حين ظن الناس أن النظام قد سقط، تسابق الناس كلٌ يريد أن يحكم الناس بمنهجه، أما أصحاب المنهج الإسلامي فأرادوا أن يُحكِّموا الشريعة انقيادًا لأوامر رب العالمين. فيخرجون من عبودية البشر لعبودية الله وحده.

فجأة ظهرت أطروحات مثيرةٌ للجدل: يقولون أطعم الناس واقض على الفساد والفقر وانعدام الأمن ثم طبق الشريعة. هذا طرحٌ مثخنٌ بالجراح. فهم كمن يريدون مداواة المرضِ بسببه. وكمسلمين نؤمن أن الفقر والبطالة وانعدام الأمن كلها من نتائج تغييب الشريعة، قال تعالى:

“ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”

وفي حديث إذا تبايعتم بالعينة جاء في آخره “سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم” هذا هو الحل، أن نرجع لديننا أن نرجع لشريعتنـا

أنُصْلَحُ دنيانا بالقوانين الوضعية وآخرتنا بالشريعة؟!

إن كانت القوانين الوضعية المناقضة للشريعة تحل مشكلات الناس فما فائدة الشريعة إذن؟! فهل جاءت الشريعة إلا لصلاح الدنيا والآخرة. أليس منزل الشريعة سبحانه وتعالى هو الأعلم بما يحتاجه عباده في دنياهم؟!

“ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”

“يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا”

أي أنه تعالى أنزل الشريعة لعلمه بضعف الإنسان فأراد أن ينقذه من مشقة القوانين الوضعية والأهواء البشرية كما قال سبحانه وتعالى:

“وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ”

أي لأصابتكم المشقة في الدُنيا. هذا الخطاب موجه للصحابة أقوى الناس قلوبًا وأقلهم هوى، فما بالك بقوانين وضعية صاغها أناسٌ لا عن نقاء قلب وتقوى بل مصالح شخصية. أفنصلح دُنيا الناس بما يفسدهـا؟!

ما معنى القول بالتدرج في إقامة الشريعة؟

إن الذي يصل إلى سدة الحكم لا يصل إلى فراغ، بل يصل إلى منظومة كاملة من القوانين الوضعية، وهي قوانين مخالفة لشريعة الله تعالى، فالتدرج هنا لا معنى له سوى الحكم بما أنزل الله بنسبة مـا والنسبة الباقية حكمٌ بالقوانين الوضعية! فأين يذهب حينها من قول الله تعالى:

“وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ”

“وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”

“وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”

بعد أن وضحنا فساد هذه الأطروحات ومخالفتها لأمر الله عز وجل، نوضح بعض الإشكاليات التي قد يظنها البعض دليلًا على التدرج.

إشكاليات يظنها البعض دليلًا على التدرج

1-تقديم الأولويات في بيان الشريعة

قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن:

(إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب). الحديث صحيح رواه البخاري

الحديث إنما يعلمنا

1-أنك إذا أتيت أناسًا يجهلون شرائع الإسلام فإنك ترتب الأولويات في عرض هذه الشرائع عليهم، حتى لا تزدحم عليهم فلا يستطيعون تعلمها والعمل بها. فالصلاة أمر آني فوري يحتاجه أهل اليمن، أما الصيام فيمكن تأخير تعليمه وتعليم نواقضه إلى قبيل رمضان، وكذلك الحج.

2-كذلك نفهم من الحديث أن أهل اليمن بمجرد أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإنهم قد أعلنوا العبودية المطلقة لله، وأقروا وخضعوا لسيادة الشريعة. فهو ترتيب في تعليم فرائض الإسلام، لا تدرج في العبودية لله والخضوع لأحكامه.

فمن لحظة إعلان العبودية والخضوع المطلق بالشهادتين فقد أقيمت الشريعة.

3-قضيتنا الكبرى هي أن نبين للناس أنهم عباد لله وحده، لا تحرر لهم إلا إذا عبدوا الله وحده، وهذه العبودية لا تتحقق إلا بإقامة الشريعة بمفهومها الشامل، وأن قبول الاحتكام لغير الله شركٌ أكبر. وألا يُستدرج أصحاب المشروع الإسلامي للنقاشات الفرعية والدفاع عن الشريعة أو بيان بركتها. فهذا دين الله! إنه أجلُّ من أن يعرض على الرف مع غيره ويعدَّل فيه ليوافق أهواء الزبائن. والمعارضون لن يرضوا حتى نتبع ملتهم.

فلنلزم الحق حتى نكسب معية الله عز وجل.


2-شبهة أن عمر رضي الله عنه أوقف حد السرقة عام المجاعة

يظن الإخوة أن عمر رضي الله عنه عندما رأى الناس أصابهم الفقر والجوع فسرقوا لينقذوا حياتهم حكَّم عقله ونحَّى جزءًا من الشريعة جانبا لأن الظرف لا يسمح بتطبيق هذه الجزئية من الشريعة. وهذا فهمٌ خاطئ جدًا!

لإنه يلزم لتطبيق الحد أن تتوافر شروط تطبيقه وفي حد السرقة هذه هي الشروط

  • أن يكون أخذ الشيء على وجه الخِفْيَةِ،
  • وأن يكون المسروق مالا محترماً لا عينا محرمة،
  • وأن يبلغ المسروق النصاب
  • وأن يأخُذَ السارق ما سرقه من حرزه الذي يحفظ فيه عادة
  • وثُبُوتِ السرقة بشهادة عَدْلَيْنِ أو بإقرار السارق على نفسه مرتين
  • وأن يطالب المسروق منه بماله
  • وألا يكون للسارق شبهة في المال

إذا لم تتوفر هذه الشروط فلا يجوز للحاكم شرعًا أن يقطع يد السارق…

لنفترض أنه في عام المجاعة غلت الأطعمة  وسرق الفقير مضطرًا ما يبلغ النصاب، سرق طعامًا أو ثمن طعام يبلغ غرام الذهب. هنا الشريعة تمنع من إقامة الحد على هذا السارق لأن من شروط الحد ألا يكون له شبهة في المال، والسارق مضطر فهذه شبهة تمنع إقامة الحد بأمر الشريعة.

المسألة  أن الشريعة هي التي منعت عمر رضي الله عنه من إقامة الحد على السارق المضطر، فليس له إلا أن يذعن للشريعة، هذا حكم من داخل الشريعة، لا أن عمر عطل الشريعة وعمل برأيه.

فالحد لم يجب أصلا ليسقطه عمر أو يعطله فهذا ليس دليل على التدرج بل دليل على وقفٍ لحكم شرعي معين عملا بالشريعة؛ لأن شروط هذا الحكم الشرعية لم تتحقق.

الجهـل

من شروط العقوبة على العمل المحرم أن يعلم فاعله أنه محرم، فإعمال حكم لم تتحقق شروطه وترك الحكم المناسب للحالة هو أيضا تعطيل للشريعة، وعدم أخذ الاضطرار والإكراه والجهل بعين الاعتبار هو مخالفة للشريعة.

الآن وقد اتضح أنه لا يوجد تدرج في إقامة شريعة الله عز وجل، وأن هذا المفهوم يفسد معنى العبودية، نريد أن نعرف ما يفعل المسلم الصادق عندما يستلم الحكم.

مسؤوليات من يُوكل إليه الحكم

عندما يستلم المسلم الصادق الحكمَ في بلد ما  سيكون عليه كمٌ هائل من المسؤوليات؛ كمقاومة العدو الخارجي، وكبت المناوئين للشريعة من العلمانيين والمنافقين والعملاء. و القضاء على الفتن والتنازعات الداخلية. وبناء نظام اقتصادي إسلامي قوي وإبطال العقود المخالفة للشريعة ووقف تعاطي الربا. وتربية الجيش تربية إيمانية وتغيير قياداته الفاسدة وصناعة الأسلحة وإعداد العدة.

وتأسيس جهاز قضائي يحكم بالشريعة، وإطعام الجياع وتوفير العلاج ومنع الاحتكار والرشوة والغش وتوفير العمل للعاطلين، والقضاء على الخمر والمخدرات، وإيقاف الجرائم، وإقامة نظام العقوبات الإسلامي للمخالفين. ورد المُنتَهبات التي انتهبتها الطبقة الفاسدة إلى المجتمع. وإعادة صياغة المناهج التعليمية والإعلام صياغة إسلامية صحيحة. وتعليم الناس ما يلزمهم في دينهم ودنياهم،  وغير ذلك الكثير… هذا كله داخل في مصطلح إقامة الشريعة. ولا يستطيع أي نظام إسلامي أن يفعل ذلك كله دفعة واحدة.

سيجد العاملون للإسلام أنفسهم _لا محالة_ منشغلين بواجبات عن واجبات، لكن لا تثريب عليهم، قال تعالى:

“مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ”

وقال تعالى:

“فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتم”

فما المطلوب إذن؟! هذا ما نعرفه في المقال القادم فلا يفوتنكم.

المصادر:

أفكار هذا التقرير مستقاة مما جاء في بعض حلقات سلسلة نصرة للشريعة، د. إياد قنيبي

831

الكاتب

خديجة يوسف

كاتبة مهتمة بالشـأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.