تعالت من أفواه علماء السلطان المناداة بالتشبث بوسطية الإسلام كما قررها الشيخان ابن أبي أوباما وجون بن كيري ومن قبلهما، وازداد عدد وأنواع المتبنين للخطاب ذاته حتى صرنا نسمع من الناطق الرسمي باسم الجيش الصهيوني الخطاب ذاته والمطلب عينه، فلما أصبح مفهوم الوسطية محددا كما قرروه، التحق بالركب الدعاة ” الكيوت ” و الذين أتوا و جلبوا معهم أتباعهم الذين تبنوا الطرح ذاته وراحوا ينادون به، فما هي هذه الوسطية التي ينادون بها ويبغونها لنا كمنهج حياة؟

قبل الخوض في هذا الموضوع ، يبدو من الضروري توضيح معنى الوسطية في الإسلام كما هي، لا كما يريدونها هم؛ فالوسطية في الإسلام أنواع متعددة حسب مجالات مختلفة؛ فالإسلام توجه وسطي بين المادة والروح لا يغلب أحدهما على الآخر أكثر من حده، والوسطية وسطية بين القوة واللين، قوة تستخدم لتحقيق العدل ولين مع من لا ضرر منتظر من جهته، والأمثلة كثيرة ومتنوعة جاء ذكرها في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. وهذا ما يخص الوسطية الإسلامية الحقة التي لم تفسدها سياسة ولا هوى حاكم، فماذا عن وسطيتهم، و ما الغاية منها؟

الوسطية التي يريدونها لنا ليست وسطية بين المادة والروح وإنما وسطية بين الإيمان والكفر؛ فلا يكون صاحبها ملتزما بأوامر الله تعالى كما هي ولا هو منقلب عنها كما بقية الكافرين، بل يكون ” وسطيا ” يأتي المحرمات وهو معتقد ببساطتها ويتصدق بالنذر اليسير مؤمنا أنه يكفيه لدخول الجنة.

أمر هؤلاء الوسطيين كمن يأتي الزنا و هو يبدأه بالبسملة و ينهيه بقوله ” اللهم اغفر لي ” ثم ينطلق مرتاح البال ليزيل غصنا من الطريق وهو يحتسبه كافيا ليشرب من حوض النبي عليه الصلاة و السلام، لا يصلي لكنه متأكد أن تفانيه في عمله داخل بنك ربوي سيكفيه أن يتغمده الله برحمته. هذه مجرد أمثلة لتلك الوسطية المقيتة التي يروجون لها على أنها وسطية الإسلام التي تتسامح مع الإتيان بالمحرمات وتفضل التماشي معها، تفصل بين العمل وحكمه الإلهي وقيمته لحساب رأي شخصي ورؤية علمانية للحياة. إن الوسطية التي يريدونها لنا هي تلك التي تدفع الإسلام خارج معترك التشريع وتقصره على الروح التي تنضبط له بعد أن تشكله بما لا يخالف النظرة المادية للعالم، فيصبح الإسلام بذلك محددا بالتصورات الجاهلية فيخضع لها عوض أن يكون هو السيد الذي يخضع له التصور فيتغير بما يوافق أوامر الله تعالى، فتنتفي منه بذلك وظيفته الإصلاحية ويبقى مجرد تصور آخر يدور في فلك التصور الجاهلي الأكبر الذي يستعبد الإنسان لشهواته ولأي طرف آخر إلا الله تعالى .

أما عن سبب كل هذا الدعم له والتسويق له، فيكفي أن يلاحظ المرؤ أصحاب هذا التوجه وما بلغوه من انحطاط في العقيدة وإضعاف للإسلام حتى يبطل العجب، فمنذ الحملات الصليبية الأولى والمهاجمون يشتكون من العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي للحياة الذي يحرك المسلمين في شتى مجالات الحياة حتى بلغوا تأسيس دولة أذاقت العالم العدل لعقود من الزمن، فكان أن وضعت الخطط لإضعاف الإسلام قصد إضعاف أصحابه، فتتم استمالة أصحاب اللسان المعسول والحضور الوازن ثم تسويقهم كعلماء جاؤوا لتكسير قيود وأغلال التقاليد التي أثرت سلبا في الإسلام، ثم لمّا لم يكف هذا بدأ العمل على تقديم قدوات ولاؤها للمحتل يجر معه ضعاف العقيدة ليتبعوه، فلما تمكن المحتل من إرساء أسس عملائه، خرج مطمئنا ومرتاحا وهو يعلم أن البذرة ستتحول يوما ما لشجرة بجذور قوية، فصدق وهو كذوب، فقد بلغنا زمنا نرى فيه ونشهد من يطعن في الإسلام علانية جهارًا ولا تتم محاسبته بل يحاسب من يواجهه. و لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل تطورت الأمور إلى حد آخر أشد خطرا، وهو ما يهمني توضيحه .

لقد نجحت هذه الوسطية و من يدعمها أن تقدم للناس نموذجًا جديدًا يرتدي لباس الإسلام باطلا، و ينادي بكونه الوسطية التي أمر بها الله في مواجهة التشدد بالخصوص، فتمت إباحة العديد من المحرمات باسم التخلص من قيود التقاليد ، و تم تقييد العديد من الأوامر الإلهية باسم المصلحة و التعايش و حسن الجوار ،حتى انقسم المجتمع إلى فئات أكثرها تعرضا للضغوط هي الفئة الملتزمة بدينها فحظيت بتسميات مختلفة للإيهام بأنها المختلفة عن الإسلام الحق وأن غيرها هم المسلمون، فيصبح من يصلي ملتزمًا فيما من يكتفي بنطق الشهادتين مسلمًا، ومن تغطي شعيرات من شعرها محجبة فيما تسمى من ترتدي اللباس الشرعي بالمتنقبة والسلفية وما شابهها من أسماء غايتها خلق وهم بكون الملتزمين بالإسلام هم الإستثناء فيما العصاة هم الأصل و المسلمون الحقيقيون، و لأن أنظمتنا العميلة لا تستطيع أن تترك الفرصة تضيع فقد انخرطت في استغلال الأمر عبر خلق نظام قائم على سد فرص العيش الكريم المريح للملتزمين، فنشرت الرذيلة و الربا و صعبت عليهم كسب أرزاقهم أو نشر أفكارهم بل و إن سمحت لهم بفسحة من الحركة كانت في الخلفية كمجموعة تروس تحرك الآلة الكبرى التي تضغط عليهم ، حتى استسلم العديد من الملتزمين للضغوط فبدؤوا بتقديم تنازلات مختلفة على أصعدة متنوعة تفضي لشيئين: أولهما تقليص عدد الملتزمين والتضييق على المتبقين منهم، و ثانيهما تبيين أن من انتقل من الالتزام نحو الوسطية الجديدة يحصل على مكاسب كثيرة تنفعه في حياته، فمن ذا الذي سيفكر في الالتزام بعد أن يرى ما يتعرض له الملتزمون؟ فكان أن نجحت أنظمتنا في دفع الناس نحو الوسطية المزعومة مستغلين لحى السوم وقوة الإعلام، فكانت النتيجة أن يجد الملتزمون أنفسهم بلا قوة، يسهل القضاء عليهم الواحد بعد الآخر وسط تصفيقات الجماهير التي ترى فيهم تشددًا لا يليق بالإسلام بل يؤذيه .

الخاتمة

هذه الوسطية هي التي يريدونها لنا، كونها أسهل الطرق لجر المسلم خارج دينه بشكل ناعم ودون انتباه منه؛ فلماذا تحريم المعازف؟ لدينا موسيقى إسلامية، استمعوا لها مكان الغربية، لماذا تحريم الاختلاط ؟ اسمحوا به شرط أن يكون طرفاه يحملان أسماء عربية ويذكرون الله في كلامهم ( مثل “و الله” للقسم ، أو “الله يسامحك” للمزاح )، ولم تغلفون المرأة بأثواب سوداء مفزعة تمنع العين من النظر إليها؟ أليس الله محبا للجمال؟ اتركوا الفتاة تقرر ، اتركوها تجمع بين الموضة والحجاب، لا تمنعوها من أن تزاوج بين الموضة و الدين، فغطاء للشعر أو بعض منه كاف للدلالة على أنها محجبة، أما باقي جسدها فلا مشكلة أن تلبسه ما تريد مما يجذب الأنظار و يظهر جمالها.

مثل هذه الأعذار و الطرق في التبرير هي التي تثبت للوسطية مكانها ويساعدها في ذلك المجتمع الذي فقد من يوجهه ، والشركات الكبرى التي يهمها الربح فقط فأخذت تقدم منتجات لسد طلب الوسطيين الإسلاميين وتساهم في الإكثار من عددهم. و النتيجة المرجوة هي أن يفقد المسلمون عقيدتهم لحساب نسخة خالية من الإلتزامات والتشريعات والتقييدات فيصبح الإسلام كسائر الأديان التي هي بمثابة أفيون للشعوب ؛ تضمن خضوعهم للسلطة و صبرهم على ظلمها، و تقبل العالم على ما هو عليه.

962

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.