوسة على إثارتهم ضد المسلمين وتنصيرهم بصورة قوية، مما حدا بالمسلمين للدفاع عن عقيدتهم ضد حملات التنصير المستمرة.

ظهرت فئات المثقفين المسيحيين المتعصبين الذين أعدّتهم الكنائس، واستولوا علي مقاليد الحكم، فغزوا المناطق المسلمة، حرباً وتبشيراً وزحفت الجماعات النصرانية علي مناطق المسلمين، كما اكتشفت في جزيرة مينداناو وفي المناطق الإسلامية جنوب البلاد ثروات طبيعية، مما دعا الحكومة المركزية إلى إشعال الحروب تحت اسم “محاربة الإرهاب” ودعمت الجماعات المسيحية المسلحة، نتيجة لذلك انفجر الوضع العسكري بين الجانبين عام 1970م، وتأسست إثر ذلك الجبهة الوطنية لتحرير مورو عام 1972

الجبهة الوطنية لتحرير مورو

مورو

برغم قلة عددهم وعتادهم، أدرك المسلمون في الفلبين أن حرب العصابات هي الطريقة المثلى للإنتصار أمام الجيوش المنظمة، جيش أمام قوة مستمرة تستنزفه لا ينتصر أبداً؛ لذا لم يلجئوا للتحالفات السلمية، أو الوقوف على أعتاب المنظمات الدولية ليشحذوا حقوقهم. فمن هذا المبدأ، أسس “نور مسواري” الجبهة الوطنية لتحرير مورو؛ لتقود مواجهات مسلحة ضد النظام الفلبيني، غير أن هذه المواجهات لم تسفر عن انتصارات حاسمة لأي منهما. ولكن بمرور الوقت تنامت قوة الجبهة، وأجبرت الحكومة الفلبينيَّة على الدخول في مفاوضات مع الثوار المسلمين، وهي أول مفاوضات من نوعها. وهذا يثبت أن التاريخ لا ينحني إلا للذين ينتزعون حقوقهم لا الذين يطلبونها ويستجدونها من أعدائهم

اتفاق طرابلس بين الجبهة والحكومة

قاد “نور ميسواري” و “سلامات هاشم” فريق الجبهة في تلك المفاوضات. وأسفرت في النهاية عن توقيع “اتفاقية طرابلس” التي تنص على منح المسلمين حكماً ذاتياً، إلا أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ نظراً لمماطلة الحكومة الفلبينية التي لم تدخل المفاوضات إلا للاستعداد لهجوم كاسح جديد على المسلمين وارتكب الصليبيون أبشع المجازر، فطريق المفاوضات هو طريق المجازر بدم بارد؛ حيث قدمت الفلبين: 30 ألف شهيد، استرقاق ستة آلاف مسلمة على أيدي الجنود الفلبينين، تشريد أكثر من مليوني مسلم، فرار حوالي 300 ألف نسمة واضطرارهم إلى الهجرة إلى البلاد المجاورة، إحراق 300 ألف منزل من بيوت المسلمين،  تدمير مئة قرية ومدينة إسلامية، اغتصاب معظم أراضي المسلمين الخصبة، وتدمير أكثر من 500 مسجد للمسلمين. إلا أن المسلمين ثبتوا في وجه هذا الطغيان الكاسح وكبدوا العدو خسائر فادحة.

عندما شعرت الحكومة الصليبية بأن المواجهة المسلحة مع المسلمين غير مجدية لصلابة المسلمين في ميادين الجهاد واستماتتهم في الدفاع عن حقوقهم، شرعت في استخدام الخبث الصليبي المعهود، فعملت على شق صف المسلمين، وجاءت النقطة الفاصلة بين قائدي الجبهة التي أدت إلي الانشقاق؛ فسلامات هاشم يرى أن الحل الأمثل عن طريق الجهاد؛ تمهيداً لإقامة دولة إسلامية في الجنوب، في حين يرى نور مسواري أن طريق المفاوضات أكثر فاعلية، من خلال الحصول على بعض المكاسب من الحكومة الفلبينية. وانقسمت الجبهة في العام التالي لتوقيع نور مسواري إثر اتفاق طرابلس ما ينص على منح المسلمين في الجنوب حكمًا ذاتيًا محدودًا، وظلت تعمل على الساحة بجناحيها المختلفين تحت نفس الاسم حتى عام 1984م، وحينئذ أطلق سلامات هاشم على جناحه اسم “الجبهة الإسلامية لتحرير مورو”.

عقد الرئيس الفلبيني راموس مع نور ميسواري -زعيم الجبهة الوطنية لتحرير مورو- بوساطة إندونيسية معاهدة على أن يكون هو بمثابة الحاكم على منداناو شريطة التبعية للحكومة الصليبية في الفلبين وألا تطبق الشريعة. وهذا ما يؤكد استهدافهم لعقيدة المسلمين. ومن المعهود أن يوافق نور ميسواري على هذه الاتفاقية، فهذا درب من يسير بلا هدف ولا مبادئ وقيم تحكمه، تارة لمجلس الأمن وتارة للمفاوضات والركون للنظام العالمي الذي يفعل به الأفاعيل، وهذا هو دأب نخب وأصنام النظام العالمي، الذين يصنعونها ويوجهونها كيفما وأينما يريدون.
بينما رفضت جبهة مجاهدي مورو بقيادة الشيخ المجاهد “سلامات هاشم” لعلمها بالدوافع الخبيثة لهذا الاتفاق، وأصرت على مواصلة الجهاد. ومما يدعو للاعتبار والعظة حقاً أن الرجل الذي شق الصف المسلم في مورو المسلمة “نور ميسواري” ألقت الحكومة الفلبينية القبض عليه وأودعته سجونها. فعندما كانت مجموعته تخوض حرب العصابات في البلاد خضعت لها الحكومة وأجبرت على التفاوض معها، ولكن عندما تخلى عن مبادئه وهادن أعدائه، انقلبوا عليه بعد أن استخدموه في تنفيذ مخططاتهم الدنيئة، وهذه هي عاقبة الركون إلى الظالمين وشق صف المسلمين

الجبهة الإسلامية في التفاوض

في 2003 فقدت الجبهة مؤسسها “سلامات هاشم” الذي كان يطلق عليه أسد الجهاد الفلبيني، الأب الروحي للتيار الإسلامي، وتولى قيادة الجبهة منذ ذلك الحين “الحاج مراد إبراهيم”. وكان سلامات قد أصدر قبل فترة وجيزة من وفاته بياناً يؤكد فيه التزام الجبهة بالوصول إلى تسوية سلمية.
وبهذا حدث تغير في توجهات الجبهة الإسلامية؛ حيث دخلت في مفاوضات سرية مع الحكومة الفلبينية بعد سقوط ما يزيد عن 150 ألف قتيل ونزوح مئات الآلاف من المسلمين، أبرمت الحكومة الفلبينية اتفاقاً مع حركة مورو الإسلامية عام 2014م  يقضي بتقاسم العائدات الضريبية والثروات الطبيعية بهدف إنشاء منطقة حكم شبه ذاتي، تديرها جبهة تحرير مورو في جزيرة ميندناو، وتدعو الاتفاقية إلى إقامة كيان جديد يتمتع بحكم ذاتي في جزيرة ميندناو الجنوبية في عام 2016م، وستشمل السلطات المشتركة مع الحكومة المركزية كل من مجالات الدفاع، الأمن، السياسة الخارجية، التجارة العالمية، السياسة المالية، الهجرة والخدمات البريدية.
ولكن في المقابل تم وقف الاتفاقية والمحادثات إلى أن توافق الجبهة الإسلامية على إلقاء سلاحها. جاء رد الجبهة بأنه لا يمكن لمنظمة ثورية أن تلقي سلاحها قبل التوصل للحل الذي تريده، وهذا نهائي غير قابل للتفاوض. وأن الجبهة ستواصل الضغط أيضاً سياسياً بجانب العمل العسكري، وفي حالة العودة للتفاوض لابد أن تكون هناك ضمانات لتطبيق الاتفاق من قبل الحكومة.
هكذا يفعل من يريد الحفاظ على قضيته دون تمييعها أو التنازل عن ثوابت فيها لينال ما قد يسلب منه لاحقاً

تخوفات

تقول الجبهة إن عدد أعضائها 120 ألفاً، 60% منهم مسلحون، في حين تقول مصادر أخرى إن عددهم أكثر بقليل من 12 ألف مسلح، وقد أدت الصدامات المستمرة بين الجبهة الإسلامية لتحرير مورو والجيش الفلبيني إلى مقتل حوالي 120 ألفاً. وتعتمد الجبهة الإسلامية في عملياتها العسكرية على استهداف الجيش الفلبيني، إلا أن الحكومة توجه لها الاتهامات بالوقوف وراء هجمات استهدفت المدنيين خاصة بعد إلغاء التوقيع على الاتفاقية الأخيرة، ولكن الجبهة تنكر مسئوليتها عن مثل هذه الهجمات، وتؤكد استهدافها للعسكريين. ولم تكف عن استهداف العسكريين الذين ينتهكون حرماتهم وقتلوا وشردوا وهجروا آلاف منهم، بحجة أنهم ينسبون إليهم مقتل المدنيين أو أنهم يصفونهم بالإرهاب.

كعادة النظام العالمي فكل ما يمكن الاستيلاء عليه، وجب الاستيلاء عليه. يبدو الدور الأمريكي واضحاً في إشعال الأجواء بين الجانبين؛ حيث اتهم النائب في البرلمان الفلبيني “تيري ريدون” الإدارة الأمريكية صراحة بالوقوف وراء تنسيق عملية “ماماسابانو”، والتي أسفرت عن مقتل 44 قائداً عسكرياً من القوات الخاصة الفلبينية، وما نجم عنها من عودة المواجهة العسكرية بين الحكومة وحركة مورو الإسلامية؛ وذلك من أجل أن تجد موطأ قدم لها في المنطقة الغنية بالنفط والمعادن ولإفساح المجال أمام الشركات الأجنبية لاستغلال الموارد الطبيعية الهائلة هناك، مثلما فعلت في العراق، فدناءة مخططاتها الصهيونية لا تتوقف وإن تكررت في بلدان شتى.

وبعد جهاد دام أكثر من 40 عام إلا أن أمريكا وأزلامها هناك مصرين على خداع المسلمين وحرمانهم من حقوقهم. لكن مسلمي الفلبين يدركون خطر التلاعب بقضيتهم وتبديل مصطلحاتها لخدمة أعدائهم، فاختاروا طريقهم..


بقلم سلمى إراهيم

863

التعليقات

  • Mohammadkhder منذ سنتين

    وكان حقاعلينانصرالمؤمنين

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.