علقت الشعوب العربية الآمال على ما يمكن أن تسفر عنه الثورات التي عصفت ببلادها فأطاحت أنظمة أقل ما يكن أن توصف بأنها مستبدة، بعد مضي سنين من التحكم والسيطرة والدكتاتورية ونفوذ الشخص الواحد وانتشار ما يعرف عنها بقوة رجال الحكم وسيطرة العائلة الواحدة، ومن الدول التي طرق الربيع العربي سكتها بسرعة وحسم كانت ليبيا، تلك البلاد النفطية التي غُيبت عن وجودها في عمقها العربي والإسلامي كقوة اقتصادية يمكن تكون هائلة نظرًا للثروة الهائلة التي تتمتع بها، بيد أن الرياح جرت بما لا تشتيه أمنيات الليبيون، إذ ما أن قضى على معمر القذافي في أحد قنوات الصرف الصحفي في طرابلس حتى عصفت بالبلاد أزمات سياسة تسمع فيها أزيز المدافع وقصف الطائرات، ليبيا ما الذي حدث ويحدث؟

كيف وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه؟

لم تلبث الأمور أن سارت على عكس هوى الجميع، وانقسمت البلاد إلى قسمين، بسلطتين:

  • المؤتمر الوطني الليبي العام في “طرابلس “
  • ومجلس النواب المنعقد في “طبرق” شرقي البلاد

تشهد ليبيا صراعا بين الحكومتين المتنافستين، إحداهما في العاصمة طرابلس وقد انبثقت عن المؤتمر الوطني العام، والأخرى في مدينة البيضاء (شرق البلاد) وقد انبثقت عن مجلس النواب المنحل في طبرق، ولكل منهما مؤسسة نفطية ووزارة نفط؛ وعلى الرغم من أن الحكومات الغربية تعترف بحكومة برلمان طبرق الغير شرعية فإن أغلب الشركات العالمية لا تعترف إلا بمؤسسة النفط الأصلية التي مقرها في طرابلس وليس بشرق البلاد.

حسنا، وماذا بعد؟

لم يكتفي الليبيون بذلك، بل تكلمت لغة السلاح سريعًا، فالمؤتمر الوطني العام المنعقد في طرابلس يمثل اتجاه الإسلاميين والوطنيين، ويمثل مجلس النواب في طبرق ما بات يعرف بالثورة المضادة، وبدأ كل طرف يستمد شرعيته من قوة سلاحه والدول التي تدعمه، وبلا عجب في نظام عالمي مستبد أن يعترف العالم بالثورة المضادة ويقف ضد الثوار، بيد أن الثوار في طرابلس لم يقتنعوا بهذه النتيجة وواصلوا قتالهم، بيد أن الميدان والهتافات لم تكن أدواتهم، بل كانت الأسلحة من مختلف الأنواع والطرز.

ومنذ أكثر من عاميْن والأمم المتحدة تحاول الظفر باتفاق سياسي وحكومة توافق وطني تصل به إلى ما تريد، وتعيد مؤسسات الدولة والنظام في فلك النظام الدولي بعد أن خرجت تقريبا عن السيطرة.

بات هناك 23 كيانًا مسلحًا في ليبيا، منهم أحد عشر كيانًا مع المؤتمر الوطني العام (حكومة طرابلس) أهمهم (قوات فجر ليبيا/ تنظيم أنصار الشريعة/ ثوار مصراته/ كتيبة الفاروق/ مجلس شورى ثوار بني غازي)، ومن هؤلاء من لا يدعم المؤتمر الوطني العام (كتنظيم أنصار الشريعة مثلًا) ولكنه يقاتل قوات حفتر، واثنا عشر كيانًا مع مجلس النواب بمدينة طبرق وفيها رئيس الوزراء الليبي المعترف به دوليًا (عبد الله الثني) وهي التي فيها قوات رئاسة الأركان التي يدعمها (خليفة حفتر)، الاسم الشهير المتهم بالانقلاب على شرعية ما بعد الثورة، والذي يدعمه النظام الحاكم في مصر والإمارات.

ومن أهم من يقف مع مجلس نواب طبرق من الفصائل المسلحة (قوات رئاسة أركان الجيش/ قوات حرس المنشآت النفطية/ كتائب الزنتان/ درع الغربية/ صحوات المناطق/ قوات الصاعقة/ كتيبة حسن الجويفي/ كتيبة محمد المقريف)، لكن السيطرة الأكبر على موارد البلاد ومقراتها ومدنها للمؤتمر الوطني العام بينما تتمركز حكومة الثني في أقصى شرق ليبيا في (طبرق)، المؤتمر الوطني العام يسيطر بلا اعتراف دولي، وتحالف الثني يقاتل باعتراف دولي ودعم من الجارة الأهم “مصر”.

ليبيا إذن: حرب بالوكالة

من الواضح أن ما يحدث ليس نزاعًا على مصالح الليبيين، بل على مصالح اقتصادية وأيدلوجية بالدرجة الأولى وما يدلل على ذلك هو دعم القوى برمتها لطرف دون آخر تقريبًا ، دونما أية خجل أو مواربة؛ فمن سيسيطر عسكريًا على ليبيا بالطبع ستكون له السيطرة الكبرى على منابع النفط، ثروة البلاد الأولى، مما يؤدي إلى الاعتراف الدولي به آجلًا إن لم يكن عاجلًا، ومن يدعم المسيطر المفترض هناك سيكون له النفوذ الأكبر في الداخل الليبي مما يؤدي لوجود أوراق لعب بيده يضغط بها أيضًا على الجارتين المباشرتين (مصر والجزائر) إن لم ينجح التحالف الإقليمي غير المباشر في بسط سيطرته في ليبيا عن طريق من يدعمهم في الداخل!

الكل هنا يريد الحصول على الكعكة غير اللبيين، بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وكذلك الإمارات ومصر والجزائر وهذه الدول سابقة الذكر هي من الأوائل التي أسهموا في الانحياز لطرف دون آخر بيد أنهم في مطلع الثورة في ليبيا كانوا يفضلون أن تنتهي الأمور سريعًا بحيث يتم المحافظة على كعكة النفط سريعًا كما حدث ويحدث في العراق.

وكانت صحيفة نيويورك تايمز تحدثت – في أغسطس 2014 – عن ضلوع كلٍّ من مصر والإمارات في اتفاق سري بينهما أدى لشن غارة جوية في طرابلس كتصعيد عسكري – لم يكن معلنًا آنذاك – ضد المؤتمر الوطني العام وما يدعمه من مجموعات مسلحة إسلامية. وتعدى الأمر صحيفة نيويورك تايمز لتؤكد الولايات المتحدة، عبر تصريحات رسمية، العام الماضي أن الإمارات ومصر شنتا غارات جوية على ليبيا ولكن الإمارات نفت ذلك، يأتي ذلك في الوقت الذي أفادت فيه تقارير صحفية أن محمد دحلان مستشار ولي عهد إمارة أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان يمثل رأس الحربة للإمارات بالداخل الليبي.

وما يدلل على فكرة انحياز الغرب المدعوم بالثورة المضادة لطرف دون أخر هو ما كشفه المبعوث الأممي السابق للسلام في ليبيا “ليوناردينو ليون” إذ قال:

لا أعمل على خطة سياسية من شأنها أن تشمل الجميع وتعامل كل الأطراف بشكل متساوٍ، وأعمل وفق خطة استراتيجية لـنزع الشرعية تمامًا عن المؤتمر الوطني العام

وجاء ذلك في رسالة بريدية مسربة بينه وبين الخارجية الإماراتية لتكشف بكل صراحة ووضوح “انحياز” ليون لأحد أطراف الصراع وفقًا لما يتسق مع الرغبات الإماراتية؛ وعليه قامت أبو ظبي بمكافأته مؤخرًا وتعيينه مدير عام “أكاديمية الإمارات الدبلوماسية”، التي تهدف إلى تطوير علاقات الإمارات مع العالم، والترويج لسياساتها الخارجية، إضافة إلى تدريب الكادر العامل في السلك الدبلوماسي”. راتب 35 ألف جنيه استرليني شهريًّا (53 ألف دولار) وهو أكثر من الراتب الذي يتقاضاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

كيف آلت الأمور بعد ذلك؟

ثمة ثلاثة أطراف للصراع الآن هم :

الطرف الأول: حكومة طرابلس برئاسة خليفة محمد الغويل وبرلمانها المتمثل في المؤتمر الوطني العام والذي يسيطر عليه أعضاء حزب العدالة والبناء وهو منبثق من جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، ويدعمه عدد من الفصائل الليبية المسلحة مثل جماعة فجر ليبيا المسلحة التي تسيطر على العاصمة الليبية طرابلس ولها صلة قوية بمدينة مصراته، وهي من أبرز وأقوى الفصائل الليبية المسلحة التي ارتبط اسمها بالثورة التي قامت ضد الرئيس السابق معمر القذافي في 2011 بالإضافة إلى عدد من الجماعات والكتائب المسلحة الأخرى: مثل كتيبة 17 فبراير وكتيبة أنصار الشريعة وكتيبة راف الله السحاتي وغيرها.

الطرف الثاني: برلمان طبرق المعترف به دوليًّا ولكنه غير معترف به محليًّا بعدما أصدرت المحكمة العليا في طرابلس حكمًا ينزع الشرعية منه، ويدعم هذا الطرف عسكريًّا اللواء خليفة حفتر، الذي عينه برلمان طبرق وزيرًا للدفاع، والذي قاد ما يسمى بعمليات الكرامة في مايو 2014 والتي تعد انقلابًا عسكريًّا ضد الثورة الليبية.

الطرف الثالث:  تنظيم الدولة الإسلامية الذي يقاتل طرفي الصراع فيهاجم قوات “حفتر” المضادة للثورة الليبية ويستهدف ثوار فجر ليبيا لقبولهم بالعملية الديموقراطية والسير في ركب النظام الدولي، وهي نفس العقيدة التي تنتهجها الدولة الإسلامية في بلاد الشام واليمن.

بريطانيا وفرنسا تحضران للغزو

غير أن الغرب لا يرى سوى في تنظيم الدولة قوة على الأرض وأسقط في حساباته قطعًا توحيد الكل لمواجهة ما يراه خطرًا في قوة التنظيم على الأرض، نقلت صحيفة التليجراف البريطانية عن مصادر في الحكومة البريطانية: “إنّه وسط مخاوف من أن يستخدم مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية معقلاً جديداً على طول امتداد ساحل البحر المتوسط لاستهداف أوروبا فإنّ بريطانيا قد تشن عملاً عسكرياً في ليبيا”، وقال توبياس الوود وزير شؤون الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية: “إنّه في المناطق التي أوجد فيها تنظيم الدولة موطئ قدم على طول البحر الأبيض المتوسط نحن نعمل بشكل وثيق مع الشركاء الدوليين لتحديد أماكن وجوده وكيفية التصدي له”، وأفاد مصدر حكومي سُئل عمّا إذا كانت ليبيا يُمكن أن تكون الهدف التالي للتدخل العسكري البريطاني فقال: “الأمور تسير في هذا الاتجاه”.

وأمّا فرنسا فقد أعلنت أنّها قد أرسلت طائرات للتجسس فوق ليبيا لتقويم حجم التهديد الذي يُشكّله تنظيم الدولة في ليبيا وذلك بحسب ما قال المسؤولون الفرنسيون، ودعا رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس إلى: “توسيع الجهود الدولية لسحق مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية لتمتد إلى منطقة شمال إفريقيا”.

تأتي هذه التصريحات والتحركات البريطانية والفرنسية بالتزامن مع الأخبار التي تحدثت عن التوقيع على اتفاق صخيرات بين جماعة المؤتمر الوطني العام في طرابلس وجماعة برلمان طبرق على نحوٍ مفاجئ، وذلك بعيد استقالة المبعوث الأممي السابق برناردينو ليون.

هكذا تعمل الدول الغربية على إفشال أية بارقة أمل يمكن أن تطرق الباب بعد سنين من ثورة الشعوب ودماء الشباب وتيه البوصلة.

المصادر

1 و 2 و 3 و 5 و6 و7 و 8

703

الكاتب

نور أنور الدلو

صحفي في اذاعة صوت الأقصى غزة ، ومحقق في مجلة السعادة سابقا، وحاصل على الماجستير في الاعلام بالجامعة الإسلامية - غزة "فلسطين".

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.