تساءل كثير من الإسلاميين: إلى متي نظل نتحدث في لا إله إلا الله ؟ أما آن أن ننتقل إلى مرحلة الحلول العملية؟

وحقيقةً.. إن القضية:

أولًا: ليس التحدث عن لا إله إلا الله، إنما التحدث عن مقتضيات لا إله إلا الله، وهذا ما فعله الرسول-صلي الله عليه وسلم-ثلاثة عشر عاماً في مكة، وعشر سنوات ف المدينة وما يجب أن يفعله الدعاة من بعده.

ثانيًا: إن الحلول العملية ذاتها إنما هي من صميم دائرة لا إله إلا الله، وليست شيئًا قائمًا بذاته خارجها.

أسباب ظن الناس بأن قضايا العلم والحضارة هي قضايا خارجه عن إطار الدين

لقد غلب علي حس كثير من الناس في واقعنا المعاصر أن قضايا العلم والحضارة والتكنولوجيا والأدب والفن والفكر والاجتماع والسياسة هي قضايا “موضوعية” بحتة خارجة عن إطار الدين ويرجع هذا إلى ثلاثة أسباب:

الأول: تأثير الغزو الفكري علي المسلم المعاصر

الثاني: أن الأمة الإسلامية-في تخلفها العقدي-ظلت تنحسر بـ لا إله إلا الله؛ حتى أفرغتها من مضمونها وأحالتها مجرد كلمة تنطق باللسان.

الثالث: ثورة التكنولوجيا التي حولت العالم إلى قرية صغيرة يجب أن يتعايش سكانها بمفاهيم موحدة.

ومن جهة أخري فإن الظن بأن (التكنولوجيا) تصنع الإنسان، إنما هو استخذاء من (إنسان معاصر) أمام (المادة) بعد أن فقد ذلك الإنسان مقومات إنسانيته!

وكل التكنولوجيا التي صنعها الإنسان كانت من أجل عمارة الأرض؛ ليكون هو السيد فيها بإذن ربه ولكن الإنسان المعاصر استخذي أمام ما صنعه بيده، فصار عبدًا للآلة، كما كان في الجاهليات الوثنية القديمة ينحت الصنم بيديه ثم يعبده!

ولابد لنا بادئ ذي بدء أن نؤمن إيماناً راسخاً أن لا إله إلا الله بمقتضياتها الشاملة هي-دون غيرها-التي تحقق الفلاح والخير في الدنيا والآخرة بالمعايير الصحيحة، وأن نتحرك نحو الإصلاح المنشود.

التمهيد

إن الدعوة العامة التي أرسل الله بها الرسل جميعًا هي دعوه التوحيد-لا إله إلا الله- وليست دعوه الإيمان بوجود الله، وهذا لأن الفطرة لا تنكر وجود الإله وتعبده “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا” ولكن الدعوة كانت عدم الإشراك بالله.

إن لا إله إلا الله تعني عبادة الله وحده دون شريك، والالتزام بما جاء من عند الله. وتلك القضية على بساطتها هي قضية القضايا في حياة الإنسان وهي المحور الذي ترتكز إليه حياته وتقوم عليه ولم يكن بسطها في القرآن بسبب أن المخاطَبين الأوائل بهذا القرآن كانوا مشركين، فقد خوطب بها المؤمنون في المدينة كذلك والآيات في ذلك كثيرة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا

إن اختلاف التوجيهات الربانية للأمم السابقة كان علي حسب اختلاف انحرافات تلك الأقوام وإن كانت -بالنسبة لكل قوم-داخله في المقتضي العام لـ لا إله إلا الله وهو الالتزام بما جاء من عند الله.

ونلحظ من هذا أن ((لا إله إلا الله)) لم تكن قط عقيدة فحسب، إنما كانت دائما-إلى جانب العقيدة-توجيهات ربانية تتناول جوانب الحياة المختلفة.

كما نلحظ أيضاً أن تلك الأقوام الجاهلية قد استنكرت من رسولها أن يتدخل(الدين) الذي جاء به في شئونهم الدنيوية، التي خيَّل لهم الوهم الجاهلي أنها من شئون البشر، يحلون فيها ويحرمون كما يحلو لهم، وليس (للدين) أن يتدخل فيها! وأبرز نموذج لهذا اعتراض قوم شعيب علي رسولهم.

أما في الرسالة الأخيرة فقد اتسعت ((مقتضيات لا إلا الله))؛ لتستوعب كل متطلبات المجتمع الصالح، ولتقوم عليها حياة ((الأمة الربانية)) التي أخرجها الله؛ لتكون خير أمة أخرجت للناس، ولتكون شاهدة على الناس إلى يوم القيامة

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

مقتضيات لا إله إلا الله

تعددت هذه المقتضيات وتشابكت، لتشمل جوانب الحياة كلها، فأصبحت هي منهاج الحياة الذي يريد الله للبشرية أن تسير عليه، لتنعم به في الدنيا والآخرة يوم يقول الله

 هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

ولأن الرسالة الأخيرة قد حملت من مقتضيات لا إله إلا الله أو تكاليفها ما لم تحمله أي رسالة سابقة فقد لزم في تقدير الله أن تكون وثيقة جدا وعميقة جدا في حس الأمة التي تحملها ومن أجل ذلك يوثق القرآن (لا إله إلا الله) في قلب هذه الأمة ويغرسها ويجعل ذلك جزءاً من خيريتها بكل الوسائل:

مرة بعرض آيات الله في الكون، الدالة على عظمته وقدرته: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) ﴾

ومرة بتذكير الإنسان بنعم الله التي أفاضها عليه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ {10} يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {11} وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ {12} وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ {13} وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {14} وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {15} وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ {16}

ومرة بتذكير الإنسان بنعم الله التي أفاضها عليه: ومرة بعرض مشاهد القيامة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)﴾

وتارة من خلال إخبات الرسل الكرام إلى ربهم واستسلامهم لأمره ودعائهم واستجابة الله لدعائهم: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

وتارة من خلال الجدل الذي يجري بين الرُسل وأقوامهم المعاندين ثم نصرة الله لأنبيائه والتدمير على الكافرين

وتارة من خلال علم الله بالغيب ورقابته لأعمال البشر ومحاسبتهم عليها في الآخرة

وتارة من خلال بيان الدقة المعجزة في بناء الكون والنظام الدقيق الذي تجري به أفلاكه

وتارة من خلال قصة آدم والشيطان وتحذير البشر من عدوهم الأكبر الذي يجرهم إلى الكفر والشرك

وتارة من خلال تعريف الناس بربهم بأسمائه الحسني

كان-صلي الله عليه وسلم-يعيش مقتضيات لا إله إلا الله أمام أتباعه ويعلمهم كيف يحيا الإنسان في معية الله؛ حتى قامت في قلوبهم القاعدة التي تحمل البناء وتتحمل التكاليف.

وفيما يلي نتحدث عن أبرز مقتضيات لا إله إلا الله:

المقتضي الأول: المقتضى الإيماني

إن الإنسان حين يفقد الإيمان بالله واليوم الآخر، لا يستطيع أن يري الصورة في تمامها الذي أنشأه الله (بالحق)، وخلق من أجله السماوات والأرض (بالحق)، فيراها عندئذ شوهاء مبتورة غير ذات معني ولا حكمة ولا قيمة. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ

إن الإيمان بالله وحده بلا شريك هو حق الله على العباد كما قال الرسول-صلي الله عليه وسلم- لمعاذ:

أَتَدْرِي مَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ؟ قُلْتُ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ حَقُّ اَللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَفَلا أُبَشِّرُ اَلنَّاسَ؟ قَالَ لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)

ولكن الله لا يزيد في ملكه شيئاً أن يكون الناس كلهم علي قلب أعبد رجل منهم ولا ينقص في ملكه شيئًا أن يكونوا كلهم علي قلب أفجر رجل منهم.

والفساد الذي يسري في الأرض حين يهبط الإنسان عن الإيمان بما لا تدركه الحواس فيفقد الإيمان بالله واليوم الآخر، ويفقد معني وجوده، ألوان شتي لا يدركها الحصر.

والذي يفتن الناس عن هذه الحقيقة أن كثيراً ممن لا يؤمنون بلا إله إلا الله مُمكَّنون في الأرض (وناجحون) بالمقاييس الدنيوية، فيخيل لكثير من الناس في الجاهلية المعاصرة أن ((لا إله إلا الله)) لا تأثير لها في واقع الحياة، بل قد يجدون في الواقع المعاصر ما يغريهم بالظن بما هو أسوأ من ذلك، وهو أن الكفر بلا إله إلا الله من مستلزمات النجاح… والعياذ بالله! وأسباب ذلك:

  • الجهل بالسنن الربانية
  • سطحية التفكير
  • غلبة الشهوات
  • انطماس البصيرة عن رؤية الحق
  • الغفلة التامة عن اليوم الآخر {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون}

كلا! لا تستوي حياة الإنسان بالكفر والإيمان في الحياة الدنيا ولا الآخرة

{أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض؟ أم نجعل المتقين كالفجار؟}

وحَسْبُ الذين آمنوا أن يحسوا بالتحرر من الطواغيت التي يخضع لها الناس في الجاهلية. ويستوي أن يكون الطاغوت إلهًا يعبد، أو شرعًا يتبع، أو عرفًا يستعبد الناس له، أو شهوة مستبدة بصاحبها، أو طعنًا سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو فكريًا

ما أضيق أفق الإنسان، وما أضل تصوراته حين يحصر اهتمامه وإيمانه بالحياة الدنيا وحدها، منقطعة عن الآخرة… وما أوسع أفقه وما أصوب تصوراته حين يؤمن بالآخرة، ويضع الحياة الدنيا في وضعها الصحيح، وحجمها الحقيقي.

يشتمل ((المقتضي الإيماني)) لـ لا إله إلا الله على أمور بيَّنها رسول الله-صلي الله عليه وسلم-في حديث ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم))، [قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره].

المصادر:

كتاب لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة – محمد قطب

بقلم: آلاء عنتر

849

الكاتب

آلاء عنتر

طالبة جامعية، ومدونة حرة، مهتمة بالشئون الإسلامية، والعلوم الطبيعية.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.