لعل ما نكتبه اليوم يأتي بعد القراءة المستمرة والتحليل فنحن لدنيا عاملان الوقت والمعلومة التي تتوافر عبر الكتب وأثير الإنترنت والذي لم يكن متاحاً وقتها فدائماً الحُكم على الأحداث أسهل من القدرة على اتخاذ القرار أثناء الحدث ذاته.

نعم سقطت الخلافة العثمانية، وبسقوطها سقط ذلك الميثاق الغليظ الذي يلتف حوله جميع المسلمين والرابط المميز الذي يجعلك تتذكر دائمًا بأن هناك مسلم لك أخر على هذه الأرض في مكان بعيد يستحق دعمك، رابط يجعل مسلم يحترق غمًّا وكمدًا يجلس في أقصي الأرض من أجل مسلم في أدني الأرض يُعذب أو يتم اضطهاده.

فالخلافة هي نظام للحكم بين المسلمين كالشيوعية والرأسمالية والجماهيرية-التي اخترعها القذافي وحاولوا الترويج لها حتى مقتله-. وهي-أي الخلافة-تقوم على استخلاف قائد مسلم ليحكم بين المسلمين بالشريعة الإسلامية في دولة تشمل كل المسلمين عامة في شتي بقاع الأرض.

هل الخلافة إلى زوال؟

دعونا نتخيل بأن شخصين X وY يسكنون بإحدى شوارع القاهرة أو دمشق أو القدس أو إسطنبول أو الهند عام 1900 ميلاديًا فإذا بـ X يخبر محمود بأن الخلافة ستزول ويأتي زمان على المسلمين لا يتخيلون أصلا ً وجود الخلافة كفكرة والحديث عنها سيكون من درب الماضي ومظهر من مظاهر التخلف. هلا تتوقع رد؟

نعم سيرد Y بأن هذا مستحيل فالخلافة لا تنتهي أبدًا، فزوال الخلافة في ذلك الوقت أمر لا يتقبله العقل ولا تستوعبه النفس، فمنذ وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت هناك الخلافة الراشدة تبعتها الخلافة الأموية فالخلافة العباسية حتى بتطور وتقدم الأندلس الرهيب على المستوى العلمي والعسكري لم تعلن الخلافة الأموية بالأندلس حتى لا تختلط الأمور على المسلمين إلا بشروط وقواعد صارمة نتيجة لتغير الأحداث وتطورها واتساع رقعة بلاد المسلمين.

بين الخلافة الأموية والفاطمية

فإن الإمارة الأموية السنية في الأندلس لم تخرج من التقليد حتى قامت الدولة الفاطمية الشيعية في المغرب التي أسقطت دول الخوارج ودولة الأدارسة ودولة الأغالبة وهي دولة نشأت من 184 حتى 296هـ، فأصبحت هذه الخلافة وجهاً لوجه مع الإمارة الأموية في الأندلس لا يفصلهما إلا المضيق ودخلت هاتان الدولتان في صراعات مريرة من أشهر مظاهرها إعلان الخلافة الأندلسية عام 316هـ من قبل الأمير عبد الرحمن الناصر، الذي لقب من هذا العام ولقب الذين جاء من بعده وإلى عام 422هـ بلقب الخليفة الأندلسي، وبذلك كسرت قاعدة وحدة الخلافة الإسلامية وأصبحت للخلافة ثلاثة نظم وهي الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية والخلافة الأندلسية.

وبرر الفقهاء تعدد الخلفاء إذا كانت هناك مصلحة تقتضي ذلك واعترفوا بشرعية خليفتين للمسلمين في آن واحد بشرط أن يكون بينهما مسافة كبيرة ومسافة شاسعة لمنع الاصطدام والفتن بين المسلمين.

كما أن ضعف الخلافة العباسية في المشرق أيام الخليفة المقتدر كان سبباً ومبرراً لذلك فخوف المسلمين من زوال الخلافة، أو ظهور خلافة شيعية حينها كان يستدعى ظهور خلافة قوية أخرى، ولنعلم أن كل خلافة تمتد عبر فترة زمنية يتخللها ضعف وقوة، وقوة وضعف.

انتقال بين الضعف والقوة

ولكن على مرِّ القرون والأزمنة فإن ضعف الخلافة يكون مقروناً بظهور خلافة قوية تتسلم خلافة المسلمين من الخلافة الأضعف لتتنقل في كل مرة عاصمة الخلافة تباعاً ويكون الانتقال إما بحرب بين الخلافتين الضعيفة والقوية كما حدث بسقوط الخلافة الأموية على أيدي قوات أبو مسلم الخرساني وظهور الخلافة العباسية القوية.

أو بانهيار الخلافة عن طريق عدو خارجي كالتتار والذين دمروا عاصمة الخلافة العباسية بغداد وانتقال الخلافة إلى القاهرة صحيح الانتقال كان سياسياً فطالما رفض الخلفاء العباسيين شرعية وجود المماليك وإعطاء الشرعية لشجرة الدر أو المماليك فالشرعية كانت تقتضي وقتها أن يقر الخليفة شرعية الحاكم في شتي ولايات المسلمين الخاضعة للخلافة.

من العباسية إلى العثمانية

واستمرت الخلافة العباسية في القاهرة حتى الفتح العثماني لمصر سنة 923 هـ، فنقل العثمانيون آخر الخلفاء المتوكل على الله الثالث إلي إسطنبول وانتهى أمر الخلافة العباسية القاهرية وبذلك تم الإعلان عن أخر خلافة وهي الخلافة العثمانية الرشيدة المجيدة التي لا ينكر فضلها إلى المسلمين إلا جاحد. أخطأت وأصابت وجاهدت وصانت أمر المسلمين قرابة 400 عام.

ثم سقطت الخلافة العثمانية 1924 للأبد حيث تم إلغاء الخلافة وهو أمر حديث على المسلمين فلم يتم إلغاء خلافة من قبل فسقطت دون أن تظهر خلافة أخرى أو يتسلم الخلافة العثمانية خلافة أخرى.

ولكن هنا السؤال:

 هل لم تأتي الفرصة للخلافة العثمانية أن تقوم بنقل الخلافة إلي دولة مسلمة أخري قوية ؟! هل لم تظهر دولة مسلمة قوية في مراحل ضعف الخلافة العثمانية تُنقل إليها الخلافة ؟!

يتبع في المقال القادم


الكاتب: كرم صبحي منصور

3331

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com.

التعليقات

  • عبدو خليفة منذ 7 أشهر

    انهارت الخلافة العثمانية وسقطت بسبب انتشار الفكر الغربي العلماني في وسط الطبقة العليا من المجتمع التي تشكل منها الطاقم السياسي للدولة بدعم من الماسونية حيث وجدت في المنافقين يهود الدونما أرضا خصبة ومطية توصلهم إلى غايتهم التي هي القضاء على الاسلام السياسي المتمثل آنذاك في الدولة العثمانية.

    رد
  • عيسى منذ شهرين

    عندما بدا افول الخلافة في القرن 17 لم يتفطن لذلك القادة و الامراء و الخلفاء لان الشخصية الاسلامية فيهم كانت جانب ضئيل منهم و بذلك فان افق الوعي و الادرك تناقص بقدر ضئالة المكون الثقافي الاسلامي لشخصيتهم فلا يشعرون باقتراب خطر فقدان مايكسبون لقلة مايملكون وبذلك انصرفت اهتماماتهم الى غير مايجب لحفظ بيضة الاسلام وتفاقم ذلك الى فقدان كل شيء – ان الجهود التي ستبذل للاسترجاع الخلافة ستكون باظعاف وبكاهل موروث مثقل بكل الاوزار التي تقاعس عنها اسلافنا في تنفيذها فيصبح الواجب اثقل بما فيه من الحمولة الدين و بما فيه من وعي واستعداد الاعداء للمنع وبما فيه من حتمية التدارك للوقت- آه يله من وزر ثقيل لولا عظم الاحر-

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.