كثرت الدعاوى في الفترة الأخيرة التي تخرج من بعض أبواق السلطة من علماء السلاطين بحرمة الخروج على “أولياء أمور المسلمين”، وتظهر هذه الدعاوى كرد فعل بعد كل حركة في الأمة، أو ثورة تدعو لإسقاط تلك الأنظمة المستبدة، وهم -أي علماء السلاطين- باعتبارهم حكامنا ولاة أمور، تجب طاعتهم.

قد شوهوا مفهوم الطاعة عند المسلمين؛ فمفهوم طاعة ولي أمر المسلمين لم يرتبط بذات ولي الأمر وشخصه، ولم تكسبه مهابةً تجعله فوق سائر البشر، ولم تمنحه حصانة تجعله فوق التشريعات والنظم، ولم تمكنه من الاستبداد بالأمر دون المسلمين، ولم يكتسبها لكونه مصدر القوة والسلطان والنفوذ، أو لكونه ملكًا أو جبارًا، أو لكونه ظل الله في الأرض!

وإنما الطاعة استحقاق شرعي ممنوح من قبل الأمة للخليفة بعقد البيعة، يتمكن الخليفة بموجبها من التصرف العام على المسلمين في حدود ما يمكنه من حراسة الدين وإقامته، وسياسة الدنيا به. فطاعة خليفة المسلمين أو ولي أمرهم حكم شرعي يجب فهمه في إطاره الشرعي؛ فلذلك وجب توضيح هذه الدعوى وتفنيدها والرد عليها.

تمهيد

لكي نخرج من أغلب الإشكالات التي من هذا القبيل، يجب علينا فعل أمران؛ الأول: هو معرفة الواقع معرفة دقيقة قبل إنزال الحكم الشرعي عليه، والثاني: هو أن نجمع كل النصوص التي جاءت في المسألة، ونفهمها فهمًا جيدًا، ثم ننزلها على الواقع.

المسألة الأولى: من هو ولي الأمر الذي تجب طاعته؟

وهي من أهم المسائل في هذا البحث؛ إذ عليها يُبنى بقيته، فإذا جئنا لمدلول هذا المصطلح الشرعي، نجد أن من أهم الواجبات التي يجب على ولي الأمر التقيد بها: هي العمل بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال -عز وجل-:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).

فقد جعل الله طاعته وطاعة نبيه مقدمةً على طاعة أولي الأمر، وفي هذا تقييد لطاعة أولي الأمر؛ فهي تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله، ومُحددة باتباعهم منهج الله ورسوله، وهذا ما أوضحه أبو بكرٍ الصدِّيق -رضي الله عنه- في أول خطبة له بعد توليه الخلافة؛ فقد قال:” أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.

ولعل تعريف الإمام الماوردي يدعم هذا الرأي؛ فقد قال في الأحكام السلطانية:” فإن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيمًا خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة؛ ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع”، ثم يقول :” الإمامة:  موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”.

ويقول ابن خلدون في المقدمة:

الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا

إذًا فمن أهم ما يقوم به ولي الأمر: هو إقامة دين الله وتطبيق أحكامه.

هل طاعتهم واجبة؟

وبناءً على ما ورد، يتبين أن الأحاديث التي يسوقها ويرددها علماء السلاطين في وجوب طاعة ولاة الأمور مثل هذا الحديث:” من كره من أميره شيئًا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية.”(أخرجه البخاري).

وغيره الكثير من الأحاديث التي لا تنطبق على حكام المسلمين اليوم؛ لأنهم لا يقيمون شرع الله، ولا يطبقون أحكام الشريعة الإسلامية كاملة في بلادهم، بل على العكس من ذلك تمامًا؛ فالدساتير الوضعية في بلادنا لا تأخذ من الشريعة الإسلامية إلا بعض الأحكام الشخصية كأحكام الميراث والزواج وغيرها، أما الأحكام التي تتعلق بالسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والعقوبات فلا وجود لها، ويحل محلها قوانين مستوردة من الغرب تناقض الشريعة الإسلامية.

فكيف يدعوا أولئك العلماء لطاعة مخلوق في معصية الخالق؟!

المسألة الثانية : هل اخترنا حكامنا؟

لا تخرجوا على حكامكم! 3

الخلافة -كما أي عقد-: فهي عقد مرضاة واختيار بين طرفين؛ هما: الأمة من جهة، ومن يتقدم للخلافة من جهة أخرى. وصيغة هذا العقد أن يَحكُم الأمة بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

إذًا يُشترط شرطان لمن يريد أن يتولى أمر المسلمين؛ أولهما: أن يأتي هذا الحاكم عن رضا الناس أو رضا من ينوبون عنهم من أهل الحل والعقد، وثانيهما: أن يحكُم  بكتاب الله وسنة رسوله. فإذا اختل أي من الشرطين لم تنعقد الخلافة.

ومنذ أن سقطت الخلافة إلى يومنا والأمة لم تنتخب حاكمًا، والحاكم الذي انتخب في بعض البلدان لم يكن يمثل دين وعقيدة الأمة الإسلامية، ولم يقم دين الله في أرضه، وبهذا أيضًا تسقط تلك الدعوى التي تعتبر حكامنا أولياء أمور.

لكن بقيت مسألة فقد يقول قائل أن أولياء أمورنا مغتصبون للسلطة جاؤوا بالتغلب، فنقول: إن من يغتصب السلطة فقد أخل بأحد الشرطين آنفي الذكر؛ وهو البيعة عن رضا واختيار الأمة أو من ينوب عنها، إلا أنه يطبق أحكام الإسلام على المسلمين.

ولذلك وجد له بعض الفقهاء مخرجًا شرعيًا كأي مغتصبٍ لسلعة، وقالوا إذا استطاع أن يقنع الأمة بأن مصلحة المسلمين في بيعته، وأن إقامة أحكام الشرع تحتم بيعته، واقتنعت الأمة بذلك، وبايعته فإنه يصبح بذلك خليفة تجب طاعته.

فهل حكامنا مغتصبون للسلطة؟

وبهذا نقول أن حكامنا ليسوا حتى مغتصبين للسلطة أتوا بالتغلب لكنهم يحكمون بالإسلام، إنما قد لا يكون لهم مسمى عند الفقهاء حتى، وبذلك يسقط الاستدلال بأن حكامنا أولياء أمورٍ أو حتى مغتصبين للسلطة.

وكيف يصح بالعقل أو بالنقل أن نسوي بين حكام صانوا الأرض والعرض وحكموا بالإسلام -ولو جاروا وظلموا-، وبين حكام هم مطايا للغرب صُنعوا على يده، وباعوا الأرض والعرض، ورموا الشريعة الإسلامية وراءهم ظهريًا، ولا يدّخرون فرصة في قتل شعوبهم وسرقة ثرواتهم!

خلاصة

وبناءً على ما تقدم يتبين أن دعوى أولئك العلماء باطلة، ولا أساس لها من الصحة. ويتبين أن حكامنا ليسوا ولاة أمور تجب طاعتهم، وبالتالي لا تنطبق عليهم الأحاديث النبوية التي تدعو لعدم الخروج على الحاكم، والصبر على ظلمه، ولو جلد ظهرك وأخذ مالك.

ذلك لأن حكامنا بالأصل ليسوا ولاة أمورٍ بالمعنى الشرعي، وعليه فلا يبحث موضوع الخروج على الحاكم -بالمعنى الوارد في الأحاديث- من الأصل، بل يُبحث كيف نقيم دولة الإسلام، وكيف نحول دولنا إلى دولٍ إسلامية بالطريقة الشرعية؟

وهذا ما سنبحثه في مقالاتٍ قادمة -إن قُدِّر لنا ذلك-.

555

الكاتب

إبراهيم جرادات

حامل دعوة ، طالب للعلم الشرعي ، أدرس الهندسة المدنية .

التعليقات

  • اسماعيل منذ سنة واحدة

    جزاك الله خيرا

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.