قد تستعجب كثيراً من عنوان المقال، فتقول وهل هناك مفاهيم صحيحة ومفاهيم أخرى خاطئة؟ فالإجابة نعم، فبالنسبة إلينا كمسلمين هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة التي أصبحنا نحملها وهي بالأساس طارئة على عقل المسلم المعاصر، جاء بها الإستعمار والإحتلال فسلب منا مفاهيمنا الصحيحة عن كل شىء، عن التوحيد والعبادة والجهاد والخلافة…إلخ.

 

فالمفاهيم الصحيحة

هى المفاهيم السليمة التى جاء بها الكتاب والسنة، وفهمها الصحابة أحسن الفهم وأفضله. فتلك المفاهيم التي بنت الأمة وأخرجت ذلك الجيل الفريد الذى نشر الإسلام وبلغها وهدى الناس بفضل ربه إلى عبادة رب العباد.
ويعلم جميعنا أن تفرد ذلك الجيل لم يكن فى قيامه بالتكاليف الربانية المفروضة عليه؛ فهو أمر واجب على كل الأجيال، إنما تفرد بالدرجة العالية العجيبة التي نفذ بها تلك التكاليف، فالتزموا بالمندوبات كأنها فروض منطلقين فى ذلك من عمق إيمانهم ورسوخه وحساسية ضمائرهم المرهفة تجاه ما كلفهم به الله.

وكان القرآن وحده والسنة النبوية الشريفة هما النبع الذي يستقون منه ويأخذون منه علمهم وعملهم، فكان جيلاً خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أى مؤثر آخر غير المنهج الإلهي الذى يتضمنه القرآن الكريم -كما قال صاحب الظلال والمعالم-
فقرائتهم للقرآن لم تكن بقصد الثقافة وزيادة الإطلاع، ولا بقصد التذوق و المتاع، ولا ليضيف إلى حصيلته الفقهية والعلمية رياءً للناس، إنما كانت القراءة والتلقى لتنفيذ أمر الله فى كل أمور حياته وكان لسان حاله قول الله تعالى:

“قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون”

فكان التلقي للعمل بما جاء من عند الله والطاعة فيما أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم واجتناب ما نهى عنه وزجر
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :

” كان الرجلُ منَّا إذا تعلمَ عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرفَ معانيهن والعمل بهن”

وقال أبو عبد الرحمن السلمي -من التابعين- : حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما : أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا : ” فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً”

 

وهنا السؤال

ماذا حدث لعقل المسلم المعاصر لكى يصبح ذليلاً للعقل المادي الغربي كما نرى الآن؟ ماذا حدث لأمتنا لكي نغرق فى ذل الأخذ من الغرب بعدما كنا يوماً في عز العطاء بل أصبحنا ندور فى فلك الغرب دون أن نعى أين نحن أصلاً!

أول ما فعل بنا العدو هو تغييب عقولنا وإبعادنا عن النبع الذي كان يستقي منه الصحابة والتابعين، وإبعادنا عن تلك المفاهيم الصحيحة التي كانوا يعملون بها، وهي داخل قلوبهم وأفئدتهم. وينبغى أن نعلم أن أول طريق الخلاص من هذا التيه الواقعون فيه هو العودة للمفاهيم الصحيحة والعمل بها، وعودة المسلم إلى قرآنه وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولعل من أفضل الكتب التي تكلمت فى هذه القضية هو كتاب “مفاهيم ينبغي أن تُصحح” للعلامة والقامة الفكرية الأستاذ “محمد قطب” صاحب المؤلفات المجددة التي تُرجع المسلم إلى الأصل والجذر-الكتاب والسنة-.

وإن من أهم تلك المفاهيم التي تغيرت في عقل المسلم هو مفهوم التوحيد -مفهوم لا إله إلا الله-، ونرى نزول القرآن وبعث النبى محمد صلى الله عليه وسلم جاء بهذه القضية تعبيد الناس لرب الناس، فنرى في القرآن اهتمام بالغ بلا إله إلا الله، ونجد الحديث عن أمر التوحيد -لا إله إلا الله- في السور المكية، واستمر الحديث عنها أيضاً فى السور المدنية بعد استقرار العقيدة وقيام الدولة والمجتمع المسلم، والتزامه بتكاليف الإسلام ومقتضياته وعلى رأسها الجهاد فى سبيل الله -ذروة سنام الإسلام-، فهذا دليل واضح على أهمية تلك القضية؛

فهي حديثٌ لا ينقطع ولا يُنتقل منه إلى غيره، بل حديث يُذكر ثم يُنتقل معه إلى غيره؛ فالسور المدنية على إطلاقها خطاب للذين آمنوا أي أقروا وصدقوا تقول لهم: إن الإقرار والتصديق وحده غير كافي، بل عليهم الإلتزام بما جد في المدينة من الأحكام والتكاليف والأوامر والنواهي، أن إيمانهم الآن صار مرتبطاً بالإلتزام بما جاء من عند الله من هذا كله، وأن هذا الإلتزام هو المحك لصدق إيمانهم وإلا فهو النفاق الذي لا يقبله الله ولا يجزي به إلا الخلود فى الدرك الأسفل من النار.
لمَ لا ودعوة الرسل كلهم -من لدن نبى الله آدم إلى المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم- هى توحيد الله توحيداً خالصاً لا يخالطه نفاق ولا رياء، وكان موقف الجاهلية منها هو الرفض.

 

فلماذا؟

لأن موقف الجماهير رافضة أن تترك الأوثان المألوفة بالنسبة لها فى عالم الحس الذي تكون أكثر إلتصاقاً به، حيث تلبي انحرافاتها الجاهلية؛ فهي تحسها وتراها وتلمسها فتشعر بالقرب المادي المحسوس منها، أما أكابر المشركين فالذي يحركهم ويدفعهم للصد عن سبيل الله هو قضية السلطة، فهم يخافون على مكانتهم وسط باقي الكفار المشركين؛ فولاءهم لهذه الآلهة صوري أكثر منه حقيقي، ودفاعهم عن تلك الآلهة المزعومة لا ينبعث من كون الإعتقاد الصادق بها، بل لكونها هي الأداة التي يستعبدون بها الجماهير، ويعطون لأنفسهم قداسة مستمدة من تلك الآلهة المزعومة .

كذلك لأن هذه الكلمة -لا إله إلا الله- لها مقتضيات فهي ليست كلمة تُقال وفقط، بل لها أعمال يجب أن يفعلها المسلم ليكون صحيح الإيمان. فأجمع علماء الأمة على القول بأن الإيمان قول وعمل ونية، يقول الإمام الحميدي شيخ الإمام البخاري في كتابه أصول السنة: (الإيمان قول وعمل يزيد و ينقص، لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة). ويقول الإمام أبوبكر بن أبى داود فى منظومته:
وقُــلْ إنَّما الإيمانُ قـَوْلٌ ونيَّـةٌ *** وِفعْلٌ عَلَى قَـولِ النبيِّ مُصَرَّحُ
فالإيمان بلا إله إلا الله منهج يتبعه المسلم سوي الفطرة، يشمل الجانب الإعتقادي والتعبدي والسلوكي، يشمل الإعتقاد بوحدانية الله وتوجيه الشعائر له، وتحكيم شريعته دون غيرها من الشرائع، والتخلق بأخلاق لا إله إلا الله. وهذا ما فعله الجيل الأول إيماناً بالله وطمعاً فى جنته ورضوانه سبحانه وتعالى.
وليعلم جميعنا أن الإيمان بالله هو أقوى الأدوات المعينة للإنسان على مقاومة ضغط الشهوات، وبمقدار ما يكون الإيمان قوياً راسخاً تكون قدرة الإنسان على الإنضباط في داخل الحدود التى رسمها الله، أي تكون الطاعة لأوامر الله، والقيام بالتكاليف التي فرضها الله.
وليس معنى ذلك أن نصبح ملائكة لا تعصي الله، ولكن يصبح الإلتزام والقيام بالتكاليف هي الأصل، وغيرها هو الشاذ قال تعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ”

 

ويبقى لنا سؤال

كيف نقول أن للا إله إلا الله مقتضيات وقولها وحده لا يكفي لإيمان الفرد، وهناك كثير من الأحاديث النبوية تقول أن قول لا إله إلا الله وحده يكفي مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)
فننقل هنا قول للإمام الحافظ المنذرى :
“ذهبت طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت في من قال لا إله إلا الله دخل الجنة أو حرم على النار أو نحو ذلك، كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة مجرد الإقرار بالتوحيد، فلما فرضت الفرائض وحدت الحدود نسخ ذلك. والدلائل على ذلك كثيرة متظاهرة، وإلى هذا القول ذهب الضحاك والزهري وسفيان الثوري وغيرهم.”
وقال طائفة أخرى: “لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك، فإن كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته، فإذا أقر ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحداً أو تهاوناً على تفصيل الخلاف فيه حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة.”

ونختم هنا بقولٍ ماتع للإمام العلامة ابن القيم الجوزية حيث يقول:

“ليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن من محبة الله والخضوع له والذل له، وكمال الانقياد لطاعته وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها”

 

بقلم: مُحمد بن علي

1283

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.