اختيارات المحرر

الرؤى المعرفية.. التقاء منظومتين

في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” عقد مالك بن نبي مقارنة بين قصتي “حي بن يقظان” و”روبنسون كروزو” من منطلق المقارنة بين عوالم الأفكار المحركة لكل حضارة كُتبت داخلها إحدى هاتين القصتين، وتدور القصة عن الاختلاف في التفاعل مع العزلة بين الشخصيتين؛ ففيما اتجه حي بن يقظان إلى التأمل في حقيقة الوجود والموت والخالق، اتجه روبنسون إلى الانشغال بالقضايا المادية في عالم الحواس من أكل وشرب ونوم، وحين كان الأول يسعى إلى نقل المعرفة إلى من وجده من أجل تحريره، فإن الثاني سمى الرجل الأسود الذي التقاه بـ “فرايداي” لأنه التقاه يوم الجمعة ثم جعله له خادماً، وهي إشارة عن استبطانٍ لمنظومتين معرفيتين أديتا إلى سلوكين مختلفين؛ فالمعرفة الأولى أدت بحي بن يقظان إلى سلوك التحرير، أما الثانية فأدت إلى سلوك السيطرة؛ الأولى تعبير عن منظومة معرفية أخلاقية، أما الثانية فهي تعبير عن منظومة معرفية مادية تهدف إلى السيطرة على العوالم المادية.

لا شك أنَّ الالتقاء بين هاتين المنظومتين المعرفيتين في لحظة ما سيؤدي إلى ضرورة بقاء واحدة منهما فقط، وهو ما حدث مع الحملة الاستعمارية الأخيرة التي شنها الغرب على البلاد الإسلامية في عمومها؛ إذ لم يكن من الممكن ممارسة عمليات السيطرة والضبط في المناطق المستعمرة دون تفكيك المنظومة المعرفية الإسلامية والأشكال التي أفرزتها خلال قرون طويلة استجابة لواقعها الداخلي، ومن ثم إعادة تشكيل منظومة معرفية دخيلة تخترق بنية الإنسان وتعيد تشكيله وفقاً للتصورات الغربية بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية، حتى اختفت ذاكرة ما قبل الاستعمار1 ولم يعد للمسلمين تاريخ ينظرون إليه وذاكرة يستندون إليها ومرجعية يرتكزون عليها.

وكان هذا أحد ما فهمه نابليون الثالث بعد سنوات من احتلال الجزائر إذ بعث برسالة عام 1865م إلى الحاكم العام في الجزائر المارشال ماك ماهون: “يجب أن نتعايش مع العرب [عرب الجزائر]، ونصوغهم وفقاً لقوانيننا، ونعودهم على سيطرتنا، وأن نقنعهم بتفوقنا؛ ليس فقط بأسلحتنا، ولكن أيضاً بمؤسساتنا”2.

وهو ما حدث فعلاً؛ فقد تم صناعة واقع جديد للجزائريين وللمسلمين لا علاقة له بمنظومتهم المعرفية المستمدة من العقيدة الإسلامية، فلم تعد السياسة والاجتماع والاقتصاد تعبيراً عن تفاعلات داخلية تشكلت أنماطها من داخل الأمة، وإنما فضاءات شكلها المستعمر في إطار استراتيجية هيمنته، وحُشر الجزائريون والمسلمون في خيارات وأنماط معيشية لم يختاروها لأنفسهم، ولكنهم قبلوها وألفوها فلم يعودوا يعرفوا غيرها بالتقادم وميلاد أجيال جديدة من داخلها.

المنظومة المعرفية وصناعة الخيال المعرفي

إن المنظومة المعرفية ليست نقاشاً فلسفياً ولا تنظيراً فكرياً بين المشتغلين بها، وإنما هي الخيال الذي يريد أن يتحرك به الأفراد والمجتمعات، وبالتالي فإن الإفرازات في السلوكيات والأنماط المعيشية إنما هي نابعة من طبيعة الأجوبة التي تقدمها لهم، وبقدر ما تفرز المنظومة المعرفية من إفرازات وسلوكيات وأنماط معيشية وأشكال في الاجتماع، فإن هذه الأخيرة تصبح خادمة لها وشرطاً من شروط بقائها؛ ولذلك كان حرص المستعمر على تفكيك أنظمة الأوقاف والمدارس التقليدية ومؤسسات القضاء الشرعي ومحاربة اللغة العربية نابعاً من إدراكه أن تفاعل الجزائريين والمسلمين من خلالها إنما هو نابع من منظومة معرفية ترسخها وتترسخ بها، فحلت المؤسسات المالية والأجهزة البيروقراطية الإدارية والنظام التعليمي الحديث محل هذه التفاعلات الداخلية والمقصود منها حسب ما قال نابليون الثالث هو أن “نصوغهم” وفقاً لقوانيننا وتفكيرنا وثقافتنا ولغتنا، وبالتالي أن نعيد تشكيل خيالهم المعرفي ليصبح الغرب مرجعاً يريدون الوصول إليه في وقت يجب أن ينظروا إليه كغريب دخيل يجب محاربته.

ولا شك أن هذا أحد أهم المرتكزات الاستعمارية للغرب، فصناعة الخيال المعرفي ستؤدي بالضرورة إلى تشكيل واقع يريده الغرب داخل البلاد الإسلامية، فالتلازم بين الواقع والمنظومة المعرفية تلازم طردي يؤثر كل منها على الآخر ويؤدي إلى بقائه؛ فكل حركة سياسية يختارها فرد أو مجموعة تنتهي إلى تأسيس حزب سياسي ومشاركة في الانتخابات ومطالب بالتوافق والتنمية، وكل نشاط مالي يختاره فرد أو مجموعة تنتهي إلى أشكال الإدارة ونماذج التسيير الغربية، وكل رغبة في الترويح عن النفس تنتهي إلى مشاهدة أفلام هوليوود ونتفليكس، وبطبيعة الحال هذا ليس من قبيل الصدفة فقط والتماهي مع متطلبات العصر، فنحن محشورون في دوامات الاختيار داخل هذه المنظومة المعرفية، ولا شك أن عمليات الاختيار تتم داخل عمليات معرفية؛ فلا يختار الإنسان إلا ما يعرفه، وإذا كان ما يعرفه مشكلاً من خلال نموذج معرفي غربي فإن اختياراته ستكون داخل ما يريده النموذج نفسه، وإذا كان هذا النموذج هو الغالب اليوم فإن ضرورة نقده وتفكيكه نابعة من هذا التغلب.

المنظومة الغربية والأصل الصراعي

الأصل الصراعي والنزعة التفكيكية في البنية المعرفية الغربية المهيمنة اليوم له انعكاسه في نمط الاجتماع الإنساني بلا شك، فمنشأ الكولونيالية والإبادة والجيوب الاستعمارية له علاقة مباشرة بهذه البنية، و”لقد أكد الفيلسوف إنريك دوسل أن الذات الغازية كانت شرطاً لتحقق الذات المدركة عند ديكارت، أي “أنا أغزو إذاً أنا موجود” أصبحت أساس “أنا أفكر إذاً أنا موجود” وتعد هذه الفكرة أسلوباً في الحياة ميز تلك الذات التي تنظر لنفسها باعتبارها مركز العالم الذي غزته بالفعل، ويتوسط هذا الأساس مبدأ الذات المبيدة: “أنا أبيد إذاً أنا موجود”3“.

الفيلسوف إنريك دوسل
الفيلسوف إنريك دوسل

وهو ما يجعل التوجه نحو السيطرة -بعد الاعتبار أن الإنسان كائن يعلو فوق الطبيعة- هو اتجاه قيمي مركزي أصيل في البنية المعرفية الغربية وليس فعلاً طارئاً أو تشوهاً ظرفياً أصابها أثناء تفاعلها مع الواقع، بل انطلاقاً منها وتفاعلاً معها تشكل هذا الواقع، فبينما كان ماكس هوركهايمر وأدورنو يعكفان على تأليف كتاب “جدل التنوير” توصلا إلى نتيجة محزنة مفادها أن تاريخ الأديان والثورات والأحزاب يعلمنا أن ثمن البقاء هو “تحويل الأفكار إلى هيمنة”4، والمعرفة تعني بصورة حرفية: استعمال القوة والسيطرة وتحويل العالم والتي اعتبرها بيكون واقعاً أوروبياً مميزاً5.

فمثلاً من خلال رصد المقولات التأسيسية داخل هذه البنية نجد مقولة “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” لهوبز، والتي هي استبطان لجذر معرفي مادي يعتبر الشر أصلاً في الإنسان، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى أن تكون الدولة الحديثة بهذا القدر الكبير والضخم من الحشد للموارد وبهذه القوانين الصارمة والجهاز الإداري الضخم؛ فإن أصل الشر الكامن هذا في الإنسان، يلزم أن تكون الدولة باعتبارها كياناً أسمى ملزمة بأن تدمج الأفراد في منظومتها وتراقبهم وتشرف عليهم من خلال منظومتها التعليمية وقوانينها وأجهزتها؛ لأن غيابها سيؤدي إلى ظهور الشر في الإنسان وبالتالي تهديد الاستقرار والبقاء.

بخلاف ما تم تشكيله في الرصيد التاريخي للأمة الإسلامية، كانت الجماعات الوسيطة مسؤولة عن إدارة الملفات والأولويات داخل الأمة الإسلامية، وكانت السلطة وإن كانت ملكية أقل نفوذاً وسلطة وصلاحيات مما يملكه النظام الحديث في الدولة الحديثة، فالمؤسسات العلمائية والقضائية والتجارية بقيت في جزء كبير منها تتحرك في فضاءات بعيدة عن خيارات السلطة الحاكمة، ولم يكن للملك أو الخليفة أو السلطان أن يتدخل أو يملك ما يتدخل به لتشكيل وعي الناس والتحكم في ثقافتهم ومصادر معرفتهم، والقصد من هذا هو تبيين أحد الجوانب المستبطنة لأصل الصراع من خلال البنية المؤسسية التي أنتجتها المعرفة الغربية في شكلها المتمثل في الدولة الحديثة، وإلا فإن مناهج الإبادة في المستعمرات أكثر من أن تُحصى، وأدلة هذا النسق الإفسادي المتنامي الرغبة في السيطرة والاستعمار.

مقاربة لفهم النموذج المعرفي

إن ما يُطرح اليوم من كون أنظمة المعرفة محايدة ومشتركاً إنسانياً هو أصل الداء وما يراد للأمة عمومها أن تصدقه، ولا شك أن عملية التقادم والتبعية المعرفية تكرس لهذا الواقع أكثر؛ فالتبعية كانت هي البداية ثم نشأت أجيال داخلها لا تعرف غيرها، فيبدو للفرد أن الواقع كان هكذا دائماً وأن المنظومة المعرفية التي يعيش من خلالها هي حالة طبيعية، أو قد لا يخطر للعقل أصلاً هذا النوع من التساؤل باعتبار أن الإنسان يمارس عملية التفكير من غير وعي بحيث يستجيب إلى لا وعيه بدون أن يشعر، على أن هناك قلة من الناس اشتغلت على نفسها وأصبح النموذج المعرفي عندها واضحاً فهي تمارسه بطريقة واعية وتسعى إلى تحيينه وتمريسه من خلال رصد استنباطات النموذج في المظاهر اليومية والنشاطات السلوكية، ولا يختلف الأمر على مستوى الجماعة والمجتمع فإن السلوكيات المشتركة والأنساق والأنماط المتكررة داخل نفس المجتمع هي تعبير عن امتلاك واستبطان نفس النموذج المعرفي، فلا يوجد خلل ولا نضج في أي مجال إلا وهو انعكاس ونضج لهذا النموذج المعرفي، وتزيد كفاءة الفهم والحركة كلما استطعنا أن نضع أيدينا بشكل أكبر على المعالم الكبرى والتفصيلية للنموذج المعرفي.

يتحرك النموذج المعرفي ويُعرف من خلال مصفوفة خماسية تتدرج انطلاقاً من الجذر المعرفي المؤسس إلى الإنسان الذي يحمل الجذر ويتبناه مما ينتج مجموعة من الأفكار والمشاعر والتصورات داخل ذات الإنسان والذي بدوره يترجمها إلى هياكل ونظم ومؤسسات تتحرك داخلها الأنماط المعيشية والسلوكيات، وليس التدرج من اتجاه واحد من أسفل إلى أعلى ولكنه يتحرك في الاتجاهين وليست تراتبية بحيث لا تنتقل من درجة إلى أخرى إلا بعد استكمال التي سبقتها، وإنما هي عملية تفاعلية مستمرة بين النقاط الخمس مجتمعة.

وإن المتأمل للمسارات المعرفية التي أبدعتها الأمة لنفسها سواء في العلوم الشرعية أو الكونية أو الفلسفية، إنما كانت استجابة للجذر المعرفي العقدي الذي ينطلق من وحدانية الله عز وجل واعتبار العبودية والاستخلاف غاية الوجود، فلا تجد في مقدمات كتب الجبر والفلك والفلسفة والفقه والحديث إلا ابتداءً باسم الله وصلاة على نبيه ورجاء في أن يكون المنتج أو المؤلف في خدمة الأمة وشريعتها وتسهيل طريقها إلى العبادة ومعرفة الله عز وجل.

المنظومة المعرفية وعملية الاحتلال

غير أن الحملة الاستعمارية التي جاءت في القرنين الأخيرين استحضرت هذا بشدة؛ فانظر إلى “فاني كولونا” وهي أحد الباحثين والأكاديميين الذين اشتغلوا ضمن الخطة الاستعمارية في استكشاف المجتمع الجزائري وكانت دراساتها مرتكزة على منطقة الأوراس من خلال دراسات ميدانية جمعتها في كتابها (Savoirs paysans) أي الفلاحون العارفون، وكان مما خلصت إليه أنه السبب القوي في وقوف المنطقة ضد المد الاستعماري وأدواته وثقافته هو ما أسمته (coranisation systématique) أي “القرأنة المنهجية” إن صح التعبير وهو تمثل الجزائريين للقرآن في جميع مظاهر حياتهم، مستشهدة بعبارة سمعتها من والي الأوراس: “إن الأمر الجيد هنا أن كل شيء يبدأ باسم الله”6.

منطقة الأوراس
منطقة الأوراس في الجزائر

إن هذا البحث وغيره الكثير مما جاء في إطار الدراسات الأنثروبولوجية الاستعمارية، جعل المستعمر يتأكد أكثر من أي وقت مضى أن احتلال الهياكل والنظم والسيطرة على المقدرات المادية للأمة لن يحفظ مصالحه على المدى الطويل، فما دام الجذر المعرفي العقدي موجوداً وكذلك الإنسان الحامل الذي يتحرك من خلاله فستبقى تنشأ أجيال مقاومة ترفض الاستعمار والاستبداد وسرقة مقدراتها وأموالها وحقوقها، ويحتاج الأمر إلى إنزالات عسكرية مستمرة وإلى هياكل إدارية من المعمرين ضخمة، غير أن احتلال بنية الإنسان وإعادة تشكيل جذره المعرفي وأنماط تفكيره ومشاعره وكذا تغيير الطبيعة المؤسسية والسلوكيات الجماعية والفردية هو السبيل الوحيد إلى صناعة خيال جمعي داخل المجتمع يرتبط ارتباطاً عضوياً بالمحتل بما يضمن البقاء والاستمرارية، فإذا كانت نخبة المجتمع تتخيل في لحظة معينة واقعاً محدداً من التغيير في المستقبل يطابق تمام التطابق اللحظة الحالية التي يعيشها المحتل فذلك هو المطلوب وكفوا أنفسهم مشقة وعناء الاحتلال المباشر.

إن التحكم في النسق المعرفي هو تحكم في المشهد بأكمله، فإن الترتيبات الجزئية التي تبدو في خضم الأحداث وتقادم الأزمان واقعاً لا بديل عنه ليست سوى امتداد لنسق معرفي يتحكم في المشهد، ولذلك فإن العلاقة التكاملية بين عناصر النموذج المعرفي الخمسة تستلزم تفكيكاً تكاملياً هو الآخر، فاحتلال البنية المعرفية يحتاج إلى تفكيك أدواتها وعناصرها، وتفكيك العناصر وإضعافها يحتاج إلى إخراجها من النسق الكلي التي تقوم بوظيفتها من خلالها، ولذلك فإن عملية الإحلال العنيف لأنماط الاجتماع الأوروبي وهياكله ومؤسساته التعليمية والسياسية والاقتصادية داخل المجتمع المسلم هو في حقيقته إحلال لبنية معرفية غربية داخل مجتمع آخر، بل هو محو لمجتمع ووضع آخر مكانه بطريقة فوقية عسكرية، ولذلك فإن المقاربة الإصلاحية للأوضاع من داخل نفس الأنساق التي فرضها الاستعمار ليست كافية لتفسير حالة التخلف والتراجع الذي تعيشه الأمة، بل يجب فهم اللحظة الحالية باعتبارها امتداداً أو نقطة تناظر بين لحظة ماضية ولحظة مستقبلية ولا يمكن فهمها إلا في هذا الإطار.

إن المنظومة المعرفية والمقاربات المنهجية الأوروبية والتقسيمات العلمية التخصصية المستوردة أو المفروضة بقوة السلاح وإن كانت في جزء منها مشتركاً إنسانياً وجهداً بشرياً ولكنها في شق كبير منها أداة لتكبيل عملية الاستئناف الحضاري، فالعلوم الإنسانية التي قطعت بالفعل أشواطاً طويلة في فهم الإنسان وتفاعلاته ضمن المتاح لها من الأدوات والمناهج التقليدية والتجريبية ليست علماً خاصاً بدراسة الإنسان فقط ولكنها علم يعتبر الإنسان مركز الكون وأن الغاية النهائية وراء حركية التاريخ هي فهم هذا الإنسان الذي عُرٍف سلفاً في إطار الأحادية المادية، ثم تحولت في مرحلة السيولة ومرجعية اللامركز إلى أدوات خادمة لرغبة الإنسان في الحصول على كميات متزايدة من اللذة والشهوة، والعلوم الاجتماعية ليست علوماً خاصة بفهم تركيبات المجتمعات وطرق سيرها والمحركات الرئيسية فيها ولكنها علوم تكاد تقترب من كونها أداة وصفية للصيرورة التاريخية للمجتمعات الأوروبية، والنتائج التي تقدمها والتفسيرات التي تحملها لا يمكنها أن تخرج من هذا الإطار وإن ادعت الموضوعية والحيادية، وليس الأمر يختلف في العلوم السياسية التي تُقدم على أنها علوم لفهم الدولة وتفاعلات السلطة والنظم ولكنها وإن قدمت أشواطاً كبيرة في فهم هذا الواقع وأبدت فاعلية وبراغماتية كبيرة في فهم وتفسير الظاهرة السياسية إلا أنها لا يمكن أن تخرج في شق كبير منها من كونها أداة وصفية لتطورات السلطة وفهم الدولة كما أنتجت وتراكمت في السياق الغربي، والعلوم الاقتصادية التي أصبحت توجه الإنسان إلى أنماط استهلاكية معيشية خادمة للناتج القومي المحلي كيف سيكون شكلها لو تفاعلت في سياقات إسلامية مثلاً تعتبر الامتلاك والتملك حقاً والاستهلاك المتزايد والترف إثماً وتبذيراً، وتؤسس وفقاً للحديث النبوي لمفهوم “القصد” في الفقر والغنى وعدم بسط اليد أو جعلها مغلولة إلى العنق؟ وكيف سيكون حينها الحديث عن مفهوم مركزي في العلوم الاقتصادية مثل مفهوم الندرة؟، إن مجموع هذه العلوم لم تُقصد لذاتها في أي عصر من العصور، فلطالما كانت أدوات خادمة لنطاق مركزي يتحرك فيه المجتمع و “الأدوات التي يشكلها النطاق المركزي لا يمكنها المساهمة في إعادة تشكيل هذا النطاق، إذ تستطيع هذه الأدوات بحكم بنيتها، أن تقوم بأدوار إصلاحية أو تحسينية، ولكنها لا تستطيع أن تقوم بما يتعارض نوعياً مع وجهة النطاق المركزي وهدفه”7، ولذلك فإن قدر كل نقد في منظومة معرفية هو أن يعيد تشكيل أحد أبعادها، وهو ما يمنع خرائط العلوم هذه أن تشكل من خلال استيرادها كما تستورد الماكينات والسيارات في عملية تكديسية أي فرصة لصناعة واقع جديد يحقق الاستئناف المنشود.

تأسيس الخرائط المعرفية النابعة من الوحي

إن ضرورة التأسيس لخرائط معرفية جديدة ونظرية معرفية ذاتية أصبحت اليوم أكثر من أي وقت ضرورة ملحة فليست العلوم الإنسانية ومقارباتها ومناهجها الإمبريقية كافية لفهم الإنسان داخل البيئة المسلمة فهو معرّف سلفاً من خلال منظومة الوحي في جزئه الأكبر بتعريفات غيبية، وليست العلوم الاجتماعية كافية لفهم المؤثرات الأساسية في صيرورة المجتمعات المسلمة، باعتبار هذه العلوم تعتبر الحقائق الاجتماعية بعيدة عن أي مدلولات دينية التي تعتبر داخل المجتمعات المسلمة مركزية، بل قائمة عليها.

استمداد المنظومة المعرفية من الوحي

إن خرائط المعرفة الجديدة مطلوبة تستمد ضرورتها من كونها تؤسس لمخيال جديد وأنماط تفكير جديدة تؤسس بدورها لواقع جديد، وليست الأمر كما قلنا سابقاً عملية أوتوماتيكية كمية بحيث يتم الانتقال بين أطراف المعادلة الثلاث (الخرائط المعرفية، المخيال، الواقع) باتجاه واحد، ولكنها عملية تفاعلية بين الأطراف الثلاثة.

إن المعالم الكبرى للنظرية المعرفية المطلوبة يجب أن تُستمد من الذاتية الداخلية أي من منظومة الوحي والتفاعل التاريخي للأمة مع ما استنبطه علماؤها من هذه المنظومة + التأمل في سنن الآفاق والاجتماع والأنفس + التراكم الإنساني البشري، فتحقق الأمة بهذا الاحتياج الطبيعي لكل أمة في أن تنتج مساراتها النابعة من ذاتيتها الشخصية، مع الاحتياج الطبيعي الآخر النابع من ضرورة التفاعل والتعارف بين الشعوب والقبائل كما في القرآن الكريم، وكل هذا في إطار المفاهيم القرآنية المتمثلة في الاستخلاف والاستعمار والعبودية والقسط والتمكين للعباد الصالحين. 


المصادر

  1. فريد أكوزال، انفلات التاريخ، أين ذاكرة ما قبل الاستعمار، مركز دلائل، 2018. ↩︎
  2. Napoléon III. Lettre sur la politique de la France en Algérie : adressée par l’Empereur
    au maréchal de Mac-Mahon, duc de Magenta, gouverneur général de l’Algérie.
    Imprimerie Impériale, 1865, p.10 عن فريد أكوزال، انفلات التاريخ. ↩︎
  3. وائل حلاق، قصور الاستشراق، منهج في نقد العلم الحداثي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، تر عمرو عثمان، 2019 ص 147 ↩︎
  4. زيجمنت باومن، الحياة السائلة ↩︎
  5. وائل حلاق، نفس المصدر ص 160. ↩︎
  6. ناصر الدين سعيدوني، المسألة الثقافية في الجزائر دراسة تاريخية نقدية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 2019 ص 85 ↩︎
  7. وائل حلاق، المصدر نفسه ص 116. ↩︎

ميلود شيبانة

مهندس عمليات، وباحث في الشؤون الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى