نعيش اليوم في زمن يمكن أن نطلق عليه تسمية عصر المتناقضات، وذلك لتنوع الفرص ووفرة الطاقات، وتعدد مناهج الفكر ووسائل التطبيقات، ومع ذلك فالإنسان المعاصر ليس عنده وقت فراغ، فقد كثرت عنده الاحتياجات وازدادت المتطلبات، وهو-دائما-مستغرق في العمل طول الوقت، يتقلب من شغل لشغل، وينتقل من مصلحة إلى أخرى، فيستغرق فكره ويبذل جهده من الشروق إلى الشروق، ويعود أحيانًا إلى بيته ليتمم بعض المشروعات، ويراجع ما تبقى عنده من الملفات، ويمتد العمل الإضافي عنده إلى  آخر الليل، دون أن يخلد إلى الراحة أو أن يتمتع بجلسة مع أسرته وأولاده، وهكذا انقضت سنوات عمره كأنها لحظات.

فيا لها من حياة متعبة مضنية! ويا لها من جهود متتابعة مرهقة!

حياة كلها سعي في مختلف الدروب، وحركة سريعة دؤوب، سببت احتياجًا ومسألة لدى الأفراد والشعوب!

لقد احتاج الإنسان للإنسان من قديم الأزمان، وهو أحوج ما يكون إليه الآن! ولا غرابة في ذلك، فالإنسان اجتماعي بطبعه، يؤثر ويتأثر، يأخذ ويعطي، ينفعل ويتفاعل، فالحياة إذن مشاركة، إنها مشاركة في الأفكار والأدوار، ولكل واحد منا فكر يعيش به لنفسه، ويتعايش به مع غيره من إخوانه وأقرانه وخلانه، وله أيضًا دور يلعبه في حلقات حياته المتنوعة الثرية، وهنا إشكالنا الذي يطرح نفسه:

كيف تكون عبودية الإنسان لأخيه الإنسان؟!

إنها قصة طويلة فصولها الأيام والليالي، وأبطالها البشر رجالًا ونساء، شيبًا وشبانًا، ومكانها هو كوكب الأرض، إذ تم فيها استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، فعانى أحدهما الاسترقاق، حتى بلغ السيل الزبا والأفاق! أتدرون ما السبب؟

إنها المسألة الدائمة للبشر، والحاجة اليومية لبني آدم. أي والله، لقد ركن الإنسان لأخيه الإنسان في كل شيء، سأله مرارًا في الحضر، و طلبه تكرارًا  في السفر، فظهرت المسألة بصور مختلفة: علمية، فكرية، مالية، نفسية، اجتماعية…حتى صار ملتصقًا به، فلا يتحرك إلا به، ولا يطلب إلا منه، ولا يتوجه إلا إليه!

آيها الإخوة الكرام:

لقد أثنى الله-تبارك وتعالى-على ذلك المتعفف، الذي لا يسأل الناس شيئًا، فقال سبحانه وتعالى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)

وقد ورد في السنة ذم للإلحاف ففي صحيح مسلم عن معاوية-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:

لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته

وقد بينت السنة ضابط السؤال، ومن يجوز له أن يسأل، كما روى أبو داوود وأحمد وبن حبان عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جنهم، قالوا: وما يغنيه قال: ما يغديه أو يعشيه)

قال الخطابي: وقد اختلف الناس في تأويله، فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث، وقال بعضهم إنما هو فيمن وجد غداءه وعشاءه على نحو دائم، فإذا كان ما يكفيه لقوته المدة الطويلة، فقد حرمت عليه المسألة.

آه، وألف آه  ممن امتهنوا التسول فصاروا لا يبالون! كيف بهم وهم يملكون أقواتهم، وهم لأيديهم يمدون!

ويحذر لقمان الحكيم ولده من ذل السؤال، فيقول: يا بني إياك والسؤال، فإنه يذهب ماء الحياء من الوجه! وأعظم من هذا استخفاف الناس بك.

فالسائل يضحي بأمرين اثنين:

  1. إنه يبيع كرامته بثمن بخس مقابل حاجة مادية أو معنوية.
  2. وإنه يبيع مكانته بين الناس، ويصبح عرضة للامتهان.

وينبهنا شريح القاضي من غفلتنا، ويحذر الناس إلى خطورة المسألة، فيقول:

من سأل الناس حاجة فقد عرض نفسه للرق، فإن قضاها المسؤول منه استعبده بها، وإن رده عنها رجع كلاهما ذليلًا، هذا بذل السؤال، وذلك بذل البخل

يا لها من حكمة تستوجب منا التوقف لفهمها والاستفادة منها! من سأل الناس حاجة، فهي حاجة واحدة، ليست بالكثيرة، لكن آثارها مدمرة خطيرة! فقد عرض نفسه للرق، أي كان هو الجاني على نفسه بنفسه لبيع نفسه في سوق النخاسة، فأغلى ما تملك عبوديتك لربك، والتي تحررك من رق المخلوقين، وأغلال وسلاسل السجانين!

أخي إني لك ناصح أمين، فاسمع مني وافهم عني!

دونك نفسك لا تبعها فتندم ولات لا ينفع الندم! نعم، إنها لعبودية حقًا، لأن فيها سكون القلب لقدرة ذلك الشخص على قضاء المصلحة، ولأن فيها التذلل والاستسلام له بما يشبع في نفس الآخر أنه قاضي الأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولأنها قد تقدح في عبوديتك لله-تبارك وتعالى-فاحذر أخيه من الزلل!

يقول أحد الحكماء:

احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عما شئت تكن نظيره، وأنعم على من شئت تكن أميره

فالناس إذن ثلاثة: أسير، نظير، أمير

فالأسير: جريمته الاحتياج الدائم، الذي قتل فيه نخوة العزائم، ولوى على وجهه العمائم، فهمته في التراب وقلبه نائم!

والنظير: فقد سلم من العيلة والعوز والفاقة، فهو متعفف لا يستمد من بشر جهدًا ولا طاقة، بل يبذل وقته ويكد، وفي عمله يكدح ويجتهد، فتقديم رأسه للقطع أهون من مد اليد!

وأما الأمير: فهو للخيرات سفير، وللمساعدات وزير، فهو مبادر ذو عطاء وفير، قد سلم من البخل والجبن والتقصير.

وختاما

فلنقبل على الله-عز وجل-ولنجمع شتات قلوبنا على محبته وخوفه ورجاءه، ولنغسل أيدينا من صنع البشر، وطمعنا فيما يقدمونه من جهد و فكر، وصل الله على صاحب الجبين الأنور، والوجه الأزهر.

 

414

الكاتب

عبد الغني حوبة

أستاذ بمعهد العلوم الإسلامية جامعة الشهيد حمه لخضر الوادي-الجزائر، خطيب بمسجد الصحابة تكسبت الوادي، ماجستير شريعة وقانون تخصص قانون دولي إنساني.

التعليقات

  • Ghendir Said منذ 5 سنوات

    شكرا جزيلا استاد على المقال المفيد
    نسال الله ان يجعلنا ممن لا يسالون الناس إلحافا وان يغنينا من فضله
    امين

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.