انتشرت وتنتشر هذه القولة بين ألسنة الشباب كانتشار النار في الهشيم، فما أن يحاول الأخ أو الأخت تطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر -ولو بأسلوبٍ مهذّب- حتى يُقذَف بشِهاب”هل أنتَ من تُدخل الجنة؟ دع الخلق للخالق!”. قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:

إنّ مِن أبغض الكلام عند الله أن يقول الرجل للرجل: اتق الله. فيقول: عليك نفسك!

إنّ مكمن الإشكالية لا يندرج في هذه المقولة في ذاتها؛ وإنما يندرج في الرؤية الكلية التي يستقي منها –ضِمنيًا- قائلها تصوّراته، والتي تتعارض جذريًا مع عقيدتنا الإسلامية.

لماذا اخترتُ هذه القولة بالذات دون غيرها؟

دع الخلق للخالق

  • لأنها قولة كثيرة الانتشار بين عامة المسلمين ونخبهم سواء.
  • مقولة ذات مفاهيم ضِمنية كثيفة؛ فهي قولة تنضوي على كثير من المفاهيم الفلسفية المُصادِمة لعقيدتنا ورؤيتنا الوجودية -كما سنرى-.
  • أثرها قوي: فكلما استعملت هذه القولة أثناء نقاش ما؛ حُسِمَ النقاش وأُغلِق. وكأنها نص وحي إلهي لا يأتيه الباطل!
  • الالتباس: فقد يستعمل البعض “دع الخلق للخالق” من منطلق نقي في أصله متغافلًا عن مقدمات ولوازم تلك القولة.

فلنغص قليلًا في استكشاف الأصول الفكرية المُوَلّدة لهذه القولة إذن.

النسبية

مِن جُملة الأصول الفلسفية التي وَلّدت لنا “دع الخلق للخالق”: القول بنسبية الحقيقة والمعرفة، المنسوبة إلى مدرسة السفسطائية الفلسفية التي ظهرت في اليونان بين القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد. وقد خَفَت نجم هذا الأصل الفلسفي لدهرٍ طويل قبل أن يتم بعثه من جديد مع ظهور فلسفة ما بعد الحداثة post-modernism بعد الحرب العالمية الثانية.

واللطيف في هذا الأصل الفلسفي أن قاعدته “الحقيقة دائمًا نسبية”: تُناقِض نفسها بنفسها، فإنا إن أقررنا بأن الحقيقة دائمًا نسبية فيجب أن نطبق نفس المبدأ على تلك العِبارة أيضًا. وبالتالي ستقع في مُغالَطة “الدحض الذاتي” أو كما يسميها الفلاسفةُ الإنجليز: “self- refuting”. أما إذا استثنينا نَصّ القاعِدة مِن معنى القاعِدة.. فسَيجرّنا ذلك إلى بُطلان “عمومية” القاعدة. وبالتالي سنقول: “ليست كل الحقائق نِسبية، بل توجد حقائق يقينية ثابِتة”.

وما مِن شك في أن هذه الرؤية السَيّالة للحقيقة مُخالِفة لمُحكَمات الوحي وقطعيات الشريعة، فالشريعة تقرر بوضوح وجود حزمة من المُحكمات التي لا تقبل المنازعة، وترى فيها حقًا مُطلقًا يجب اعتقاده، في مُقابِل بطلان مُطلَق ما يضادها من مبادىء ومُعتَقَدات.[1]

إنّ العلاقةَ بين “نسبية الحقيقة” و”دع الخلق للخالق” كعلاقة الأصل بالفرع أو المقدمة بالنتيجة؛ لأن إيمانك بنسبية الحقيقة سيؤدي بك -بالضرورة- إلى رفض نصيحة الآخر، لأنّ الناصح الآمر بالمعروف أو الناهي عن المنكر ينطلق من تَصَوراتٍ صلبة للحق والباطل، الخير والشر، الحلال والحرام، السُنّة والبِدعة.. إلخ. وهذا ما يتعارض جِذريًا مع عقلية الإنسان التي تَشبّع فِكره بمِزاج “النِسبية”. ثم إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتمدان على معايير صُلبة مستمدة من وحي السماء.. القرآن والسُنّة. وهذا ما سيجرّنا للحديث عن ثاني مُوَلّد من مولدات “دع الخلق للخالق”.

اللامعيارية Anomie

دع الخلق للخالق

يُنسَب هذا المصطلح إلى عالِم الاجتماع الفرنسي Émile Durkheim؛ حيث استعمله للتعبير عن حالة خواء تعيشها المجتمعات عندما تَغِيب المعايير الأخلاقية الضاغِطة والمنظمة للنسيج المجتمعي (الدين، التقاليد، الأعراف إلخ)، فتفضي بالمجتمع إلى الفوضى والفساد، وارتفاع درجات الانتحار والجريمة والتشتت الأسري. وقد أثبتَ Émile Durkheim ببحثٍ علمي عُرِفَ بـ”رسالة الانتحار” أن غياب المعايير الأخلاقية الصلبة الرادعة= سبب من أسباب ارتفاع معدلات الانتحار.

ظَهَرَت حالة اللامعيارية بداية في المجتمعات الغربية العلمانية كنتيجة طبيعية لانهيار السلطة الكنسية في أوروبا، وبالتالي تراجع حضور الرادع الديني في الحياة الاجتماعية عمومًا.

وكعادة الأمم المنهَزِمة، وسيرًا على القاعدة الحضارية الخالدة التي سطرها العلامة عبد الرحمن ابن خلدون: “المغلوب مولع دائمًا بالغالِب في شِعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها”. بالاعتماد على التحليل السوسيولوجي يمكن ملاحظة انتقال عدوى اللامعيارية إلى مجتمعاتنا الإسلامية، ولعل انتشار هذه العدوى قد بلغ ذروته بعد أحداث الربيع العربي وما شهده الشباب من إحباط زَلزلَ “العقل الجَمعي” للأمة.

ساهم الإحباط الناتج عن أحداث الربيع العربي بشكل أو بآخر في خلخلة يقين شريحة واسعة من الشباب العربي في مرجعية القرآن والسنة. وبالتالي: التشكيك في الأرضية المعرفية الصلبة الوحيدة التي مَدّت مجتمعاتنا بمعايير يقينية غير قابلة للجدال!

وفي عقلٍ مُتَجرّد من المعايير: تُصبح كل الأمور مُتساوية، لا فرق بين خير وشر، حرام أو حلال، طاعة أو معصية، إيمان أو كفر. ومن ثمّ يفقد الحق طهرانيته وتُنزَع عن الباطل نجاسته. وحين يحدث كل ذلك في داخل عقل الإنسان، سيصبح من المتوقع أن تسمع منه عبارة: “دع الخلق للخالق”!

علمنة التدين

العلمانية لا تفصل الدين عن السياسة فحسب (كما هو شائع) ولكنها فلسفة شمولية. يمكن اعتبارها “رؤية وجودية cosmological view” بتعبير كانط، تؤطر حياة الإنسان كاملة.

ومن ثم، فلا عجب من اعتبار أن نمط تدين الفرد هو أحد المجالات المركزية التي تؤثر فيها العلمانية بِجاهِليتها. فيُصبِح التدين مجرد شعائر وعبادات ذات علاقة ثنائية بين العبد وربّه مع عزل قِيمي تام للفرد عن مجتمعه وواقعه الذي يعيش وسطه.

ويبين الدكتور عبد الوهاب المسيري أن علمنة التدين قد تكون بأن يحلّ الإله في المؤمن، ويصبح من الممكن معرفة الإله من خلال حالة شعورية أو تجربة جَمالِية يخوضها الإنسانُ، أي أن الإله يصبح أمرًا بالقلب والضمير الشخصي (الإنساني). ومع تَزايد مُعَدلات العلمنة يتصالح الدين والواقع، ويتماهيان إلى أن يصبح الدين (واقعيًا) يَستمدّ مِعياريته من الواقع.[2]

ويذكر المسيري أن “الهدف الأساسي للتجربة الدينية في هذه الحالة هو الخلاص الشخصي وحسب، دون الاكتراث بالآخرين ودون الاهتمام بالتاريخ وعالم السياسة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق العدل في الأرض.[3]

إن التدين العلماني والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر = ضِدّان لا يَجتمعان أبدًا.
فوجود أحدهما في عقل وتصوّرات الفرد يستلزم بالضرورة مَحو الآخر ورفضه.

ومن ثم، ليس من الغريب سماع “دع الخلق للخالق” من شخص يعتقد طبيعة الدين أنه منظومة عمودية الشكل أو transcendent تعتني بالخلاص الفردي للمؤمن دون الخلاص الجماعي للأمة أو المجتمع.

207

المصادر

التعليقات

  • يوسف موجي منذ 22 ساعة

    جزى الله الأخ المدون و الباحث أسامة بورحيل عن مجهوداته كل خير، على هاته الإشارات و التوضيحات التي تحاول حل مشاكل الإفلاس القيمي و الأخلاقي لدى عموم الشباب في العالم و الإسلامي خاصة ، حيث انتقل هذا الأخير من الوقوف على أرضية صلبة من القيم و الأخلاق و الثوابث العقدية التي قد يزيغ عنها في بعض الأحيان لكنه كان يقبل يد المساعدة و يستمع للنصح الدعاة و المرشدين التربوين إلى رفض يد المساعدة جملة و تفصيلا، و ما ” جملة دع الخلق للخالق ” إلا وسيلة من وسائل الهروب العديدة ، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى التطرف فيقال ” كفرت بالله و بما تدعونني إليه ” و العياذ بالله ، و لكني قد أختلف مع أخي أسامة قليلا في تركيز المسؤولية على ربيع العربي و العقلية الانهزامية المثأثرة بالغرب و علمنة التدين ، و أن لا نسلط الضوء على ضعف الدور التي تلعبه النخب الإسلامية ، سواء العلمية أو الدعوية أو الفكرية أو السياسية ، فلا يمكن أن يصلح حالنا جميعا ، بعالم متضلع في العلوم الشرعية لكنه يسخرها للمصالح الدنيوية ، و بين طالب علم قليل العلم قليل الأدب يقص جسد الأمة المتهالك ، و بين مفكر تغيب عنه الأولويات و البراغماتية في التنظير و التنزيل ، نعم هناك شباب يرفضون الاستماع النصيحة فيتذرعون ب “دع الخلق للخالق ” لكن هناك شباب استمعوا مرارا و تكرارا للنصيحة ممن ليسوا أهلا لتقديمها ، و مورست عليهم ألوان من الترهيب و الضغط و الضياع و التيهان ، و انتقل الأمر من الدعوة إلى المحاكمة ، فتكون بذلك “دع الخلق للخالق ” لا بمعنى “انصرف عني فأنا لا أريد سماعك ” و لكن تكون تيمنا بقول سيدنا موسى كما جاء في كتاب الله في سورة الشعراء ( ” كلا إن معي ربي سيهدين ” ) ،أي فوضت أمري إلى الله هو أعلم بي و بصدق نيتي و هو منجي الوحيد من هذا البحر من التيهان كما نجى عبده موسى من فرعون و جنوده بسبب هاته الثقة و هذا التوكل ، نسأل الله أن يهدينا للخير و أن يحفظنا من كل شر و يجعل مثوانا الجنة و أن يقينا من عذاب النار و السلام عليكم و رحمة الله .

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.