إن أردت الاستحواذ على شخص ما فما عليك سوى الاستحواذ على الجزء المفكر والمدبر منه وهو العقل وإن أردت الاستحواذ على ذاك العقل المفكر وأردته خالصا لك فعليك بالتحكم فيما يصل لهذا العقل وأيسر الطرق للتحكم فيما يصل للعقل هي وسائل الإعلام. يعتبر الإعلام بشكل عام سواء كان قديمًا تهيمن عليه النخبة أم جديد متمثل في شبكات التواصل الاجتماعي المرجع الأول لأبناء قرننا هذا ونافذة للتطلع على أحداث العوالم الأخرى، هو الكرة السحرية التي تنقل لك ما في الجهة الأخرى من أحداث وحركات بل وسكنات وأنت جالس تحت سقف بيتك. لكن من يدير تلك الكرة السحرية وحده قادر على تكوين بوصلة لعقلك والهيمنة على تفكيرك بل وغض طرفك عما لا يريد منك رؤيته وإطلاق بصرك نحو ما يريد منك أن تراه.

 

لكن أولا ما هو الإعلام؟

“يقول أورتجروت معرفا الإعلام بأنه التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير وروحها وميولها في نفس الوقت. ويعرفه حسام رفقي بأنه الاتصال بين المرسَل والمستقبِل عن طريق وسيلة إعلامية تنقل بواسطتها الرسالة الإعلامية من طرف لآخر. ويعرفه زيد عبد الباقي بأنه تزويد الجماهير بأكبر قدر من المعلومات الصحيحة أو الحقائق الواضحة والثابتة”

يتضح من تلك التعريفات أن الإعلام مهمته الأولى والأخيرة حشو العقول وقد يكون ما يدخل للعقل من خلال وسائل الإعلام ينمي التفكير أو يثبطه أو يوجهه.. وهذا يتوقف على من يدير تلك الآلة الإعلامية ومن هنا يمكن تقسيم الإعلام إلى قسمين:
النوع الأول: إعلام قديم أو تقليدي وهو تتحكم فيه نخبة بعينها وحدها تحدد ما يصل للمستقبِل وما لا يصل وحدها تحدد البوصلة لعقل المستقبِل وتفكيره وهذا النوع ينحصر في وسائل الإعلام القديمة كالتلفاز والراديو.
والنوع الثاني: وهو الإعلام الجديد ويسمى بالإعلام البديل أو الاجتماعي وهو متاح للجميع ويتميز بالحرية وتوجيه العقل في أكثر من اتجاه للمعرفة والتعرف على مختلف الأفكار هو ساحة لتلاقى جميع الثقافات لا تهيمن عليه فئة بعينها ولا تتحكم به.

وبما للإعلام من خصائص متمثلة في التفاعلية واللاتزامنية والمشاركة والانتشار وتكوين بيئة عالمية للاتصال تتخطى حواجز المكان جعله ذلك عامل أساسي وفعال في تكوين الرأي العام واختراق صفوف الجماهير وأحيانا تفتيت تلك الصفوف إن كانت متجمعة وتجميعها إن كانت مشتتة. تخطى دور الإعلام من كونه منصة لتلاقى الفكر ليشمل التسلية والترفيه مما جعل تأثيره يمتد للأخلاق أيضا.

اقرأ أيضًا: 12 طريقة يستخدمها الإعلام لخداعك

الإعلام في الإسلام:

لما أسس النبي صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام في المدينة أول ما قام به هو بناء المسجد ولم تكن نظرته صلى الله عليه وسلم لهذا البناء كنظرتنا له وهى العبادة وفقط بل كانت جامعة ولبنة فعالة في تثبيت أركان دولته فكانت تقام فيه الصلوات ويخطب النبي فيه لأصحابه معلما لهم أوامر ربهم عز وجل منه كان يخرج الجند للغزوات وفيه كان النبي يقابل الوفود من الأنحاء المجاورة للمدينة فكان المسجد بمثابة منبر إعلامي يستقى منه مسلمي المدينة ما يروي عقيدتهم ويحثهم على الجهاد ويغرس فيهم رفيع الخلق. كان المسجد المكان الذي يتلاقى فيه المهاجرون والأنصار وأهل الصفة كان ملتقى للجميع باختلاف لونه وثقافته فكان فيه بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وعمر المكيّ ومعاذ المدنيّ وهكذا كان المسجد هو المنبر الإعلامي لأهل المدينة ونتج من ذلك تكوين شخصياتهم المتكاملة الواعية.
نتحدث بشكل خاص عن الإعلام القديم لما له من تأثير ملحوظ على العامة. تنحصر الآلة الإعلامية للإعلام القديم في جهاز التلفاز والراديو والجرائد والمجلات له مؤسساته الخاصة ووظيفة ورسالة خاصة. رجال محددون يتحكمون به، و برامج معينة تُبَثُ وأخرى تُمنع بشكل نهائي. يسيطر عليه النخبة الموالية عادة للنظام الحاكم وأدت فروض الولاء والطاعة له وأعلنت نصره من خلال شبكاتها ظالما كان أو مظلوما مقابل نماء هذه الشبكات وإغراقها بالأموال وسطوع نجمها فى سماء الإعلام. فيتم التعاقد على بث السموم في أذهان المستمعين وصمّ أذانهم عن القضايا الكبرى وتلميع النظام والتطبيل له مقابل الشهرة والنجومية والعيش الرغيد! تكون تلك النخبة عادة من رجال الأعمال أو المستثمرين. أولئك الذين يعشقون المادة ويضحون بما يقف أمامهم من أجلها. منهج هؤلاء لتثبيت النظام الحاكم والحفاظ على أعمالهم ومستواهم هو التغييب!

 

البُعد الأخلاقي:

فينفقون ملايين الجنيهات بل الدولارات لإنتاج الأفلام الساقطة الهابطة التي تجعل من شباب الأمة ورجال الصحوة مسوخا بشرية تتحرك فطرتهم بشكل حيواني طاغ على حدود النفس والغريزة النقية. فنرى الطفل ذو السابعة يقف على الطرقات ممسكا بيده سيجارة متجردا من الوازع الديني والأخلاقي. والفتاة الأم المستقبلية وصانعة الأمم تتفنن في رسم وجهها بمساحيق التجميل اقتداء بالممثلة الغربية أو العربية! الحسناء الجميلة التي يتهافت عليها الجميع من كل حدب وصوب! والأب يفنى وقته على مباريات كرة القدم والمصارعة الحـرة تاركا أبنائه حيارى وسط هذا التيه. والأم بما يُصدر إليها من المسلسلات التركية التي تتعدى حلقاتها في بعض الأحيان إلى مائتي حلقة تنسى واجباتها تجاه منزلها والحمل الثقيل على عاتقها وأنها راعية بيتها والمسئولة عن كل صغيرة وكبيرة فيه. ويزداد معدل هذا السفه إن رأوا همة من المسلمين لنصرة دينهم، فيعملوا على صرفهم عن الحق بما يرون من وسـائل، ولعلك تذكر ذلك السفيه ( محمود سعد ) وهو يقول:” تظنون أين يكمن الحل؟! نقيم حفلًا لهيفاء مثلًا! ثم استدرك قائلًا: إنه جزء من الحل!”

اقرأ أيضًا: لا تدعهم يغتالون طفلك فكريًا !

البُعد الفكري:

و لا تتوقف سياسة التغييب على إذاعة هذا السفه فحسب، ولا يتوقف تأثيرهم على الأخلاق وتشويه الروح والخروج عن الفطرة وفقط. فمن ضمن هذه السياسة التي باتت وكأنها بروتوكولات للاستحواذ على أي شعب البرامج السياسية التي يذيعها مقدمي برامج محنكين واعين. أولئك أصحاب الألسنة السليطة، يجلس الفرد منهم الساعة والساعتين موجها وجهه للكاميرات فتارة يخفض صوته وتارة أخرى يصيح. تارة يسب وتارة أخرى يتلطف ويمدح. يأخذ عقل المشاهد إلى لبّ الحدث الذي يريده أن يعرفه بالصياغة وبالشكل الذي يريده ثم تُغلق تلك الكاميرات ويخرج المستمع وكأنه جهبذا في السياسة فيصيح في المجالس بما في جعبته من معرفة وفكر والمسكين لا يدرى أن عقله مُشكل بما أرادته النخبة وأن تفكيره مسير كما أرادوا، وأن كل ما يردده مخالفًا للعقل والدين.. بل يخالف آراء من يردد كلامهم. ولو أعـاد شريط الأحداث لرأي هؤلاء يوم لم تتحدد بعد معالم المعركة ولمن تكون الغلبة للشباب أم للنظـام.. تهوروا، وأسرعوا يهاجمون النظام ويمدحون الشباب، ثم عـادوا بعد ما ظنوا أنهم أمسكوا بزمام الأمور! لا يدرى المسكين أن تلك الآلة وضعت في رأسه بدلا من عقله وعقله هناك في ثلاجات مرضى الفكر. ولو أن هذا العقل أصابته صاعقة ما وأراد التحرر من عفن الجهل والتبعية المسيطرة عليه فسرعان ما تلاحقه تلك المطرقة مرة أخرى بالمزيد من الأفلام الهابطة والجلسات الفكرية السامة وحلقات السب والتجريح والتشويه في الفرق المعادية. فيغط في سباته العميق مرة أخرى وكأنه أصبح من المحرم لذاك العقل رؤية النور والاستشعار بنعمة التفكير المتجرد من التبعية الحمقاء. ومن مظاهر سياسة التغييب نشر الرعب والخوف والذعر في قلب المشاهد فهذا كفيل لفقده عقله والسيطرة عليه. تشير بعض الدراسات أن الإنسان يفقد قدرته على التفكير بعقلانية حين يخضع لضغوط نفسية أو عاطفية قوية. فعندما احتلت أمريكا العراق احتلتها تحت مسمى الإرهاب المحتمل وأنها تمتلك أسلحة نووية فتاكة وكان كل هذا هراء! وإن كان كذلك فأين أمريكا وإعلامها وهيمنتها من إيران وما لديها من أسلحة دمار شامل فعلية! لكنها سياسة خبيثة ودعاية سياسية دنيئة هدفها الأول والأخير إرهاب العقل وعدم إعماله. وإن نظرت فإن كل دماء يسفكونها ظلمًا، ويجندون إعلامهم ليجعلك راضيًا بما يحدث، يسفكونها بزعم الإرهـاب..فيمضون في غييهم، ويتخذون منك غطاءًا شعبيًا.

 

البُعد الديني:

وواحدة من أهم سياسات التغييب وتثبيط العقل تشويه الدين! إن هدف تلك الأيدي في الأساس هو الدين. لأن الدين هو المحرك للفطرة ومغذى الروح هو اللسان القائل للظلم وأهله لا. ذلك الدين الذي نظم أمور الحياة بأكملها؛ فتشمل الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخـلاقيات والسلوك الذي يسود المجتمع، وأيضًا التشريعات القانونية القائلة بأن القاتل يُقتل والسارق تُقطع يده وقاطع الطريق يُنفى وسارق الثروات يردها هو الذي أمر الفتاة بالعفاف والإعداد لبناء جيل يسود الدنيا وأمر الشاب بالسعي لهذه الشريعة، هو الذي أمر الحاكم بالعدل، العدل الذي يصل لجوف الطير قبل الإنسان. هو المنظم للكون هو الدستور القويم الذي يودى بتلك الدساتير الوضعية أرضًا ويضرب بمن يتغنى بها عُرض الحائط. هدفهم الدين، لأنه يجعل أصحاب السلطة لا شيء ببساطة. بينما هم يريدون امتصـاص ثروات البلاد، وثرواتك.. أيظنون تلك الأموال وتلك المناصب تذهب معهم للقبور، أو تشفع لهم يوم اللقاء!
أدرك هؤلاء خطورة الدين وأهله الصادقين على مشاريعهم المادية الرأسمالية المتعفنة وأدركوا أنهم لن يستطيعوا الإفصاح علانية بالتجرد منه فاستغلوا تلك الآلة لهذا الغرض.صنعوا دينا جديدا يتوافق مع أهوائهم ورغباتهم ومشاريعهم ثم صدروه لكتب أطفالنا فيكبر الطفل على أن الموسيقى غذاء الروح وأن مادة التربية الدينية مجرد مادة لا علاقة لها بالدراسة ولا تؤثر في معدله لأنها مهمشة. فينمو بعيدا تمام البعد عن الدين الصحيح وتصبح الفكرة التي استقاها من كتبه هي الفكرة الأصلية عن الدين والصحيح هو الفكر المتطرف بعينه! اكتفوا بإذاعة خطبة الجمعة تأكيدا على تمسكهم بالإسلام، حتى خطبة الجمعة، لا يُسمح فيها بأن تتحدث في كل أمور الدين، بل أمور معينة تلك التي لا تهز عروش الظالمين ولا تنشئ جيلًا قويمًا. حددوا ما يصل من الدين عبر هذه الشاشة وما لا يصل. فخرج جيلٌ مزعزع العقيدة مهزوز الفكر وتائه الروح ومنحط التربية. جيل امتلأ عقله بالفرعيات التافهة وتشربت روحه المعاني الزائفة للحياة فأصبح مسخا بلا عقل بلا فكر بلا أخلاق.

إنك لا تستطيع أن تحيا مسلمًا صحيح العقيدة، وسط كل هذا الزيف مع غياب الأهـل وتغييب القدوات، وصناعة قدوات وهمية تحمل فكرًا فاسدًا ومنهجًا باطلًا، تُصدر لك ويعملون على تلميعها وإبرازهـا، بينما هنالك تعتيمٌ كامل على قدواتِ حقيقة فذة! ولعل ما أتاح لهم هذا هو نحن، نمضي بلا هدفٍ وبلا تخطيط.. فمتى ندرك أو نستفيق!

 

2308

الكاتب

أسماء القاسم

خليفةُُ للهِ في أرضهِ والقبلةُ إلى بيت المقدس، أسكن القاهرة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.