من المشاهد المتكررة في البيئات المتدنية ثقافيًا، لجوء أفرادها للدجالين للتخلص من أعمال سحرية شريرة تفسد حيواتهم. وسوف تجد في مثل هذه البيئات شخصيات نمطية إلى درجة الملل، مثل الفتاة التي لم يأذن الله بعد لها بالزواج، والأم التي يعاني أبنها من انهيار زواجه بسبب خلافاته المستمرة مع زوجته. وفي معظم الأحوال، يلجأ هؤلاء الأفراد إلى الدجال، الذي يقنعهم على الفور بأن وراء مشاكلهم من قام بعمل سحري سفلي، ثم يوهم ضحاياه بقدرته على أن يخلصهم من هذا العمل الشرير، ليبدأ مسلسل ابتزاز أموالهم في مقابل إزالته لهذا العمل الشرير وحمايتهم ممن قام بهذا العمل.

وراء هذه المشاهد المتكررة، نمط رتيب يمكن أن نسميه الثالوث المدنس، الضلع الأول في هذا الثالوث الضحية الذي يعاني من مشاكل حياتية، والضلع الثاني الدجال الذي يقنع الضحية أن مشاكله مصدرها خارجي، وبقدرته على حل هذه المشاكل مستخدمًا أدوات سحرية غامضة، والضلع الثالث، وهو لاعب وهمي وخفي يمثل مصدرًا خارجيًا للتهديد، وهو الساحر الذي قام بالعمل السفلي الشرير.

التحليل النفسي لظاهرة استغلال الدجال للضحية

خلف الكواليس، هناك ثمة مخرج غامض، يقود كافة اللاعبين في مسرحية عبثية، اسمه اللاوعي. فالسيدة التي تعتقد أن هناك من أفسد حياة ابنها الاجتماعية، تعرف يقينًا في لا وعيها أن مشاكل إبنها الاجتماعية سببها أنها أسرفت في تدليله، وهو ما يجعله اليوم يفشل في أن يكون طرفاً مسئول في علاقة اجتماعية مركبة مثل الزواج. ولأن الاعتراف بهذه الحقيقة سوف يتبعه الندم وتحمل مسئولية ما قامت به، وهذا الاعتراف يمثل في حد ذاته علامة مرفوضة من علامات الضعف في المجتمعات متدنية الثقافة، لذلك فمن الأفضل لهذه السيدة أن تنكر مثل هذه التبعة، وتقمعها في الأعماق المظلمة من عقلها الباطن.

ولكن لهذا العمل كلفته العقلية، لذلك يقوم اللاوعي بدوره الشرير، لحفظ سلامة هذه السيدة العقلية، بأن يقنعها بأن هناك شخصًا آخر مسئول عن هذه الكارثة التي يعاني منها الابن، هذا الشخص استخدم قوى خارجية غيبية قاهرة لتدمير حياة ابنها، وسوف يستطيع اللا وعي أن يبرر هذا للسيدة المسكينة مستخدمًا كل ما هو متاح له، فلو أنها وجدت زرًّا مفقودًا في سترة أبنها، لعلل لها اللا وعي ذلك، بأن خصمها المجهول استخدم هذا الزر في عمل السحر الشرير الذي يدمر به حياة ابنها.

وهنا يأتي دور الدجال، الذي يجب أن تلجأ إليه الضحية في إطار سعيها لتأكيد براءتها أمام نفسها بأن تبحث لحل يؤكد وجود اللاعب الخفي وتأثيره ومسئوليته عن المشكلة، فيتقدم الدجال مؤكدًا أن هناك من قام بسحر أسود، ويؤكد كذلك على قدرته على محاربة هذا السحر، ليبدأ مسلسل ابتزاز الضحية.

ينظر علماء النفس إلى الثالوث المدنس، بأن أساسه ذلك الشخص الذي يعتقد بأن هناك عمل سحري شرير يؤثر على حياته، بينما هو في الواقع مجرد ضحية للا وعيه الذي يحاول إقناعه أن مسئولية فشله لا تقع على عاتقه، إنما سببها عامل خارجي، وبذلك فإن هذا الشخص غير مسئول عن فشله، بل وغير قادر على تحدي فشله. أما الضلع الثاني، الدجال، فهو مجرد شخص ينتهز الفرصة لتحقيق مصلحة شخصية، بينما الضلع الثالث، الساحر الشرير، مجرد وهم لازم لاستكمال المثلث.

الثالوث المدنس ونظرية المؤامرة

كما يتشكل الثالوث المدنس ويقوم بفعله على مستوى الأفراد، فإن نظرية المؤامرة تتشكل بنفس الطريقة وتقوم بنفس الفعل ولكن على مستوى المجتمعات. فعندما يتعرض مجتمع يفتقر لثقافة محاسبة الذات والاعتراف بالخطأ، إلى هزيمة ثقيلة، فإن عقله الجمعي يقع فريسة لتناقض مؤلم، إما أن يعترف بمسئوليته على الهزيمة ويكون عليه مراجعة تكوينه الثقافي وقيمة ومشروعه الحضاري، وبالتالي التعرض لذل الاعتراف بالخطأ، أو عدم الاعتراف بمسئوليته عن هذه الهزيمة ويصر على أستمرار نفس الثقافة التي تسببت في الهزيمة، وهو ما يعني الاستمرار في الهزيمة.

وفي سبيل الخلاص من هذا التناقض، يرتمي في حضن نظرية المؤامرة التي تقابل دور الساحر الشرير المجهول في الثالوث المدنس، يقدمها لها طبقة الاستكبار التي تلعب دور الدجال الانتهازي، والمستفيدة من استمرار واقع الهزيمة، كحل سحري يقي العقل الجمعي للمجتمع شر التناقض الذي يعيش فيه، فتصبح الهزيمة من فعل مؤامرة تقودها مجموعة سرية شيطانية ذات قدرات خارقة، اسمها حكماء صهيون أو المتنورون أو الماسونية أو غير ذلك.

Embed from Getty Images

تخدم نظرية المؤامرة في المجتمعات المهزومة هدفين، الهدف الأول ترفع مسئولية الهزيمة التي تعرض لها المجتمع عن كاهلي هذا المجتمع، وعن كاهل جماعة الاستكبار التي تقود هذا المجتمع، الهدف الثاني تعزز شعور المجتمع بأهميته، فإذا كان هذا المجتمع غير ذي قيمة فلن يتآمر عليه أحد، ولكن المجتمع المهم هو من يتعرض للمؤامرات، وبالتالي تصبح نظرية المؤامرة دليلًا على نجاح خطة جماعة الاستكبار التي تتصدر المجتمع، وتعمل على التفاف المجتمع، مستضعفينه ومستكبريه، حول جماعة الاستكبار التي جعلت سياساتها هذا المجتمع مجتمع قوي! وهكذا تحول نظرية المؤامرة الهزيمة إلى نصر، وفشل سياسات النخبة المتكبرة إلى نجاح، وهذا التدليس سوف تجد له أمثلة في التاريخ أقربها هزيمة يونيو 1967 التي حولها النظام الناصري إلى مؤامرة عالمية لإسقاط عبد الناصر شخصيًا، ليصبح بقاؤه على سدة الحكم في مصر برغم الهزيمة ذروة الانتصار!!

شياطين وهمية

قد تكون النظم الفاشية عقيمة التفكير في الإصلاح والديموقراطية وحقوق الإنسان، ولكنها مبدعة في ابتكار وإنتاج نظريات المؤامرة، وفي جرابها مئات من نظريات المؤامرة التي تنتقي منها ما تشاء، تدلس بها على مواطنيها. والغريب أن هذه النظم الفاشية، وإن يبدو للناظر أنها على خلاف، إلا أنها تتعاون معًا في تعزيز هذا السلاح الرهيب الذي تستخدمه ضد شعوبها، فبعض من أهم نظريات المؤامرة التي تشيع اليوم، هي نتاج تطوير ما يزيد عن مائتي عام، إذا نشئت ونمت في أوروبا، ثم تم استيرادها ورعايتها في بلادنا.

من هذه النظريات، نظرية بروتوكلات حكماء صهيون ونظرية الماسونيين، والتي تلقى كليهما رواجًا واسعًا في عالم السياسة العربية والإسلامية، بينما هما في الحقيقة من بنات الثقافة الأوروبية المسيحية، نقلها لنا عملاء الاستكبار الأوروبي ليستخدموها في تبرير انبطاحهم المستمر أمام سادتهم في الغرب.

قد يسألني سائل، إذا كان هذا هو الثابت تاريخيًا عن هذه المؤامرات، فلماذا لا يزال هناك من يؤمن بها ويروجها؟

والإجابة عن ذلك في بنية نظرية المؤامرة نفسها، القادرة على حماية نفسها من الفضيحة، فعندما يحاول أي عالم جاد فضح هذه المؤامرات الزائفة، فإنه على الفور يتم اتهامه من قبل أنصار نظرية المؤامرة بأنه من عملاء حكماء صهيون أو من عملاء الماسونية يعمل على إخفاء معالم المؤامرة، وبالتالي يتعزز اعتقاد أنصار نظرية المؤامرة في نظريتهم.

بروتوكلات حكماء صهيون أكبر كذبة في التاريخ

في عام 1901 نشر الصحفي وعميل الأمن الروسي، بافل كروشفان، سلسلة من المقالات في صحيفة روسية استمرت حتى عام 1903، كان عنوانها “المشروع اليهودي لغزو العالم”، حيث قدم للجمهور ما عرف بعد ذلك باسم “بروتوكلات حكماء صهيون”. وهذه البروتوكلات، يفترض أنها خطط عامة للقضاء على الأنظمة الملكية الأوتوقراطية وتدمير الكنيسة المسيحية والاستيلاء الثروات، ومن ثَم تدشين حكم اليهود للعالم. وضع هذه الخطط من يطلق عليهم اسم “حكماء صهيون”، وهي مجموعة سرية تعد هذه الخطط وتعمل على تنفيذها منذ آلاف السنين. وعلى الرغم أن هذه البروتوكلات المزعومة قد فضحت ونشرت، أي يفترض أن التدابير التي تصفها قد انكشفت، إلا أنها تمثل مادة غنية لنظرية المؤامرة تشيع حول العالم، وتشيع بين العرب والمسلمين خاصة لطبيعة هزيمتهم أمام إسرائيل.

قام بجمع مقالات كروشوفان والتعليق عليها واصدارها في كتاب، سيرجي نيلوس، أحد أشد الموالين للقيصر، والذي تلقى تمويلًا من الأمن الروسي لطبع هذا الكتاب عدة مرات، كان أولها عام 1905. عقب الثورة الشيوعية في روسيا، أعاد أنصار النظام القديم في روسيا البروتوكلات إلى الضوء، وروجوا إلى أن من أسقط النظام الأوتوقراطي الروسي هم حكماء صهيون، وأنهم ماضين في طريقهم إلى تدمير المجتمع المسيحي الأوروبي وفقًا لنصوص بروتوكلاتهم، لو لم تتكاتف هذه الأنظمة الأوروبية في هزيمة الثورة الروسية التي منحت بروتوكلات صهيون قاعدة للعمل في أوروبا ممثلة في روسيا.

ووجدت البروتوكلات طريقها إلى بريطانيا حيث نشرت على صحيفة التايمز العريقة في حلقات مسلسلة عام 1921. كما استخدمت البروتوكلات كدليل إدانة وأداة للتحريض ضد اليهود في ظل النظام النازي، ثم دخلت إلى العالم العربي عندما ترجمها محمد خليفة التونسي  ونشرها عام 1951، ليتم استقبالها باحتفاء وطباعتها مرات عديدة إلى اليوم.

السؤال الأهم عند تناول بروتوكلات حكماء صهيون، هل هي وثيقة حقيقية أم مزورة؟

وهذا ما سنجيب عنه في الجزء الثاني من المقال تبعًا للأدلة التي جمعنا، لنرسم بعدها الحدود التي يجب أن تنتهي عندها نظرية المؤامرة.

 


المراجع

[1] Eco, Umberto (1994), “Fictional Protocols”, Six Walks in the Fictional Woods” Cambridge, MA: Harvard University Press.

[2] Michelis, Cesare De (2004) “The non-existent manuscript: a study of the Protocols of the sages of Zion”. Lincoln: University of Nebraska Press.

[3] العقاد، عباس محمود (1951) “بروتوكولات حكماء صهيون” جريدة الأساس 23.11.1951 القاهرة. ونشرت ضمن مقدمات الطبعة الرابعة من التونسي، محمد خليفة (1951) “الخطر اليهوي: بروتوكولات حكماء صهيون” بيروت: دار الكاتب العربي.

[4] Barrett, David V. (2007) “A Brief History of Secret Societies: An unbiased history of our desire for secret knowledge” Philadelphia: Running Press.

[5] Eco, Umberto (1994) “Apocalypse Postponed” Bloomington: Indiana University Press.

[6] ibid.

[7] Barrett, ibid.

[8] Morris, S. Brent () “The Complete Idiot’s Guide to Freemasonry” London: Penguin Books.

[9] De Poncins, Leon & De Poncins, Vicomate (1994) “Freemasonry and the Vatican: A Struggle for Recognition” New York: EWorld Inc.

[10] de Hoyos, Arturo & Morris, S. Brent (2010) “Is it True What They Say About Freemasonry? The Methods of Anti-Masons” Lanham: M. Evans & Company.

[11] Manvell, Roger & Fraenkel, Heinrich (2010) “Doctor Goebbels: His Life and Death” New York: Skyhorse.

764

الكاتب

د. وسام عبده

أكاديمي وكاتب ومترجم من مصر

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.