لعل الذهنية الأقرب حين نتحدث عن القائد هي تلك الصورة للرجل الخارق الذي يستطيع أداء الكثير من المهام بنفسه، فضلًا عن قدراته الخارقة للطبيعة التي تمكنه من تلك النجاحات والإنجازات. أو ذلك العسكري الذي يقود الحروب والكتائب ويضع الخطط والاستراتيجيات. صراحة قد تكون تلك الصور صحيحة وتمثل أنواعًا من القادة موجودون بالفعل، ولكن هل تلك التصورات هي القيادة الحقيقية؟ وهل هؤلاء فقط هم القادة؟

من هم القادة؟

يقول الرسول ﷺ:

 كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ

وفي هذا الصدد يتحدث الجنرال فومش عن القائد الحري بذلك اللقب، فيقول:

يبرز القائد عندما تحين الساعة لاتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، وتكريس التضحيات المستوجبة، وإيجاد العاملين لتلك المشاريع المزمع تنفيذها، لا سيما إذا كانت المستويات العليا المشبعة بإرادة الفوز، والتي تشجع على اقتحام كل خطر[1]

مما سبق يبدو لنا أن القيادة تعني في جملتها: كل من يتولى شيئًا من الأمور العامة، فالإمام قائد، والأمير قائد، والمرأة في بيتها قائدة لأسرتها، والعبد الذي يرعى مال سيده قائد، والموظف العام قائد في إدارته ومكتبه، ورب الأسرة قائد لأسرته، وقائد الجيش والشرطة قائد…

فالقيادة هنا: المسؤولية التي توجب على من يحملها ان يقوم بها بأمانة وإخلاص ويرعاها حق رعايتها، وصولًا بهذه المجموعة التي يتولى شأنها إلى الأهداف التي تطمح الوصول إليها[2]

الصفات اللازمة للقائد

نعاني الآن من أزمات طاحنة وندرة في وجود الأكفاء الجديرين بالثقة، كذا الأمر فيما يتعلق بالقيادة وصياغة الأهداف وتوزيع المهام، لذا حري بمن وُجد في منصب قيادة، أو من لديه من القدرات ما يؤهله لتلك المناصب، أن يعرف الفنون والصفات اللازمة له كقائد، يُحرك الجموع، ويحقق الغايات.

1. الهدوء وضبط النفس

 هدوء القائد وضبط النفس calm-executive

ليبقى القائد دومًا في حالة السكينة والهدوء عليه: ألا ينساق ويتأثر بالحوادث والانشغالات، ولا بالرجال ولا حتى بنفسه. فقد قال غراسيه:

إن رجل العمل لا يتوقف شاكيًا أو باكيًا ما اعترضه معاكسًا أثناء عمله، بل عليه أن يتقبل ذلك كمعطية مستعصية من الواجب حلها[3]

2. الإيمان بما يحمل من أفكار

إن المبادئ والأفكار في ذاتها -بلا عقيدة دافعة- مجرد كلمات خاوية أو على الأكثر معان ميتة. والذي يمنحها الحياة هي حرارة الإيمان المشعة من قلب إنسان. فلن يؤمن الآخرون بمبدأ أو فكرة تنبت في ذهن بارد لا في قلب مشع.

آمن أنت أولا بفكرتك، آمن بها إلى حد الاعتقاد الحار، عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون. وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة[4]

3. معرفة الرجال

على القائد أن يتفهم مرؤوسيه بشكل جيد، حتى يستطيع إملاء أوامره حسب قدرة كل واحد منهم. تاركًا للنابغين والكفء منهم استخدام بداهتهم، وماسكًا بيدٍ يقظة الذين لا يحسنون التصرف بمفردهم[5]

4. البداهة والمبادرة والقدرة على أخذ القرار وإنفاذه

إن القدرة على أخذ القرار صفة لازمة للقيادة، فإذا تجرد منها القائد يصاب عمله بالشلل، وفي الوقت نفسه إذا مارس معاونيه صلاحية القرار بدلًا منه، فهذه هي الفوضى بعينها[6]

5. الواقعية

ونذكر هنا قول ريشيليو:

الأكثر خطرًا على الدولة هم الذين يحكمونها بحكم ومبادئ يستخلصونها من كتبهم

فهذا الذي يكون كل مصادره الكتب فقط، لا يكاد يستطيع التعامل مع الواقع، فيبقى حالمًا بالنتائج رغم كون الظروف التي ذُكرت في الكتب لا تناسب ظروف واقعه، لكنه لا يحسن غير ذلك. وهذا لا يعني أن نترك النصوص والعقائد والصواب، ولكن هذه النصوص والعقائد جعل أهل العلم إعمالها بشيء اسمه: فقه الواقع ومناط القياس وظروف الفتوى ومعالجة الناس ومخالطة القضايا وإلى آخره.

6. الرِّفق وحسن الخُلُق

الرفق وحسن الخلق من صفات القائد

تنشأ العلاقات الإنسانية بين القادة والمرؤوسين بالأمور الصغيرة أولًا. فعندما يعرف القائد كيفية التكلم مع المرؤوسين موحيًا لهم بأنه يعرف أوضاعهم ويقدرها؛ يكون قد اتبع أنجح وسيلة لكسب ثقتهم وزرع الاطمئنان بداخلهم. فالقائد الذي يضع نفسه بقرب تابعيه أثناء شدتهم لتخفيف معاناتهم أو مشاركتهم نصرهم وفرحتهم فهو يدخل قلوبهم، وتعادل خطته هذه العديد من سنن الحكم.

فلا يمكن حكم الرجال عندما لا يمكن امتلاك قلوبهم

7. الحزم.

لا بد من توفر الحزم والثبات لدى القائد الذي يتوجب عليه التدخل في الوقت المناسب لردع الخطأ أو الانحراف عن الطريق السوي.

الشدة من أحسن أساليب القيادة عندما تكون عادية لا تكلف فيها، ولكنها تفقد الكثير من فعاليتها عندما تأتي بصورة مفاجئة وعنيفة، يحِقُّ للرؤساء أن يكونوا حازمين وأشدّاء باستمرار، ولكن يجب أن يتجنبوا الانفعال المفاجئ بعد هدوء طويل. فلا يستطيع المرؤوس أن ينتقل بين شخصية القائد التي ألفها وهذه الشّدة المفاجئ[7]

8. العدل.

يرغب الجنود فطريًا أن يسود العدل بينهم، فإذا شعروا بظلم رئيسهم تأثّروا وثاروا حتى لو كان هذا الرئيس مظلومًا. وقد يتقبل الجندي القسوة والإرهاق ولكنه يفقد صوابه نتيجة التصرفات التعسفيّة. فإذا لم يُظهر استياءه حفظه في قلبه كجرح صامت لا بد أن يبدو يومًا على شكل حقدٍ جارف أو كره عميق[8]

فمن العدل:

  • توزيع الثناء والتأنيب بكل تبصُّر.
  • الاعتراف بأعمال المرؤوسين الطيّبة وأفكارهم المبدعة والتعمُّق فيها.
  • مراعاة أسباب الفشل لمن بذلوا قصارى جهدهم وإمكانياتهم بلا نتيجة.
  • الوقوف على الحياد في كل مناسبة، وعدم الانحياز الناتج عن الاستلطاف أو النفور.
  • تأمين تحصيل المناصب على المرؤوسين وترفيعهم حسب الإمكانيات والمواهب الثابتة الأكيدة. وليس حسب المعرفة المسبقة أو المديح الذي يكيله المرؤوس.

9. أن يكون عدوًا للروتين

على الرئيس ليستطيع أخذ المبادرة أن يكون عدوًا للروتين والأساليب المتعارف عليها والمبادئ الجامدة، فكم حطَّمت الوظيفة والروتين شبابًا ذوي كفاءات وقدرة على القيادة، بقتلهم روح الاندفاع في نفوسهم[9]

10. التثبُّت والأناة

هذا خلق متعلِّق بمكارم الأخلاق العامة التي تلزم كل مسلم، ولكنها من باب أولى أساس عمل القائد، وصُلب القيادة. فقد قال تعالى:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» [الحجرات: 6]

قال ابن المقفع:

«لا يدعنَّ السلطان التثبت عندما يعطي ويمنع، فإن الرجوع عن الصمت، أحسن من الرجوع بعد الكلام، وإن العطية بعد المنع أفضل من المنع بعد العطية»

وقد قال الشيخ سعيد حوى:

كم أهلك ترك التثبت ناسًا، وكم خلَّف آلاما، وكم أوقع بين الإخوة والأقارب، وبين الأمراء بعضهم ضد بعض، وبين الوزراء بعضهم ضد بعض، فلا تستقيم حياة ولا حكم ولا إمرة بدون هذا الخلق[10]

جملة من الصفات التي تلزم القائد، لكن لا يسع المجال لذكر تفاصيلها

Good-leader

  • احترام الكائن البشري
  • إعطاء القدوة الحسنة
  • التنبؤ
  • العلم والقدرة في اختصاصه
  • أن يكون للقائد فيمن يشاوره ويعاونه مُتمِّم لنقصه في المعلومات
  • سعة الثقافة العامة
  • وفرة التجارب ومخالطة الناس
  • الكرم والشجاعة
  • الصبر واليقين
  • صفة العقل
  • صفة الحِلم
  • كظم الغيظ والغضب
  • العفو
  • الوفاء بالعهد والوعد
  • كتم السر
  • الدَّهاء
  • التواضع ونفي الكِبر والغرور
  • الـمُداراة
  • عدم قبول السِّعاية والنميمة
  • المتابعة

الفنون التي تلزم القائد

humble-leader

  1. فن تربية وصياغة الرجال.

  2. فن التنظيم

  3. فن القيادة

    ولا تعني القيادة لَيِّ القدرات أو سحقها، ولكن تطويعها لتناسب المهام المزمع تنفيذها

  4.  فن المراقبة

  5. فن التوبيخ والتعني

    إن القائد الذي يخشى توجيه التوبيخ الضروري ويميع المواقف، بداعي تجنب المشاكل والقصص فهو غير ذات أهلية. ذلك لأنه يخلق جوًا من الخلل بالنظام، واللامبالاة بصورها المختلفة. وهو جبان ينتهي بنظرة الاحتقار من قبل مرؤوسيه

  6. فن توجيه العقوبة

  7. فن التشجيع وتوجيه المكافآت

  8. فن إضعاف وتحييد الصعوبات

  9. فن الحصول على المساعدات، واختيار المساعدين

  10. التعاون مع غيره من القادة

مصادر الشخصية القيادية

  1. عامل الوراثة

  2.  العلوم والمعارف

  3. الخبرة والممارسة

  4. التدريب

إن نجاح الأعمال والمنظمات اليوم يعتمد على نجاح القادة وحسن إدارتهم للموارد البشرية والطبيعية وكذا مجاراتهم لعلوم ومعارف العصر، وخاصة بعد أن دخلنا في تلك الحرب الشعواء التي لا تذر أخضرًا ولا يابسًا أتت عليه إلا دمرته، فليس أقل من أن نصنع ذلك الجيل من القادة الذي يكمل ما حاولنا العمل عليه، فما قدمه هذا الجيل من تضحيات أغلى من أن يُترك في مهب الريح بدون قادة تواصل السير وتزود عن تلك المكتسبات والتضحيات.


المصادر:

[1] ج. كورتوا، لمحات في فن القيادة، تعريب هيثم الأيوبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1986، ص 7.

[2] هايل عبد المولى طشطوش، أساسيات في القيادة والإدارة، دار الكندي، ص 149.

[3] ج. كورتوا، الطريق إلى القيادة وتنمية الشخصية، ترجمة سالم العيسى، دار علاء الدين، دمشق، الطبعة الأولى 1999، ص 38.

[4] سيد قطب، أفراح الروح

[5] ج. كورتوا، الطريق إلى القيادة وتنمية الشخصية، ترجمة سالم العيسى، دار علاء الدين، دمشق، الطبعة الأولى 1999، ص 44

[6] المرجع السابق، ص 28

[7] ج. كورتوا، لمحات في فن القيادة، تعريب هيثم الأيوبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1986

[8] المرجع السابق

[9] أبو مصعب السوري، مفهوم القيادة

[10] سعيد حوى، فصول في الإمرة والأمير، دار السلام، الطبعة الثانية 1994، ص 38-039

2506

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

التعليقات

  • العربية منذ 3 سنوات

    مقال قيم، لكن حبذا لو تترجموا الصورة التي تحمل صفات القيادة من الانجليزية للعربية، فتضعوا صورة بالعربية!

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.