منذ ما يقرب من ألف وأربعمائة عام، وقف القائد الكبير خالد بن الوليد في وجه جيش هرقل الجرار-بعد أن تحصن ذلك الجيش بأحد الجبال-هاتفًا بمنتهى القوة والثقة والعزم:

انزلوا إلينا، فلو أنكم كنتم فى السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا

موقف عجيب حيث قائد الجيش الأقل عددًا والأضعف عتادًا يتحدى جيش أقوى إمبراطورية على وجه الأرض آنذاك ويتحدث بمنتهى الثقة واليقين، وكأنه في نزهة وليس معركة حامية الوطيس يشيب لها الرضيع.

ترى ما السر في ذلك؟

للإجابة عن هذا السؤال لابد من العودة قليلًا  إلى الماضي عبر صفحات الزمن وتحديدًا فى السنوات القليلة التى تلت موت سيدنا موسى عليه السلام، حيث أرسل الله عز وجل لبني إسرائيل نبي آخر يدعى يوشع بن نون-فتى سيدنا موسى المذكور فى سورة الكهف-فشحذ يوشع بن نون عزائم بني إسرائيل واستنهض همتهم لتحرير بيت المقدس من أيدى القوم الجبارين>

ودارت رحى المعركة وأوشك بنو إسرائيل على تحيق انتصار بيّن على أعدائهم، وكان ذلك قبيل غروب شمس يوم الجمعة، وهنا تكمن المشكلة، فإذا غربت الشمس فهذا سيعني توقف بني إسرائيل عن القتال حتى فجر يوم الاحد لأن يوم السبت عندهم لا قتال فيه، وبالطبع فتوقف المعركة فى هذه المرحلة الحرجة كافٍ لأعداء بني إسرائيل كي يضمدوا جراحهم ويرمموا ما تهدم من حصونهم ويرتبوا صفوفهم ويأخذوا قسطًا من الراحة، وكل هذا يعني أن تبدأ المعركة من الصفر ويضيع كل ما حققه بنو إسرائيل من انتصار.

إذًا فما الحل؟

الحل أعجب مما تتخيل، توجه سيدنا يوشع بن نون نحو الشمس وخاطبها قائلًا:

إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا

فحُبست الشمس حتى فتح الله عليهم وانتصروا على أعدائهم ثم غربت الشمس. لكي ندرك عظم تلك المعجزة لابد أن نعي جيدًا معنى توقف الشمس عن الحركة، فالأرض تدور حول الشمس هي وباقي كواكب المجموعة الشمسية، والشمس بدورها تدور هي وملايين النجوم الأخرى حول مركز المجرة، والمجرة ومعها مليارات المجرات تسبح فى الفضاء السرمدى منذ قديم الأزل إلى أن يشاء الله، وكل ما سبق يتحرك بتوافق وتناغم مذهل، فتوقف نجم من النجوم عن الحركة يعنى بالتبعية توقف المجرة وتوقف المجرة يعنى بالتبعية توقف باقي المجرات، أي أن الكون كله توقف عن الحركة من أجل سيدنا يوشع بن نون.

ترى ما هى تلك القوة الجبارة التى مكنت خالد من الوقوف أمام أحد أقوى جيوش الأرض بثبات وشموخ، ومكنت يوشع بن نون من إيقاف حركة الكون كله حتى يكتب النصر لبنى إسرائيل؟

يجيبنا عن ذلك الحبيب محمد صلى لله عليه وسلم، فلقد روي عنه أنه قال: (من سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله) رواه أحمد بإسناد صحيح وابن حبان والحاكم وصححه وأقره الذهبي.

إذًا السر يكمن فى تلك العبادة القلبية التى تناسها كثير منا ألا وهي عبادة «التوكل»، للأسف كثير منا بدل التوكل بالتواكل فضيع الدنيا والآخره.

يُعرف العلماء التوكل بأنه:

صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلّها، وتفويض الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه.

وفى إطار ذلك التعريف تسطيع بجلاء فهم ذلك اليقين الذى دفع بإبراهيم لتحدى النار، فأحرقت قيوده وكانت بردًا وسلامًا على جسده، وثبات موسى فى مواجه البحر من أمامه، والطاغية فرعون من خلفه فصرخ فى فى بنى إسرائيل:

كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ

فانفلق البحر وتغيرت خواص الماء ليصبح ممر آمن لسيدنا موسى ومن خلفه، وقس على ذلك ثبات المصلحين وبذلهم عبر التاريخ، فما تجد من نبي ولا صحابي ولا عالم ولا داعية إلا متوكلا على الله حق توكله، وعلى الرغم من ذلك ترى كثيرًا منا يتجاهل ذلك السلاح الماضى الذي يمده-بفضل الله-بقوة لا حدود لها قوة علمية وإيمانية وجسدية، قوة تقسم الباطل وتنصر الحق، تعز دين الله وتدافع عن أولياءه، قوة يهون معها كل صعب ويسهل كل عسير، فاجتيازك للامتحان بتفوق أو حصولك على الوظيفة التى تريد أو تمكنك من العلوم الشرعية أو حفظك للقران العظيم بل وتحقيقك لكل خير فى الدنيا والآخرة مرهون بحسن استغلالك لذلك السلاح، سلاح التوكل، فلا تضيعه فتضيع.


إعداد: د. محمد أبو العمايم

1268

الكاتب

محمد أبو العمايم

صيدلي يهوى كتابة المقالات و القصص القصيرة والروايات... نُشر له بعض المقالات في جريدة المداد بالإضافة لمتفرقات على الشبكة العنكبوتية... مهتم بريادة الأعمال يسعى حاليا للحصول على درجة الماجستير في إحدى أحدث طرق تصنيع الدواء بتقنية النانوتكنولوجي.

التعليقات

  • Mahmoud Marzouq منذ 6 سنوات

    مقال رائع جدا تحتاجه الأمة الآن لتتوكل على الله حق التوكل في قتالها ضد طواغيت العصر والصهاينة والصليبيين الجدد…

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.