قراءة في تاريخ إيران

الزرادشتية هي الديانة التي كان يعتنقها سكان إيران قبل وصول الإسلام وانتشار رسالته السامية، وهي ديانة منسوبة للفيلسوف الفارسي “زرادشت” الذي ذاع صيته في تلك البلاد، واعتقد الناس فلسفاته لحد العبادة، ولم يتأثر الإيرانيون آنذاك بوجود بعض البوذيين واليهود في ديارهم كما لم يتأثروا بالمسيحية حتى بعد انتشارها في أرمينيا وأوربا وشمال إفريقيا-إلا القليل منهم-لكنهم تأثروا بنور الإسلام الذي أبى إلا أن يضيء ظلام الجاهلية وينتشر بقوة في أرض استعصت على هيمنة المسيحية واليهودية والبوذية.

رسالة الإسلام في فارس

لقد وصلت رسالة الإسلام أرض فارس لأول مرة في التاريخ حين أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة لحاكمها كسرى يدعوه فيها إلى دين الله الحق، ولكن كسرى آنذاك استكبر واستعلى ورفض الدعوة، ثم بعد وفاة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-انطلق الفتح الإسلامي المبارك، فوطأت حوافر خيل الصحابة الكرام-رضي الله عنهم-أرض فارس في عام 13 هـ وكان ذلك في أواخر عهد خليفة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أبي بكر الصديق-رضي الله عنه-.

واستمر الفتح في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-، وقد سجل المسلمون في تلك الحقبة من الزمن نصرًا تاريخيًا في معركة نهاوند في عام 21 هـ، التي أُطلق عليها اسم (فتح الفتوح)، لأنها كانت القاضية على دولة الساسانيين وذلك بمقتل يزدجرد الثالث آخر ملوكهم وكانت أيضًا الممهدة لتوسع فتوحات المسلمين لتصل في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان-رضي الله عنه-إلى جميع أرجاء إيران التي انضمت إلى خلافة المسلمين المنبسطة على الأرض.

المذهب السني والشيعي في فارس

منذ أن فتح الصحابة فارس سيطر الإسلام-بمذهبه السنيّ-على خطا الرسول-صلى الله عليه وسلم-والصحابة الكرام، واستمر الحال في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وما بعد سقوط الخلافة العباسية، إلا في عهد الدولة البويهية، اعتُمد التشييع مذهبًا اشتهرت معه مدن قم وأصفهان وطوس، وكذلك استولى الصفويون على سدة الحكم وأقاموا دولتهم الصفوية فيها في عام 906هـ، وأعلنوا بعد عام من قيامها اعتماد المذهب الشيعي الإمامي مذهبًا رسميًا للبلاد، وهكذا بعد أن كان المذهب الشيعي محصورًا في أربع مدن فقط وهي آوه، كاشان، سبزوان، قم، أصبح بعد سيطرة الأسرة الصفوية يكتسح البلاد الإيرانية، واستمر بهم الحال إلى يومنا هذا.

أصول التشيع

وترجع أصول التشيُّع في إيران إلى القائد مسلم بن عوسجة، الذي فتح مناطق أذربيجان، وعُرف بدعوته لولاية أهل البيت وتشيُّعِه لعلي بن أبي طالب-رضي الله عنه-، وتأزم التشيُّع أكثر خلال عهد الدولة الأموية، حين كانت خراسان هي المنفى الرسمي لمعارضي الأمويين من العلويين، وأيضًا كانت مهد الثورة على الحكم الأموي بقيادة أبو مسلم الخراساني، الذي كان من أسباب قيام دولة العباسيين وحليفًا مهمًا لهم.

بداية معاناة أهل السنة في إيران

ويمكن القول أن معاناة أهل السنة الحقيقة في إيران بدأت منذ أعلن الشاه إسماعيل الصفوي اعتماد المذهب الشيعي الإمامي مذهبًا رسميًا للدولة الصفوية، فأطلق على إثر هذا القرار حملة قتل وتذبيح في أبناء السنة وسجل له التاريخ مجازره الدامية حين أمر بأن يرمى من مآذن المساجد أكثر من 70 عالمًا وطالب علم يوميًا من علماء السنة.

وهو الذي عمد إلى نشر الشتم والسب للخلفاء الراشدين-رضي الله عنهم-ليألَفَه الناس بينهم، فكان يرسل صبيته المعروفين باسم “برأة جويان” أي المتبرئون من الخلفاء الراشدين لشتم أبي بكر وعمر وعثمان-رضي الله عنهم-أجمعين ولإجبار أهل السنة على فعل ذات الأمر الشنيع، فمن امتنع عُذب وقُتل ونُكّل به فانتهى المطاف بأهل السنة للفرار بدينهم وهجران ديارهم أو البقاء والرضوخ لمذهب الشيعة خشية الموت.

وقد وصف الباحث العراقي الدكتور علي الوردي فترة حكم شاه إيران إسماعيل الصفوي قائلًا:

كفى أن نذكر هنا أن هذا الرجل عمد إلى فرض التشيع على الإيرانيين بالقوة، وجعل شعاره سب الخلفاء الثلاثة. وكان شديد الحماس في ذلك سفاكًا لا يتردد أن يأمر بذبح كل من يخالف أمره أو لا يجاريه. قيل إن عدد قتلاه ناف على ألف ألف نفس

مجازر في حق أهل السنة

ولم تتوقف مجازر الشيعة بحق أهل السنة حتى انتشرت أخبارها المؤلمة في كل مكان وغضب الخليفة العثماني-السلطان سليم الأول-فأعلن الحرب ضد الشاه إسماعيل الصفوي ودولته. وقد نحج سليم الأول في فتح مدينة تبريز، ولكن ما لبثت أن سقطت مرة أخرى في أيدي الصفويين الذين روَّعوا الناس بمجزرة لم تشهدها عين بشر في تلك الأرض، وقُبِر هنالك أهل السنة وفر من فرّ، وأصبحت المدينة شيعية بالكامل.

وتذكر الإحصاءات التاريخية أن عدد القتلى من أهل السنة في تلك المجزرة كان مهولًا حيث بلغ في يوم واحد أكثر من 140000 سنيًّا، وهكذا استمر تاريخ الاضطهاد والاعتداء والقتل والتشريد لأهل السنة مع توالي الحكومات في تاريخ إيران، كالزندية والقجرية والبهلوية (أسرة رضا شاه)، وحتى وقتنا الحاضر على يد الخمينية مما سبب تناقص أعداد أهل السنة مقابل تزايد في أعداد الشيعة والمتشيعة ولتصبح الآن الغالبية في إيران شيعية.

أهل السنة في حاضر إيران

ورغم أن حياة أهل السنة في إيران خلال فترة الحكم الصفوي كانت حياة معاناة وقهر واضطهاد، حُرموا معها جميع الحقوق والمزايا التي كان يتمتع بها الشيعة في مختلف جوانب الحياة، إلا أنهم احتفظوا بحق حرية الاعتقاد وبناء المساجد والمدارس ومزاولة أنشطتهم العقدية ولو تحت المراقبة، لكن ما إن قامت الثورة في إيران واستلمت الحكومة الحالية مقاليد الحكم أُعلن العداء الجم لكل من لا يدين بالشيعة مذهبًا، وشهد أهل السنة في هذه الحقبة حملات اضطهاد ممنهجة وسوء معاملة كلفتهم الكثير وقوّضت تواجدهم في البلاد وحُرموا حتى حرية الاعتقاد.

  • الحصار العقدي

فقد حُرموا أي حرية في ممارسة عباداتهم على منهج أهل السنة وأعلنت الحرب على كل ما يسمى الوهابية وهي في الواقع حرب على كل من يدعو إلى مذهب أهل السنة والجماعة ويحارب البدعة.. حُرم أهل السنة من التوسع في نشاطاتهم الدينية، كبناء مساجد ومدارس خاصة في المناطق التي يتمركز فيها الشيعة بكثافة، فضلًا  عن هدم عدد من المساجد والمدارس التعليمية لأهل السنة.

لم تكتفِ الحكومة بهذا الحصار العَقَدي بل شنت حملة ضد معتقدات أهل السنة وشنت حملات للنيل من الصحابة الكرام في الدوائر الحكومية-ومن جهات رسمية-حتى يشعر أهل السنة بالعجز. ولاشك أن الإعلام كان سلاح الحكومة في نشر مذهبهم والنيل من مذهب أهل السنة. وكذلك بُنِيَت المناهج التربوية والتعليمية بناءً على المعتقدات الشيعية منذ المرحلة الابتدائية، المحاربة للوجود السني شملت أيضًا وسائل الحد من أي نشاط اقتصادي قد يقوي نفوذ أهل السنة في البلاد، وكذا حرمانهم من أي نفوذ سياسي، فلا تجد من أهل السنة من يحمل عضوية في البرلمان الإيراني إلا أفرادًا بعينهم لأنهم يعينونهم على سياستهم.

حتى حق التأليف مُنع منه أهل السنة ومُنعت دورُهم للنشر من المشاركة في معرض طهران الدولي للكتاب. ومُنعوا من إقامة صلاة الجمعة والعيدين التابعة للسنة في المدن الكبرى. كما لا يستطيع السنة تسمية أبنائهم بكر أو عمر أو عثمان أو عبد الرحمن.

انتهجت الحكومة أيضًا سياسة التصفية الجسدية لقادة السنة وعلمائها، وهذا ما أكدته جمعيات حقوق الإنسان خاصةً في الأحواز وبلوشستان، فقد شهد أهل السنة عمليات الإعدام بلا رقيب ولا حسيب فضلًا عن أحكام بالسجن لأتفه الأسباب.

ومن جانب التنمية تُعد مناطق أهل السنة الأكثر تخلفًا وفقرًا في إيران. ومن الجانب الاجتماعي تعاني هذه المناطق من تفشي المخدرات وخاصة في المناطق الكردية إلى درجة يظهر معها المكر المنظم بدعم من بعض الجهات الرسمية دون أي أمل في ردع المفسدين.

و من يتأمل في ألوان هذا المكر الرافضي بحق أهل السنة يتعجب من ذلك الثبات الذي تميّز به أهل السنة في إيران الذين ازدادوا تمسكًا بدينهم وبعقيدتهم، في حين يعرف الشباب الشيعي اضطرابًا عقديًا وكثيرًا ما يؤول بهم الأمر إلى التحول للمذهب السني أو الانحدار إلى ملة الكفر والإلحاد.

 

526

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي 10 كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (صيد المقالات) وصناعة الهمة).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.