يقول سائل: كيف لمراكز البحث الأمريكية مثل مركز راند أن تطلعنا عبر مواقعها الرسمية، على مخططاتها بهذه السذاجة؟! قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرك جيداً أهمية تلك الأبحاث بالنسبة لنا، خاصة من وهبوا حياتهم لله للتحرر من فلك التبعية للغرب.

يكفيك أن تعلم أن عدد الباحثين في مركز (راند) 1600 باحث وميزانيتها 150 مليون دولار سنوياً، ولا ننسى كذلك مركز (كارنيجي) و (بروكينجز) فهم في غاية الخطورة حيث ترسل توصيات وتقارير هذه المراكز إلى مؤسسات اتخاذ القرار في أمريكا، ويعتبروا أهم المؤسسات الفكرية المؤثرة على صناعة القرار في أمريكا.

على المستوى السياسي

  • لك أن تتصور فكرة السماح للتيار “الإسلامي الديموقراطي” الصعود إلى السلطة ثم إسقاطهم (حيث تم استخدامهم) كانت ذروتها في عام 2004م حيث كتب الباحثان “راي تاكيا” و “جفوسديف” كتابا خطيرا جدا بعنوان: (انحسار ظل النبي -صعود وسقوط الإسلام السياسي الراديكالي)

  • كذلك توصيات وتقارير مؤسسة راند عن فتح المجال والسماح “للإسلاميين الديموقراطيين” المشاركة في الانتخابات التشريعية حيث كتبت هذه التوصية في عام 2004م بعنوان: (الإسلام المدني الديموقراطي)
  • وكذلك تقرير مركز راند الخطير الذي صدر في عام 2007م وكان بعنوان: (بناء شبكات مسلمة معتدلة)، وفي عام 2008م تم إصدار كتاب خطير وهام للغاية في تحليل ورؤية أمريكا للنظام التركي بعنوان: (صعود الإسلام السياسي في تركيا) The Rise of Political Islam in Turkey من تأليف “أنجل رابسا” و “ستيفين لاربي” من خلال مركز راند كذلك.

    اقرأ أيضًا: الإسلام السياسي بعيون كارينغي

على المستوى الإقتصادي

نجد (ميلتون فريدمان) صاحب النظريات الاقتصادية الرأسمالية المتطرفة هو أحد المؤثرين بقوة في السياسة الأمريكية، ألمحت إلى دوره المباشر وغير المباشر في معظم الكوارث التي رعتها أمريكا الباحثة الكندية ( نعومي كلاين) في كتابها (عقيدة الصدمة) ومن كتبه المشهورة جدا “الرأسمالية والحرية”.

كان لميلتون فريدمان تأثير هائل في السياسة الاقتصادية الدولية، ووصف بأنه كارل ماركس الرأسمالية، فهذا يدل على أن المعركة لها جزء كبير جداً ومهم في المعرفة والوعي، ولا يصح عقلاً ولا شرعاً تجاوز مرحلة البحث والتخطيط بأي شكل، وكذلك هذا ليس معناه عدم مقاومة هذا المحتل، بل هو مزيج تحت عنوان (معركة الوعي & المقاومة).

نرجع مرّةً أخرى للإجابة عن السؤال

كيف لمراكز البحث الأمريكية مثل مركز راند أن تطلعنا عبر مواقعها الرسمية على مخططاتها بهذه السذاجة؟!

أولا: المراكز البحثية تُطلعنا عن عمد (ليست سذاجة) على جزء من مخططاتها ليست جميعها، وليس بالضرورة أن تنفذ جميع توصياتها.

ثانياً: الإدارة الأمريكية تدرك جيداً أنّ المسلمين لا يقرؤون وإذا قرؤوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يطبقون!، أي أنها تعاملنا على أساس أن المجتمعات انغمست وذابت تماماً مع الحداثة والمادة فلا قضية تدافع عنها كي تبحث أصلا عن أصل مشكلتها!

ثالثاً: قد ترى الإدارة الأمريكية أن الكشف عن جزء من مخططاتها، يجعلنا نخشى مواجهتهم بسبب عرض قوتهم ويدخل الضعف والانهزام النفسي والثقافي والحضاري لنا أكثر فـ أكثر؛ حيث أنهم يستطيعون فعل كل شيء.. هيمنة (اقتصاديه ، سياسيه ، عسكريه ، ثقافية)، فننظر إليها على أنه لا مفر ولا خلاص إلا بالاستسلام لقيمها والاعتراف بشرعية وجودها ومن ثم التحاكم إلى ديموقراطيتهم وعلمانيتهم وسياستهم ورأسماليتهم!

لكنهم لم يدركوا أن هناك أحرارا لا يعترفون بشرعيتهم الدولية الباطلة ولا يرونها إلهاً ويعملون على إسقاطها قيمياً وميدانياً حيث شعارهم (لن تحكمنا أمريكا) = (القادم محجوز لأفكارنا) وإن غداً لناظره قريب!

رابعاً: عندما تقوم هذه المراكز بنشر توصياتها وتقاريرها وإصداراتها، فإنهم يفعلون ذلك بعد أن يقوموا بإكمال نصف الطريق لنشر توصيات وتقارير أخرى وأخرى .. بـمعنى: عندما تقوم بدراسة توصية لهم نشرت في عام 2004 مثلاً فـ إلى حين انتهائك من دراستها جيداً والبدء في شروع “ردة فعل” كالعادة إن وجدت أصلاً .. في نفس هذا الوقت سيكونوا هم على وشك الانتهاء من التوصيات الأخرى التي قد تختلف عن سابقيها، وهكذا تخرج من حالة ردة فعل إلى ردة فعل أخرى.

والفارق الزمني بين التوصية والأخرى لا يجعلك تستطيع أن تكون في حالة “الفعل” بدلاً من حالة “ردة الفعل”.

خامساً: إن هذه الأبحاث والكتب والمقالات تنشر منذ عشرات السنين، أخبرني من اهتم بالقراءة وحول القراءة إلى وعي وحول الوعي إلى نظرية وحول النظرية إلى حركة وحول الحركة إلى تجربة نعيشها ؟! بل قد تتفاجئ بأن كتاب قيم جدا مثل (سيكولوجية الجماهير) للكاتب: “غوستاف لوبون” صدر عام 1895م! ولم تجد من يحيلك إلى قراءته ودراسته كي تعلم كيف تتعامل مع الجماهير وكيف تحركها وتدرس طبيعتها وهو من صلب المعركة وأساسها، غير الكتب والتقارير الأخرى لكتّاب مثل: نعوم تشومكسي – روبرت تابر – وليام غاي كار – جون بيركنز – بايمان – جراهام فوللر – مايلز كوبلاند – وغيرهم .

اقرأ أيضا: صعود الإسلام السياسي في تركيا.

وأخيرًا:  “قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ”  فأصل المشكلة هم أولئك المسلمون المنهزمون ثقافيًا ونفسيًا وحضاريًا أمام “سلطة الثقافة الغالبة” كما يعّبر عنهم الكاتب: “إبراهيم السّكران”، حيث الغرب “جزء” من المشكلة، وأصعب ما في الأمر أن تظن بأنك تعيش حرًا والحقيقة أنك تعيش في سجن كبير سجّانه هو أنفس أولئك المنهزمون ومن ثم الغرب!

بقلم: حـسام المصري

1593

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com.

التعليقات

  • Ahmed Hasan منذ 3 سنوات

    ثانياً: الإدارة الأمريكية تدرك جيداً أنّ المسلمين لا يقرؤون وإذا قرؤوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يطبقون!،

    رد
  • تعليق منذ 3 سنوات

    من عقدة المسلمين أيضًا تضخيم قيمة هذه المؤسسات “الفكرية” كراند وغيرها، التقارير التي ينشروها لا تحمل جديدا مهما، والسياسات التي يطرحونها تُمارس ضد المسلمين منذ قرون، ليس شيء جديد، ولو تدبرنا القرآن والسنة جيدا لما سقط المسلمون في فخاخ الغرب، كل ما يفعله الغرب سياسيا مع المسلمين حذرنا الله ورسوله منه، فالمشكلة هي في عدم استجابة المسلمين لاوامر الله ورسوله، وإلا لما ركنوا للكفار ….

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.