لكل رحلة حادي، وحاديك في رحلة الحياة الإسلام، وفي كل سفر رفيق، يخفف من أعباء الطريق، فليس مثل الزوج مثيل، أو كذلك صديقة تهديك.
لا أقول زميلة ولا صاحبة بل صديقة! ذلك أن حروف اسمها مستقاة من أصل عظيم فهي مأخوذة من الصدق.
والصدق هو السر في قبول العمل وفي الارتقاء في مراتب الدنيا والآخرة، وجعله الله صفة سامية يختص بها أولي الفضل ممن أحسن في دنياه وأخلص في دينه ولم يستبدل حياة الخلود بالفانية.
وبما أنك في مسيرة التغيير والجد والعمل، فهذا يتطلب منك حسن اختيار لصديقتك بل وحسن حفظ لصداقتكما.
وبالنظر في أحوال الأمة في عصرنا المكلوم، فأعتقد أن الفوز بصديقة واحدة على الأقل يعد فضلا عظيما من الله يستوجب الشكر والحمد.
ولننظر الآن كيف ننتقي صداقاتنا، لتكون موائمة لأهدافنا..!
أهداف تشع بحب الإسلام والفداء لأجل نصرته والبذل لأجل عودة أمته رائدة بلا وهن أو ضعف، كما كانت في سابق مجدها.
إذن قبل الحديث عن أسرار حفظ هذا الوثاق العظيم والتمتع بمزايا مملكة الصداقة، لننظر من نصادق أولا.
إن الصداقة لا تبنى بين يوم وليلة وليست معروضة على أرصفة المتاجر والجلسات الفارغة، إننا ننشدها في مواطن الجد والعمل والمسابقة والابتلاء، فهذه أول سوق نشتري منها الصداقة، فانظري من أين تقطفي زهرتك، من أي حديقة فيحاء تحصلي عليها وإياك ومواطن السوء.
قد تكون في مسجد ، في حلقات علم ، في فريق يجتهد في خدمة الإسلام ، قد تكون جارة صالحة أو زميلة في مقاعد الدراسة ملتزمة، في مكتبة أو حتى في طريق عابر، لكن أسرك فيها رجاحة عقلها ونور تبصر به قد استمدته من حب الله..! هذا أول سر يجمعكما إلى أمد بعيد!

قال الشَّافِعِيِّ رحمه الله:

إنَّ الَّذِي رُزِقَ الْيَسَارَ وَلَمْ يُصِبْ حَمْدًا وَلاَ أَجْرًا لَغَيْرُ مُوَفَّقِ
وَالْجِدُّ يُدْنِي كُلَّ شَيْءٍ شَاسِعٍ وَالْجِدُّ يَفْتَحُ كُلَّ بَابٍ مُغْلَقِ
وَأَحَقُّ خَلْقِ اللَّهِ بِالْهَمِّ امْرُؤٌ ذُو هِمَّةٍ عُلْيَا وَعَيْشٍ ضَيِّقِ
وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَوْنِهِ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الاحْمَقِ

حافظي على صديقتك

فما أن تجديها، فعليك الآن أن تحفظيها أن تحسني لها وأن تحترميها!
قد تكونين الآن على علاقة مع صديقة حميمة، وربما أكثر من صديقة! ولا يهم أن تكون الصداقة قديمة أو جديدة إنما الأهم أن نبرع في حفظها وترقيتها لتصل إلى أسمى مراتب المحبة في الله على سلم النجباء!
أحبيها بصدق، كي تجني صدق حبك لها!
لا تدخلي النوايا السيئة بينكما، واكسبي مودتها بحسن ظنك وحسن إنصاتك لها!
لست مطالبة بأن تحاصريها في كل حين، بل بمشاركتها الخير في كل فرصة.
بعض الأصدقاء لا نجتمع بهم كثيرا ولكن ما ننجزه معهم يفوق الخيال!
لا يمكن أن تبنى مملكة الصداقة إلا على النية الصالحة والإحسان والصبر والإيثار. تلك أعمدة أساس.
لاحظي أنها بشر مثلك تخطأ وتصيب فلا تشددي على الزلات ولكن كوني ذكية في توجيه الذات بالنصح والتذكرة الحسنة عند الذنوب والملمّات. فلا تكوني فظّة تكن لك غظّة!

أُصَادِقُ نَفْسَ المَرْءِ قَبْلَ جِسْمِهِ وأَعْرِفُهَا فِي فِعْلِهِ وَالتَّكَلُّمِ
وأَحْلُمُ عَنْ خِلِّي وأَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى أَجْزِهِ حِلْماً عَلى الجَهْلِ يَنْدَمِ

تجنبي كثرة الجدال وكثرة المزاح فهما يمحقان بركة اللقاء ويهدران اللحظات في ما لا فائدة فيه، جميل الترويح عن النفس ولكن الأجمل منه الاعتدال فيه، ولتتدبّرا معا (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)) الحديد.
وإياكما والتعاون على الإثم والعدوان! فهي هلاك ما بعده هلاك.. ولك أسوق هذه القصة والعبرة:

قصة ابن الفرات

استشهد ابن الفرات أيام وزارته على بن عيسى بغير حق فلم ينصره، فلما رجع كتب إليه: لا تلمني على نكوصي في نصرتك بشهادة زور، فإنه لا بقاء لاتفاق على نفاق، ولا وفاء لذي مين واختلاق، وأحرى بمن تعدى الحق في مسرتك إذا رضي أن يتحرى الباطل في مساءتك إذا غضب.
وهذه قاعدة ذهبية لحفظ الصداقة ألا تتجاوزين بها حدود الله!

ألم تعلمي أنه إذا الإلف قادني إلى الجور لا أنقاد والإلف جائر

فكّري في ما يوطد علاقتكما، هدية تحبها، أو زيارة تقوي إيمانكما، أو مشروع يشغل وقتكما، أو ثقافة توسع مدارككما، أو تلاوة تخشع لها قلوبكما، أبواب الخير كثيرة صعب حصرها، ولك أن تنظري في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الدالة عليها، ستستشعرين أن علاقتكما أصبحت أكثر متانة من ذي قبل، ذلك أن عمل الخير يلقي بظلال بركاته عليكما.
قد تواجهكما صعوبات وتحديات وأزمات ولا خير من الإنابة لله والصبر والوفاء! ولا زلت أرى الوفاء من أروع القيم الإنسانية التي تسمو فوق مادية الأرض، إنه لا يرتبط بشرط دنيوي ولا يعطله مصاب كارثي، إنه يحلق عاليا في سماء الصدق، ويشع سامقا في فضاء الحب!
فمن يجرأ على الإيقاع بينكما، ولك هذه القصة والمثل:

حاتم و أوس

كان بين حاتم طيء و أوس بن حارثة ألطف ما كان بين اثنين، فقال النعمان لجلسائه: لأفسدن ما بينهما، فدخل على أوس فقال: إن حاتماً يزعم أنه أفضل منك. فقال: أبيت اللعن صدق، ولو كنت أنا وأهلي وولدي لحاتم لوهبنا في يوم واحد؟! وخرج فدخل على حاتم فقال له مثل ذلك فقال: صدق! وأين أقع من أوس وله عشرة ذكور أدناهم أفضل مني؟ فقال النعمان: ما رأيت أفضل منكما.

 

تعريف الصداقة

وانظري كيف عرّف العارفون الصداقة وتأملي في عباراتهم الرقراقة..!

سئل بعضهم عن الأخوة فقال: هي الموافقة في التشاكل.
وقال إبراهيم الموصلي: قلت لأسباط الشيباني صف لي الاخوة وأوجز. فقال: أغصان تغرس في القلوب فتثمر على قدر العقول.
وقيل لبعض الحكماء: ما الأصدقاء؟ قال: نفس واحدة في أجساد متفرقة.

فهل رأيت أروع من هذا والصف! لا شك أن روعته تكون بديمومته وإن تباعدت المساكن!

ذو الود مني وذو القربي بمنزلة وإخوتي أسوة عندي فإخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت أبداننا بشآمٍ أو خراسان

هذا حديث عن صداقة حقيقة فكل ما كان دون ذلك، فدعيه خلفك ولا تكثري عليه التأسفا، إنما نأسف على من لم يحفظ كنز الصداقة بالوفاء أما من خانها وباع، فلا يستحق الذكر إلا الوداع!
ولم تقع عيني على أجمل مما قاله الامام الشافعي رحمه الله في باب خيانة الصداقة ..

إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا فدعه ولاتكثر عليه التأسفا
ففي الناس إبدال وفي الترك راحة وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه ولا كل من صافيته لك قد صفا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة فلاخير في ود يجيء تكلفا
ولاخير في خل يخون خليله ويلقاه من بعد المودة بالجفا
وينكر عيشا قد تقادم عهده ويظهر سرا كان بالأمس قد خفا
سلام على الدنيا إذا لم يكن فيها صديق صدوق صادق الوعد منصفا

426

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ثمانية كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات، والمختصر في الملاحم والفتن، وخربشات على جدار الصمت).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.