من المعلوم من قديم الأزل أن الإنجاب هبة من الله. وذكر الله فى كتابه أمثلة على تمني الأنبياء وسائر المؤمنين للذُرية.

دعا إبراهيم عليه السلام ربه قائلًا (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) -الصافات-، وقال تعالى عن زكريا عليه السلام (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) -مريم-.

(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) -الفرقان-، وأمر الله تعالى شعيبًا عليه السلام أن يُذكرقومه أن يذكروا نعمة الله عليهم إذ جعلهم كثرة بعد قلة، فقال:(واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم) [الأعراف:86]

فقد ورد هذا المعنى في عدة أحاديث منها ما رواه النسائي وأبو داود والإمام أحمد بلفظ: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم. ومنها: تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة. وهو حديث صحيح رواه الشافعي عن ابن عمر. والأمثلة كثيرة جدًا فى ذلك الأمر فكما وضحنا أن الإسلام يرى في الذرية نعمة تستحق الشكر عليها.

والأمم الواعية ترى في الإنجاب قوة بالنسبة لها؛ فالفرد هو القوى الكامنة لأي مجتمع، ولكن قد قرر البعض أن يُحدث فى تلك الفطرة -أي حُب الذرية- خللًا فظهر ما أسموه “اليوجينيا”، فما المقصود به وما تاريخه؟

اليوجينيا “Eugenics”

هي كلمة مشتقة من لغة الإغريق بمعنى “الفرد الأصيل” وهو التطبيق الفعلي لتحسين النسل والعرق. ويتم هذا التحسين بإنتقاء مجموعة من الأفراد ممن يملكون صفات وراثية “مرغوبة” وتشجيعهم على الزواج من مثلهم بغية تكاثر تلك الصفات المرغوب فيها!

وقد جاءت فكرة اليوجينيا من البريطاني فرنسيس غالتون الذى أصاغ المصطلح عام 1883م فى مقالة له بعنوان “الموهبة الوراثية والطبع”.

وفي عام 1904م عرّف غالتون هذا العلم بأنه “دراسة العوامل التي يُستطاع أن تُراقب اجتماعيًا، ويمكنها أن ترفع الصفات العرقية للأجيال المقبلة أو تخفضها من الناحيتين: الجسمية والعقلية”. وفي العام نفسه بدأ غالتون بإلقاء محاضرات علمية عن تحسين النسل، وكانت غايته منها: منع تكاثر المعاقين (تحسين النسل السلبي)، وتنشيط تكاثر الأفضل في الجينات وذلك لتحسين العرق (تحسين النسل الإيجابي).

وبعد غالتون ظهر “تشارلز دافنبورت” و”هاري إتش لافلين” فأسسوا “Eugenics Record office” لجمع المعلومات عن المجتمع الأمريكي وتاريخ الإصابات بالأمراض وكان هدفهم آنذاك هو محو الصفات الغير مرغوب فيها “تحسين النسل السلبي”.

وقد تبنت الحكومة الأمريكية تلك الأفكار بل وبدأت بحملات تعقيم إجبارية لكل حاملي الصفات الغير مرغوب فيها ووصل عدد من أُجبروا لتلك العمليات إلى 64 ألف مواطن أمريكي، ولكن ما هي تحديدًا تلك الصفات الغير مرغوب بها؟

فى بداية الأمر كانت اليوجينيا تحدد أن الصفات الغير مرغوب فيها مقتصرة على” أصحاب الإعاقات والتشوهات”، ولكن ما لبث وتبدلت تلك السياسات حتي وصلت بإعتبار معدلات الذكاء والفقر من الصفات الغير مرغوب فيها! بل والمساجين وأصحاب الأمراض النفسية.

كانت تلك السياسات مدعومة من “أدولف هتلر” لأنه تبناها فى حربه ضد اليهود “فالعساكر كانوا في العهد النازي يقيسون حجم الرؤوس ويصدرون النظريات حول الشعوب المتخلفة عقليًا بزعمهم”، ولكن جاء العلم الحديث وأثبت خطأ تلك النظريات، بل الكلام عنها أصبح أضحوكة، وفي الأربعينات من القرن الماضي تم وقف تلك السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية.

الفرق بين التطور الطبيعي واليوجينا

ومن المهم أن نُفرق بين مبدأ التطور الطبيعي: الإنجاب، ومبدأ اليوجينيا: استبدال الإنجاب الطبيعي بإنجاب يعتمد على تحسين العرق والحد من النسل الذي يحمل صفات غير مرغوب فيها بهدف تنقية العرق والنسل.

فطبقًا لليوجينا هناك أفراد يستحقون أن ينجبوا أكثر من الآخرين. ولليوجينا جانبان؛ أحدهما إيجابي والآخر سلبي، فالإيجابي يحُث على تحسين النسل من خلال تشجيع من يمتلكون صفات وراثية مرغوبة، والسلبي من خلال منع “المنحطين بيولوجيًا” من الإنجاب بأكثر من طريقة سنستعرضها فيما بعد.

كان العمل بمنهج اليويجينا علنًا قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بسبب ارتباط اليوجينيا بمبدأ النازية الذي كان يشمل (التصفية العرقية والتجارب على البشر). ولكن بعد القرن العشرين عاد منهج اليوجينيا يُناقش علنًا مرة أخرى ولكن بصور مختلفة.

فمثلًا من يرى (تفوق الرجل الأبيض)، ومن يروج لتعميم قوانين لإجهاض الأطفال من خلال شن حملات إعلامية ضخمة عن حق المرأة في الإختيار. فصور اليوجينا موجودة بكثرة في العالم؛ فمثلًا “الجمعية الأمريكية لليوجينا” وتعرف باسم”جميعة دراسات البيولوجيا”. فاستُبدلت مفاهيم اليويجينا بمفاهيم أخرى لا تختلف كثيرًا عن المفاهيم الأصلية!

رؤية اليوجينيا

اليوجينيا عندما قرر الغرب أنّ بعض البشر لا يستحقون الحياة فأبادوهم 3

يرى “Alwayn Young” في مقاله “The gift of the dying” أن انتشار مرض كالإيدز الذي قضى على عدد كبير من السكان قد جعل جنوب أفريقيا أغنى بنسبة 5%؛ فنقص عدد السكان يعني توزيع الموارد على عدد أقل. وذكر الإقتصادي “Jeffrey sachs” في كتابه “Common Wealth” أن الزيادة السكانية قد جعلت المياه العذبة يذهب 70% منها لري المحاصيل لغذاء الإنسان.

وقد طالب “Hugh Lafollette” فى عام 1980م بإستخراج رخصة لمن يرغب في الإنجاب مثل رخصة القيادة ومزاولة بعض المهن كالطب والمحاماة، وعليه فإن عدم حمل تلك الرخصة قد يُعرض صاحبها لمخالفة القانون!

وأكد أن حمل “رخصة الإنجاب” يتطلب المرور بإمتحانات للتأكد من صلاحية الشخص واستعداده للإنجاب، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: من سيقوم بتحديد الأسئلة في الاختبارات، وما مدى صلاحيتها؟

تجربة الصين

أصدرت الصين سياسة من عام(1980-2016) بهدف تقليل معدلات الإنجاب لتصل لطفل واحد فقط، وتمييز الملتزمين بتلك السياسة بدعم مادى وفرض غرامات وعقوبات على المخالفين قد تصل إلى الإجهاض الإجبارى! ثم تبدلت تلك السياسة من طفل واحد إلى طفلين بسبب تفوق الذكور على الإناث بنحو 33 مليون ذكر!

تجربة الهند

“Indira Gandhi”رئيسة وزراء الهند 1966-1984 التى أصدرت سياسات لإجبار الرجال على عملية التعقيم الجبرى للحد من زيادة النسل. وفى خلال عام واحد قد تم تعقيم 8 مليون هندي! وبعد أن تم الوقف العمل بتلك السياسة أصبحت دولة الهند الآن تعتبر ثاني أكبر دول العالم ويحتل الإقتصاد الهندي المركز العاشر عالميًا!

Thanos is right

في أبريل 2019م أُصدر فيلم “ِAvengers Infinity War”، وفكرة الفيلم تقوم على شخصية “Thanos” الذي قام بجمع ستة أحجار تمتلك طاقة معينة بهدف القضاء على نصف الكوكب!

والغريب في الأمر أن بعد عرض الفيلم قد ظهرت جماعات من المؤيدين لتلك النظرية باسم “Thanos is right” فقد رأى العديد أن القضاء على نصف الكوكب هو الحل للقضاء على المشاكل الاقتصادية مثل الفقر والمجاعات؛ فمساحة الأرض لا تزيد والسكان يزيدون فما المانع إذا تخلصنا من نصف سكان الكوكب لينعم النصف الآخر بالموارد ورغد العيش! فإذا كان عدد سكان الدولة أقل فستُقسم الموارد على عدد أقل من البشر الحاملين لصفات مرغوب فيها.

أفلاطون وجمهوريته

ومن ثم فمن أخذت اليوجينا بداية من قبل أن تُسمى علمًا في عصر “أفلاطون” كان على رأس جمهوريته المعروفة فلاسفة يتمتعون بالصحة والذكاء يشغلون المناصب العُليا، أما قليلو الذكاء يشغلون المواقع  الدُنيا.

وكان لدى حُكام جمهوريته المسؤولية على تزويج أصحاب القدرات العالية من الذكاء ببعضهم البعض للإنجاب، وتنشيط تلك الصفات المرغوب فيها ومن ثم تحسين النسل الإيجابي.

مصر وقضية الحد من الإنجاب

اليوجينيا عندما قرر الغرب أنّ بعض البشر لا يستحقون الحياة فأبادوهم 5

بعد أن نجح الغرب في جعل نمط الحياة الأمريكي والأوروبي حُلم للشعوب العربية في أكثر من نواحي في الحياه؛ منها “قضية الحد من الإنجاب”. بدأ الأمر من عنما تبني “ً”Wendell Cleland الأمريكي المقيم فى مصر كتابًا يناقش فيه المشكلة السكانية فى مصر الكتاب صدر عام 1936 بعنوان “The population problem in Egypt”.

وتناول في الكتاب طرق لتحديد النسل والتعقيم لتقليص الزيادة السكانية ومن وجهة نظر “كليلاند” أن إنجاب الفقراء والفلاحين بلا قيود؛ فهم بحسب رأيه “أناسًا نصف أحياء يفتقرون إلى الحماس”، ويعانون من سوء التغذية وأنهكتهم الأمراض المجهدة كالبلهارسيا والانكلستوما التي “استنزفت حيوية الطبقات العاملة”.

وعاد الموضوع ذاته للنقاش بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فظهر “برنامج تنظيم الأسرة القومية” وقد ألقى عبد الناصر بالأزهر عام 1954 كلمته:” لقد كانت أكبر مصائبنا في العهد الماضي أننا نعيش على موارد محدودة لا تزيد، فكنا أشبه شيء بأسرة يتزايد عدد أعضائها ويبقى دخلها ثابتًا لا ينمو، وقد أهملت حكومات العهد الماضي مشروعات الإنتاج عن جهل وعن عمد”.

وفي عهد مبارك قامت الحكومة المصرية بحملة بعنوان “الراجل مش بس بكلمته.. الراجل برعايته لبيته وأسرته” للحث أيضًا على تحديد النسل. وقد تحدث السيسي عن نفس الأمر فى مؤتمر الشباب عام 2017م وأكد أن “أكبر خطرين يواجهون مصر هما: الإرهاب والزيادة السكانية”، نظرًا أن الزيادة السكانية تقلل من فرص مصر إلى السير للأمام!

وقد دشنت الحكومة المصرية مؤخرًا حملة إعلامية بعنوان “عيّلين كفاية” ظهر بها كالعادة رجل يغنّي بلهجة سكان جنوب مصر يحثُ الناس بطريقة “فكاهية جدًا” على الإكتفاء بطفلين فقط.

تناقد الغرب

وفى خِضم دعوات الغرب للعالم العربي إلى تحديد النسل وإستجابة الأنظمة العربية لتلك الدعوات، تتجه العديد من الحكومات الغربية إلى تشجيع شعوبها على الإنجاب.

  • روسيا مثلًا يبلغ عدد سكانها 147 مليون نسمة تُشجع المواطنين الروس على زيادة الإنجاب وحددت الحكومة الروسية يوم 12 سبتمبر من كل عام “يومًا وطنيًا للأزواج” ومن يُولد بعد ذلك التاريخ يُطلق عليه ” المولود الوطني” إضافة للجوافز المُقدمة من الحكومة كالفوز بالمال أو بسيارة.
  • ألمانيا التي يبلغ  عدد سكانها أكثر من82 مليون نسمة تُشجع النساء على الإنجاب عن طريق الحوافز والأجازات للنساء العاملات.
  • اليابان التى يبلغ عدد سكانها 128 مليون نسمة، قد وضعت الحكومة خطة لزيادة السكان عن طريق دعم الشباب بما يتعلق بالتوظيف لتهيئتهم ماديًا للزواج ومن ثم الإنجاب.
  • وفى كوريا الجنوبية بدأت السياسة منذ عام 2005م لتحفيز المواطنين على الإنجاب بما يشمل الدعم التعليمي والأولوية لشراء شقة سكنية.
  • إيطاليا وشعار “الأرض مقابل الأطفال”.
  • شجعت الحكومة الإيطالية شعبها على الإنجاب بإعطائهم قطعة أرضية عند إنجاب طفل جديد.

خاتمة

إن فكرة اليوجينا قد بدأت من الغرب عندما قرروا أن بعض البشر لا يستحقون الحياه فقرروا إبادتهم بشتي الطرق”القتل على اساس العرق”، “التجارب على البشر”، “التعقيم الإجبارى”، أو حتى”الحملات لشن قوانين تؤكد حرية المرأة للإجهاض وقتما تشاء”.

أو بأساليب نفسية أخرى. ورغم أن اليوجينا منهج متطرف في أفكاره فما زال حتى الآن يُناقش بكل وضوح أو أساليب مُستترة أحيانًا، بل هناك أقسام فى جامعات تدرس اليوجينا! وبدلًا من اعتبار أفراد المجتمع كقوى بناءةً أو تفعيل مبدأ العدالة الإجتماعية انقلبت الآية وظهر الفساد في البر والبحر!

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء70)

153

الكاتب

الزهراء محمد

خريجة، مهتمة بوعى الأمة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.