ليست العبرة في أن نكون ممن لقي الرسول صلى الله عليه وسلم بالنظر، وعاش عصره وأحبه وعاصره وأتبعه، لكن العبرة في أن يكون قلبك حاضر محب لرسول الله في أي عصر كنت.
يعتبر أويس خير مثال لنا لم يَرَهُ الرسول صلى الله عليه وسلم في عين البصيرة، إنما إلتقى معه بالروح، فوصفه لأصحابه وصفاً دقيقاً، ليكون لنا عبرة ومثال نمتثل به، وخير كلام يوصف سيدنا أويس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. لكن قبل أن نبدأ حديثنا ونبحر في كلام رسول الله – عليه الصلاة والسلام- ووصفه لـ سيد التابعين، لنستهل الحديث بموجز معلومات عن سيدنا أويس.

 

من هو أويس القرني؟

أويس بن عامر القَرَنيّ – بفتح القاف والراء وتشديد الياء-، لقب بسيد التابعين، أحد الزهاد الثمانية الذين تركوا الدنيا، ملذات الدنيا، فحفظهم الله وآتهم من فضله ورضوانه، هو من الذين قال الله فيهم: “والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا”. ولد في اليمن، بلدة قرن، من قبيلة عربية تسمى مراد، ولد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه لم يلتقي به، ولو أنه نظر إليه نظره لَعُدَ من الصحابة، لكنه من لم يلقاه بعين البصيرة كما أسلفنا ولكن إلتقاه الرسول -عليه الصلاة والسلام- بالروح، فصار من التابعين.

 

وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأويس القرني

بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين أصحابه، قال لهم: “إن خير التابعين رجل يقال له أويس، له والدة، وكان به بياض فدعى الله فأذهبه عنه إلا موضع الدرهم، ثم استغفر الرسول -صلى الله عله وسلم- لإويس، ثم أكمل حديثه وقال: يا أبا هريرة إن الله تعالى يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء، الشعث رُؤوسهم المغبرة وجوههم (المغبرة وجوههم أي من كترة السجود ) ، الخَمصة بطونهم إلا من كسب الحلال (الخمصة بطونهم أي لا يأكلون إلا القليل) ، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يُؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يُدعوا، وإن طلعوا لم يُفرح لطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يُشهدوا.
قالوا يا رسول الله: كيف لنا برجل منهم ؟! (أي ليس موجود بيينا مثله).
فقال صلى الله عليه وسلم: ذاك أويس القرني.
قالوا يا رسول الله: وما أويس القرني؟
قال -عليه الصلاة والسلام- : أشهل ذا صهوة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، آدم شديد الأدمة، أسمر شديد السمار، ضارب بذقنه إلى صدره، رامي بذقنه إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلوا القرآن يبكي على نفسه، متزر بإزار صوف و رداء صوف، مجهول من أهل الأرض معروف من أهل السماء، لو أقسم على الله لأبر قسمه، ألا وتحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء -أي برص-، ألا وأنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد أدخلوا الجنة ويقال لأويس قف فاشفع، فيشفع الله -عز وجل- من مثل عدد ربيعة وَمُضَر -أكبر قبيلتين في العرب- ثم التفت وقال: يا عمر ويا علي، إذا لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما يغفر الله تعالى لكما.!
ذاك أويس الذي يطلب منه أصحاب رسول الله وخيرة خلق الله أن يستغفر لهم، علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه- الذي يطول الحديث عنه، وعمر الذين قال عنه الرسول – صلى الله عليه وسلم- لو كان بعدي نبي لكان عمر.

 

إلتقاء أمير المؤمنين مع سيد التابعين

بعد عدة سنوات وبعد أن انقطع الوحي عن أهل الأرض بانتقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى، وأظلمت الدنيا برحيله، خلفه من بعده “أبي بكر الصديق” – رضي الله عنه-، وبعد وفاته – رضي الله عنه-، خلف من بعده أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب” – رضي الله عنه-. وفي خلافته، كان كلما جاءه وفد من اليمن يسألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ وفي ذاكرته حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتمر الأيام والسنين ومازال صاحب رسول الله يبحث عن أويس بين وفود المسافرين الوافدين من اليمن لينفذ وصية حبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءه وفد من اليمن بيوم من الأيام، فسأل كعادته: أفيكم أويس بن عامر؟ قالوا نعم، فترك سيدنا عمر المسجد وذهب يبحث عنه، فوجده ينظف الرواحل ويطعم الرواحل أي المسافرين.
فقال له: ما اسمك؟
قال: عبد الله.
قال -رضي الله عنه-: كلنا عبيد لله، ما اسمك الذي سمتك به أمك؟
قال: أويس.
قال: أويس بن عامر؟
قال: نعم.
قال: من مراد ثم من قرن؟
قال: نعم.
قال: فكان بك برص فَبَرَأك الله منه إلا موضع درهم.
قال: نعم.
قال: ألك والدة؟
قال: نعم.
قال له أمير المؤمنين: سمعت رسول الله يقول يأتي عليكم “أويس ابن عامر” مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص ثم برأ منه إلا موضع درهم، له والده هو بَرٌ بها لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فاستغفرلي يا أويس، فاستغفر له.
وفي رواية أن علي وعمر – رضي الله عنهم- عندما سمعا بخبر وجوده في المدينة خرجا إليه وسألاه عن إسمه، وطلبا أن يدعوَ لهما فدعى للمسلمين، قالوا: خصنا بالدعاء والإستغفار، قال: ما خصصت أحد في حياتي.
أصحاب رسول الله وخلفائه والمبشرين بالجنة يطلبون من تابعي أن يستغفر لهم، وكل هذه السنين يبحث عمر -رضي الله عنه- عن أويس القرني فقط ليعمل بما أوصاه به النبي صلى الله عليه وسلم.

 

 يا ليت أم عمر لم تلد عمر!

بعد أن فرح أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب” – رضي الله عنه- بلقاء أويس بعد كل هذه السنين، أراد أن يبقيه بجانبه ويأنس بصحبته، خاطبه وسأله عمن ترك من أهله في اليمن، فقال له: أمي، ثم سأله إلى أين تريد؟ قال: أريد الكوفة. قال: ألا أكتب لك إلى عاملها -واليها-. قال: أكون في غبرات الناس أحب إليّ -أراد أن يبقى مع بقايا الناس

وليس المشهورين المتقدمين
ثم طمع أمير المؤمنين في أن يستغفر له مرة أخرى، فألح عليه وقال له استغفر لي، قال سيدنا أويس: أويستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين؟ قال له سيدنا عمر – رضي الله عنه-: استحلفك بالله أن تستغفر لي؟ قال أويس: اللهم اغفر لعمر أمير المؤمنين. فأمن أمير المؤمنين على دعائه وقال له: من اليوم أنت أخي لا تفارقني، لكن أويس رفض ذلك، ورغب في الرحيل ترك الشهرة وأراد أن يبقى مجهولاً في الأرض، فلما رأى منه ذلك أمير المؤمنين طلب منه أن ينتظره ليأتي إليه بنفقة وكسوة وقال له: هذا موعد بيني وبينك لا تخالفه، طلب منه ألا يرحل حتى يأتي له بذلك، لكن أويس قال له: لا ميعاد بيني وبينك لا تراني بعد اليوم ولا أراك، ثم قال: ما اصنع بالنفقة وماذا أصنع بالكسوة، إكتفى بردائه الصوف ونعاله وبعض دراهم أجرة عمله.
ذلك أويس يزهد في الدنيا ولا يريد منها شيئ، كان يستطيع أن يصبح واليا ويملك من الدنيا ما يملك لكنه زهد وترك كل ذلك ما أراد شيئاً من الدنيا، باع الدنيا لأجل رضى ربه، لأجل شراء الجنة. ثم قال أويس: يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويديك عقبة كئودا -أي أن الطريق للآخرة صعبة للوصول- لا يجاوزها إلا ضامر مخف مهزول -أي لا يصلها أحد نظيفاً خالياً صافياً إلا الضامر الضعيف المخف المهزول الذي لا يحمل شيئا ليس له ولا عليه- فأخف يا عمر!
وما إن سمع عمر كلامه الذي يتفطر منه القلب، فرمى ما بيده ونادى بأعلى صوته: ألا ليت أم عمر لم تلده، يا ليتها كانت عاقراً لم تعالج حملها، ألا من يأخذ الدنيا بما فيها ولها. فلما رآه أويس على هذا الحال هدأ من روعه وقال: يرحمك الله يا أمير المؤمنين خذ أنت ها هنا حتى آخذ أنا من ها هنا.
على كل ما فيه عمر من زهد أيوجد من أزهد منه؟ إنها نظرة النبي – عليه الصلاة والسلام- الثاقبة لإدراكه لمخاطبة عمر لأويس والإستفادة منه بالرغم من مكانة عمر -رضي الله عنه- وقيمته أفضل من سيد التابعين أويس، إلا أن في ذلك عبرة لعدم وجود مانع أن يأخذ الأفضل من المفضول، أن يأخذ الأحسن من الحسن دروس من العلم دروس في الزهد.

 

أن أكون في غبرات الناس أحب إليّ !

وصلنا إلى آخر محطة في حياة سيد التابعين، بعد أن رحل عن المدينة وأختار أن يكون في غبرات الناس وذهب إلى الكوفة، ترك الشهرة والمال، ترك الدنيا وما فيها وأختار الزهد، لم يصلنا عن حياته الكثير لإنه لم يكن معروفاً، كان مجهولاً في الأرض معروفاً في السماء، اختار هو ذلك ولم يكن يعرف بنفسه على أحد حتى لا يعرفه الناس، نحن بصدد ثلاث حوادث في حياته.

الحادثة الأولى:-

عن “هرم بن حيان” -أحد الزهاد الثمانية أيضاً- قال: كنت أبحث عن أويس ولا أعرف أين أجده ولا أعرفه، لكني دُفعت إلى شاطئ الفرات بشكل لا إرادي، فرأيت رجلاً يتوضأ ويغسل ثوبه، فسلمت عليه ومددت يدي لأصافحه فلم يصافحني، فبكيت عليه من حاله كان رث الثياب، فعرفته بالقلب ومن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعاد عليه السلام وقال له كيف أنت يا أخي يا أويس؟
قال أويس: حياك الله يا أخي يا هرم بن حيان، من دلك علي؟
قال ابن حيان: دلني عليك الله -عز وجل-.
ثم قال: كيف عرفت إسمي ولم ترني؟
قال أويس: عرفت روحي روحك حيث كلمت نفسي، لأن الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد، وإن المؤمنين يتعارفون بروح الله -عز وجل- وإن ناءت بهم الدار وتفرقت بهم المنازل.
ثم طلب منه ابن حيان أن يدعو له وأن يوصيه، فأوصاه بخير الكلام كلام الله -عز وجل- فقرأ عليه قوله تعالى : “إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين” ، ثم لم يتمالك نفسه فشهق وأغمي عليه تأثراً باللذي قرأه، ثم أفاق وقرأ عليه قوله تعالى: ” يوم لا يغني مولاً عن مولاً شيئاً ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم”، ثم ذكره بالموت وموت الأنبياء، وذكر له عن “عمر بن الخطاب” وقال: حبيبي وأخي عمر قد مات، مع أنه في ذلك الوقت لم يكن قد مات لكنه كان ينظر بعين البصيرة، وقال له: وأنا غداً وأنت من الموتى، هذه وصيتي لك يا ابن حيان: كتاب الله، فعليك بذكر الموت، وأنذر قومك إذا رجعت إليهم، وإياك أن تفارق الجماعة فتفارق دينك وأنت لا تشعر، ثم دعى له الله أن يلقاه في الجنة، ثم قال له: أستودعك الله، السلام عليك لا أراك بعد اليوم تطلبني، وتفارقا، وبحث عنه ابن حيان كثيراً في الكوفة لكنه لم يستطع أن يلقاه بعدها أبداً.
وكان أويس سيد التابعين إذا أمسى قال هذه ليلة القيام فيصلي فيبقى قائماً إلى قبيل الفجر، أو يقول إذا أمسى هذه ليلة السجود فيبقى ساجداً إلى قبيل الفجر، أو يقول هذه ليلة الركوع فيبقى راكعاً أيضاً طيلة الليل، وكان إذا أمسى يتصدق بما معه من طعام ويدعو ويقول اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به ومن مات عرياناً فلا تؤاخذني به.

الحادثة الثانية:-

“أسيد بن جابر” كان صديقا لأويس مع من يجالسونه في الكوفة، يروي قصة عن مجموعة رجال كانوا يستهزئون بأويس كل يوم، وتدور الأيام ويذهب هؤلاء إلى المدينة، فكان عمر -رضي الله عنه- في كل حج يسأل عن أويس، فلما ذكره عرفوه، وقال لهم عن حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وقال لهم: بلغوه مني ومن رسول الله السلام، فلما عادوا ذهب زعيم المستهزئين إليه وطلب منه الدعاء، فأجابه أويس على طلبه مقابل أن لا يستهزئ به بعد اليوم، وأن لا يخبر أحداً عما قاله أمير المؤمنين، لكن الخبر انتشر في الكوفة فما كان لأويس إلا أن توارى عن الأنظار.

الحادثة الثالثة:-

في آخر زمن عمر والفتوحات الإسلامية وصلت إلى أذربيجان -الإتحاد السوفييتي سابقا- خرج أويس مع المجاهدين لفتح تلك البلاد، وفي طريق العودة بعد الفتح يقول أصحابه: مرض أويس فحاولنا علاجه فما استطعنا، فمات في الطريق، فنزلنا بالمكان الذي مات فيه لنرى ماذا نصنع، فوجدنا قبر محفور وماء مسكوب وكفن وحنوط، وكان المكان لا يوجد فيه أحد، فالتفتنا لنرى من حفر القبر فما وجدنا أحداً، فغسلناه ودفناه، وصلينا عليه، ثم مضينا قليلاً، وقلنا لو رجعنا علمنا قبره، فلما رجعوا لم يجدوا قبراً ولا أثراً، فعرفنا أنها كرامات.
وهكذا رحل حبيب رسول الله وحبيب عمر، انتقل ولا أحد يعرف أين قبره، رحل وهو مجهول في الأرض معروف عند أهل السماء، رحل كما عاش في غبرات الناس. ما أراد أن يعرف في الحياة، فأعطاه الله ما أراد ولم يعرف قبره بعد الوفاة، رحمه الله وجعلنا كأمثال سيد التابعين “أويس ابن عامر” في غبرات الناس، مجهولين في الأرض معروفين في السماء.

 

بقلم:دانا

 

2314

الكاتب

دانا إبراهيم

إن صدقت العزم لوجدت الطريق.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.