جَمع النبي درجات الكمال الإنساني، فصار سيد ولد آدم، وسيد المرسلين، والأولين والآخرين.. ووصل إلى مستوًى سامٍ لن يصل إليه أحد بعده، ولكن إذا كان هذا هو حال النبي الكريم فكيف يكون هو موطن القدوة والمثال، بينما لن يقدر أحد أن يصل إلى ما وصل إليه ؟

لن يطيق قلب بشر أن يقترب من مستوى النبي أو يضاهيه، وموطن القدوة والمثال: هو أن يقوم المجتمع بمجموعه بخصال وسنن النبي فتكون سيرته وأخلاقه هي التي تجمع المجتمع المسلم، وتشده من جميع أطرافه إلى “النموذج النبوي الشريف” الذي شرّف البشرية كلها، وحتى يكون المجتمع المسلم على سيرة النبي  ويمضي يلتمس أنوار النبوة في طريقه.. لا بد وأن يضيء من كل هذه الأنوار طريقه في:

  • الجهاد في سبيل الله.. خالصًا لله، وابتغاءَ وجهه الكريم.
  • السياسة الشرعية للأمة.. بما يحقق الحق والعدل الرباني فيها، والخروج من أي حظ أو مغنم منها.
  • حمل رسالة الله إلى العالمين.. وفتح البلاد والعباد نحو جنة عرضها السموات والأرض، دون انتظار جزاء ولا شكور.
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. في كل الأرض، وكبح جماح الشر أينما وجد.
  • الحرص على الأمة المسلمة.. وعلى الناس، بما ينفعهم في دينهم، ودنياهم.
  • شيوع الأخلاق الربانية.. التي تصبغ المجتمع بصبغتها.
  • كفاية الأمة من البطولات وأصحاب السبق في كل مجال، بحيث يأخذون الأمة إلى آفاق بعيدة في كل مجال.
  • الدعوة إلى الله.. عن علم وفهم وبصيرة، دعوة تُعرّف الناس دينهم، وتحبب إليهم الإيمان، وتزينه في قلوبهم.

ولقد اجتمعت هذه الأنوار المتلألة في مقام النبي وحازها جميعها. بل ويزيد مما لا نعلمه، ومما يعجز التعبير عنه في علاقة الحب والقرب والشوق بينه وبين الله ﷻ..

وحتى يكون المجتمع المسلم على هَديِ النبي ويسير بحق في أنوار النبوة الشريفة: عليه أن يجمع بين أشعة هذه الأنوار دون أن “يطغى” جانب على آخر، أو يهتم بجانب، ويُهمل الآخر، فلا بد أن يسير في هذه الأنوار بصورة: شاملة، متوازنة، متكاملة، ربانية، مثالية.. تجتهد في التطلع إلى الصورة النبوية، ولا تمل من الجهد والمسير نحو هذا الأفق العالي الوضيء.

فلا بد للمجتمع المسلم من جهاد، كما لا بد له من سياسة شرعية، كما لا بد له من دعوة… إلخ.

الدعوة

وموضوع هذا المقال هو “الدعوة” واخترت عنوانه “علم الدعوة” لنؤكد على حقيقة كون الدعوة-أياً كانت-هي “علم و فن” في حد ذاتها، بغض النظر عن موضوع الدعوة.. فإذا كان موضوع الدعوة هو “إلى الله” فلا بد لهذه الدعوة أن تجمع بين أمرين:

  1. العلم والفن الخاص بها
  2. البصيرة بموضوع الدعوة، وحقائقه.

قد يعطي الله البعض الشجاعة والإقدام والحسم، فيحسب أن الطريق وحده هو القتال في سبيل الله.

وقد يعطي الله البعض الكياسة والحكمة والدهاء، فيحسب أن الطريق وحده هو السياسة الشرعية.

وقد يعطي الله البعض حسن الخلق، ولين الطباع، فيحسب أن الطريق وحده هو التربية ورقي الأخلاق.

وقد يعطي الله البعض فنون الدعوة، والإقناع، وفهم الناس، فيحسب أن الطريق وحده هو الدعوة.

منشأ الخطأ

ينشأ هذا الظن الخاطئ عندما يحسب المسلم أن ما أعطاه الله له من خصائص ونِعم، هي عند كل غيره! وأن الآخرين مثله تمامًا، أو أن على الآخرين أن يكونوا على ذات صورة “التطابق” النفسي والفكري لديه..

والحقيقة لا.. لقد خلق الله الناس مختلفين، وأعطى كل منهم طاقات مختلفة من الاستعدادت والطاقات.. ليبتليهم بها، وليبتلي الناس بها..

يقع الخلل والانحراف في المجتمع عندما يجتمع مع هذا “الظن” التعصب والحمية والحسد والبغضاء.. فيؤدي ذلك ليس إلى “استثمار” الطاقات المختلفة لتحقيق الصورة المثالية المطلوبة.. بل “استغلالها” لتدمير الطاقات المختلفة عن صورة التطابق النفسي، فيؤدي ذلك إلى حَلق الدين.. كما قال رسول الله:

دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَوْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ” [مسند الإمام أحمد/1375]

والصورة الصحيحة هي: البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضًا، و تؤدي كل لبنة فيه دورها.. دون تكلف، ولا عنت، ولا مشقة.. وتتكامل أنواره كلها لتستقيم على نور الهديِ النبوي.. كما قال الرسول: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” [صحيح مسلم/2587]

*   *   *

فما هو علم الدعوة؟ وكيف ندعو الناس؟ وكيف نضع البرامج الدعوية المناسبة للناس؟ وما هي الصورة المطلوبة للداعية؟

علم الدعوة:

هو العلم المختص بفنون التأثير والإقناع، والدخول النفسي والفكري والقلبي على الناس.. عن بصيرة بواقع الناس، ولغتهم، وأفكارهم، وطرق معيشتهم، وتاريخ نشأتهم، وخصوصية مكانهم، وطبيعة زمانهم.

وموضوع الدعوة في الإسلام:

هو دعوة الناس إلى توحيد الله وحده لا شريك له، والاستسلام له بالطاعة، والخضوع، والاتباع، والرضى.

وكيف ندعو الناس؟

ندعو الناس استنادًا إلى الرؤية الواقعية، والتحليل النفسي والاجتماعي.. الذي يوفر معلومات دقيقة، تحدد “أسلوب” الدعوة، ولغة الخطاب، وأولويات الموضوع، وأدوات الدعوة.. فليس صحيحًا أن الدعوة مجرد “سرد” بعض المعلومات للمُتلقي، وبذلك تكون تمت الدعوة! كــلا.. قد تكون الدعوة بسمة بوجه طلق، تقول ما تعجز عنه آلاف الأحرف والكلمات، قد تكون حسن خلق واقعه أثقل من أي كلام، قد تكون مخالطة الناس محافظًا على صورة المسلم الرباني دون الحديث في شيء.. أبلغ دعوة!

وكيف نضع البرامج الدعوية المناسبة للناس؟

تُرسم أولاً الخطة الإعلامية استنادًا للأدوات المتاحة، ثم تُرسم الخطة “المستقبلية” الإستراتيجية، التي تكون قيد التطوير، فكل خطة مستمرة وطويلة كمثل موضوع الدعوة.. ينطلق فيه الإنسان بما لديه من إمكانات وأدوات.. ولا يتوقف فيها بحجة قلة الإمكانات، ولكن في ذات الوقت.. تكون الآفاق الفكرية والتصور الدعوي بعيد المدى، ويطمح إلى الرقي بلا توقف، واستحداث الأدوات المناسبة، والفاعلة التي تستطيع أن تلمس واقع الناس، ولا تتخلّف عنهم.

وإن وضع الخطط الدعوية-وكل خطة-لا بد وأن يشترك فيها جمع من العلماء والفقهاء والمفكرين والإعلاميين والاجتماعيين والنفسيين والإداريين.. حتى تكون خطة الدعوة متكاملة، ودائمة، ومستمرة، ومتجددة.

وما هي الصورة المطلوبة للداعية؟

الداعية لا بد وأن يكون شخصية محبوبة للناس، وقريبة من الناس، وتتكلم بلغة الناس، ولا ينكرها الناس في ملبسها ومأكلها وطريقة حياتها.. وهي شخصية غير شخصية المفكر، أو الخطيب أو السياسي أو المقاتل.. هي شخصية هينة لينة قريبة سهلة، يستريح الناس لها وعندها، وتجمع بين البساطة في المقال واللغة، وبين العمق والدقة في الوعي والفهم..

  • إن المفكر قد يضع النظريات والخطط والأفكار، لكن لا يطيق الناس له حديثًا فلا يفهمون منه شيئًا.
  • وإن الخطيب قد يزلزل المنبر بخطبة عصماء، لكن سرعان ما يغيب تأثيرها عن الناس.
  • وإن السياسي قد يجيد مخاطبة حاجات الناس ومعاشها، لكن لا يستطيع أن يقنع الناس بغير ذلك.
  • وإن الفقيه قد يجيد التحقيق الموسوعي للمسائل الفقهية، لكنه لا يستطيع أن يستوعب لغة الناس وطرق التأثير فيهم.
  • وإن المقاتل قد يثخن في أعداء الله، ويضرب منهم كل بنان، ولكن لا يستطيع أن يجذب الناس أو يُحسن فهمهم.

وعندما نضع الأمور في غير نصابها.. فنضع المفكر أو السياسي أو المقاتل في موضع ومكان ليس بمكانه.. يقع المحظور، فتنفر منه الناس، ويسخط هو على الناس.. فيتهمه الناس بما شاءوا من تهم، ويتهم هو الناس بأنْ لا أمل فيهم، ولا يصلحهم شيء أو لا يصلحهم إلا السيف !

وإنني-على المستوى الشخصي-قد أعرف خطاب الدعوة المناسب، وأسلوبه وطريقته-بعد دراسة البيئة-لكنني قد لا أحسن عرضه وتقديمه للناس، أو لا أملك القدرة على التواصل، أو لا يقبله الناس مني، في حين يقبلون من غيري – المؤهل – رغم أن مضمون الخطاب واحد.

أما الداعية:

فهو الذي يُجيد “تسويق” رسالته، و”تشبيع” المجتمع بها، و”يلمس” الأوتار الحساسة لدى الناس.. ثم هو في ذات الوقت على بصيرة بأحوال الناس النفسية، وبواعثهم، وطرق تفكيرهم، فيستبق الإجابة على ما يدور في أذهانهم، وما يختلج في صدورهم، ويزيل كل شبهة، وينظف كل لوثة من لوثات الجاهلية.


  • يتبع.. نستعرض في الجزء الثاني الصورة العملية التي يجب أن يكون عليها الداعية في المناطق التي تُحرر من رجس الطغاة والطواغيت 

500

الكاتب

أحمد طه

كاتب ومهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.