قد تكون لديك الهمة، وأتقنت الفكرة وقرأت الوصايا الفّذة ولكنك عند التطبيق، ترتبكين وتشعرين أنك في مهمة صعبة، فكيف ستفعلين إن لم يكن لديك قدوة أو مثالا عليه تقيسي

كوني أنت القدوة

أقول: كوني أنت القدوة وسطري لنفسك برنامجا، تشعلين فيه طاقاتك القصوى، سأحاول أن أخرج من ساحة التنظير بضرب مثال عملي واقعي، ولكل امرأة بحسب مسؤولياتها وعمرها .
والبداية سأخصصها للفتيات اللاتي لا زلن طالبات في مقاعد الدراسة، فهن زهرات هذه الأمة، والبقية تأتي تباعا.
فتأملي معي أيتها الفتاة الطالبة صباحا مشرقا بذكر الله والصلاة، أديت فيه أول ركن من برنامج السعداء، ثم أقبلت بنفسك المؤمنة ليومك المحسوب عليك بلا شك، لديك وقت طويل قبل الجلوس على مقعدك، لهذا فأنت في الطريق تفكرين في أهم ما عليك إنجازه اليوم، وكم سيكون رائعا لو أنك حملت معك كتابا تقرأين فيه عند كل وقفة وقت ضائع.

صحبة الكتاب

إن صحبة الكتاب للطالبة خصلة سامية، تورثها العلم والحكمة، ولهذا اجعلي لديك سلسلة من الكتب تقرأينها تباعا، في الفقه في التاريخ وفي العلوم المفيدة، كلما أنهيت كتابا منها انطلقت في الآخر، ولا تنسي تقييد الفوائد في كناشة خاصة بها، ترجعين لها لتحصيل اللّب وتلخيص الأهم.

امتحان الأخلاق

في المدرسة أو الجامعة أنت هناك في امتحان الأخلاق، بأدبك في الكلام، وتمسكك بسنن الإسلام، فالسلام إفشاء، والشكر انتهاء، وحسن الانصات سمت النجباء، وغض البصر عفة وحياء، وترك ما لا يعنيك من حسن الدين، والترفع عن مجالس الغيبة والنميمة من آثار الخشية ولا تنسي برّ المعلم وبرّ الصديقة وبرّ الشيخ الكبير والعطف على الطفل الصغير!.
لابد أن يكون في برنامجك اليومي صدقة، ولتختلف أشكالها، لست مطالبة بأخراج مال ! بل قد تكون شربة ماء، إن العقلاء الذين يتقنون فن الصدقات برعوا في احتساب الأنفاس في سبيل الله، فكانوا عباقرة الاحتساب، وهذا الفرق بين الذين يبصرون الدنيا بعيون سمت فوق مادية الأرض وآخرون كبّلتهم المفاهيم الدنيوية فقبعوا في قعر أفكارهم لا يرتقون ولا تسموا معهم ألوان العطاء الفذ.
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ).

الاطلاع على أخبار المسلمين

كوني ذات مسؤولية، حاولي أن يكون لك جلسة لمطالعة الأخبار ، فإن الاهتمام بأمور المسلمين من أولى الأوليات في زمان الاستضعاف، اقرأئي التقارير الوافية والتحليلات الملائمة، انتقي لنفسك المواقع الموثوقة وإياك ما حط من الفهم.
أنت مطالبة بأن يكون لك موطأ قدم في مسيرة هذه الأمة، وإن البداية تكون بالإحاطة بأخبارها، والعناية بجديدها وبلورة الفهم السليم لأمراضها وتشخيصها، ثم الدراية التامة بسبل علاجها والمساهمة في نصرها.
أنت برفع درجة وعيك، ستكونين قد أدركت الطريق، والبقية صدق وإخلاص وتفاني في البذل حتى يستعملك الله وحينها ستدركين الفضل!

آتي كل ذي حق حقه

يومك فيه لقاءات مع الوالدين والإخوة والأقارب والجيران والأصدقاء، فآتي كل ذي حق حقه، اجعل عنوانك ابتسامة المحبة وكلماتك سعادة لمن يسمع. لا يفوتك الثناء على من يستحق والنصح لمن قصّر ولكن بحكمة وحلم.
خلال يومك الطويل، ارمقي السماء من حين لحين، هناك موعد سيكون حتما، تلقين فيه ربّك العظيم، فاجعلي هذه اللحظات التي تسترقين فيها النظر لتلك السماء فوق، لحظة بثّ وشوق، تدعين ربّك تضرعا وخفية، لا يعلم عن حالك إلا هو، تنظرين للسماء في وقت ينشغل كل من حولك بالأرض، وأنت عيناك هناك ترجو رحمة الله وعونه ونصره، إنها التذكرة لك بأن وجودك في الأرض مجرد مسألة وقت، وامتحان جدّ فجدي أيتها الدرّة.

عبادة التفكر

إن عبادة التفكر عبادة عظيمة لا يمكنني الغوص في روعتها في هذا المقام ولكن المتفكرين أناس قد حازوا لذة الإيمان مضاعفة، ذلك أن ذواتهم متصلة بخالقهم في كل حين، فلا يفوتنك هذا التفكر، فإنه وصال متين لنفسك المثقلة بالأمانات!
أمانة العبادة لله وحده لا شريك له، أمانة الإسلام، أمانة أمة الإسلام! فهل عرفت حجم أماناتك؟! لتكوني على قدر المسؤولية!
إن حلّ الضحى، فلا خير من ركعتين بخشوع مهيب!
وإن أنهيت هذا الوطر، فخياراتك كثر!
أعطي جسدك وجبة نيّتك فيها التزود لعبادة الله والشكر والحمد بقلب داع.

مهامك في البيت

اجعلي وجودك في البيت يعكس همة النحلة، تسابقين في الخدمة ولا تعجزين عن تلبية طلبات من حولك.
قد جعل الله القرار للنساء في البيوت لحكمة عظيمة، فإن لم يكن لديك اضطرار للخروج، فاسكني بيتك واحتسبيها استجابة لأمر الله جلّ في علاه، وانظري في حاجتك، هل هي استراحة محارب فتهجعين أم هي فرصة مسابق فتعملين؟ وتنشغلي بعمل مفيد سيكون لنا فيه حديث في سطور مقبلة هذا إن كنت أوفيت حقّ الدراسة وأنهيت فروضك فيها!.
صلواتك مواعيد ثابتة لا تقبل التسويف أو التهوين، أنت فيها على موعد مع لقاء عظيم، تجهزي لها كأنها صلاة مودع، ولا تصرفنك عنها مشاغل دنيّة.

توسيع المدارك

احرصي على توسيع مداركك في هذه المرحلة من العمر بكثرة الاطلاع والقراءة والمشاهدة المفيدة، واستعيني في ذلك بصحبة طيبة أو نصيحة عالم في ذات العلم.
قد يزدحم يومك ولكن لا خير من ترتيب الأولويات ، الأولى فالأولى وما لم تدركيه اليوم تدركيه غدا إن أحسنت النظم واجعلي لأذكار الصباح والمساء الوقت الثابت الذي لا تتنازلي عنه أبدا.

تأهبي للمستجدات

هناك زيارات غير متوقعة أو حالات ابتلاء أو استجابة غير منتظرة، فكوني متأهبة لكسب الأجر، قدر استطاعتك، والله لا يضيع أجر المحسنين ولا يكلف نفسا إلا وسعها.

وقت الاستدراك

ها قد حلّ الليل وحان وقت الاستدراك لما بقي من برنامجك اليوم، فقفي وقفة محاسبة مع نفسك، كيف كان أداؤك، هل قصّرت أم وفيّت، هل بقي ما لابد أن تقومي به، قد يكون فاتك ورد القرآن، فإياك أن تغمض لك عين حتى تقرأي من كتاب الله ما يرسّخ يقينك ويصدّع قسوة قد تكون فيك!
لا يهم كم آية تلوت ! بل الأهم كم حجم الخشوع والإدراك الذي شعرت!
صلّ وِترك بحنين ورجاء واسألي الله العون في الحياة، ورضاه عند اللقاء، ثم أقبلي على أذكارك التي لاتفارقك كالدرع، وأسلمي الروح لبارئها لستجد عند عرشه العظيم، وتنعمي بنسمات الإيمان.

لاشك أن الأيام لا تتشابه كلها ولكنها تتقارب في جلها، وإن حلّت عليك أيام العطل فاجعليها خاصة ومختلفة، اجمعي فيها ما لديك من تراكمات وسابقي الوقت لتجني أكبر قدر من الحسنات وتحصيل أكثر العلوم والمعارف منفعة لك، فأنت تبنين نفسك وتساهمين في بناء أمتك وتستحقين بذلك التقدير أيتها الطالبة العزيزة بإسلامها.

122

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ستة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.