قامت الكاتبة والباحثة في الشأن الاقتصادي: ناعومي كلاين ببحث حول ما أسمته المعالجة بالصدمة: والذي هو مذهب رأسمالية الكوارث، القائم على استغلال كارثة ما، سواء كانت انقلابًا، أم هجومًا إرهابيًا، أم انهيارًا للسوق، أم حربًا، أم تسونامي، أم إعصارًا… من أجل تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية. وذكرت لذلك أمثلةً عدةً منها على سبيل المثال لا الحصر: إندونيسيا وتشيلي والأرجنتين والبرازيل وروسيا والعراق.

عقيدة الصدمة

ولأن مصر دائمًا صاحبة سبق في الظلم والطغيان ما كان لها أن تُفوِّت فرصة كهذه دون أن تضع بصمتها، حيث يأتي إعلان الحكومة المصرية عن سعيها للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي قدره 12 مليار دولار على ثلاث سنوات، تأكيدًا على حالة الانهيار الاقتصادي التي تعيشها الدولة المصرية… فهل يصبح هذا القرض-من الناحية العملية-القشة التي يتعلق بها الاقتصاد المنهار، أم أنه القشة التي قصمت ظهر البعير؟! دعونا نرى…

اقرأ أيضًا: أولى بشائر قرض صندوق النقد: إلغاء دعم الوقود بمصر

تجربة تشيلي

بدأت تشيلي تسير بخطوات واثقة نحو تحقيق رفاهية اقتصادية لشعبها، بيد أن ذلك الوضع لم يرض عنه البيت الأبيض؛ فأُصدِرت الأوامر بضرورة سقوط تشيلي في براثن الجهل والتخلف والفقر. راق هذا الأمر كثيرًا لقسم الاقتصاد بجامعة شيكاغو فلقد كانوا بحاجة إلى فأر تجارب لنظريتهم التي أسسها فريدمان حول العلاج بالصدمة.

منحة بنكهة أيديولوجية محضة

اجتمع لهذا الأمر رجلان أمريكيان هما: آلبيون باتريسون، وتيودور شولتز، حيث عقدا اجتماعًا في مدينة سانتياغو في التشيلي عام 1953، وخلُص الاجتماع إلى ضرورة وقوع معركة للأفكار في سنتياغو. حيث تم التأسيس لتلك الحرب عن طريق برنامج تعليمي أيديولوجي محض قُدِّم من جامعة شيكاغو للجامعة الكاثوليكية بتشيلي على هيئة منحة دراسية لطلبة الجامعة لدراسة الاقتصاد بجامعة شيكاغو.

تيودور شولتز

تيودور شولتز

رويدًا رويدًا تحول قسم الاقتصاد بالجامعة الكاثوليكية إلى نموذج مصغر لأفكار جامعة شيكاغو، وبدأ هؤلاء الطلاب الذين أُطلق عليهم “صبيان شيكاغو” محاولة تغيير الفكر المجتمعي حول الماركسية وضرورة التوجه إلى الليبرالية الحديثة أو النيوليبرالية.

حرب باردة بين تشيلي والبيت الأبيض

لكن الشارع التشيلي كما صناديق الاقتراع آمنوا بالماركسية المعتدلة حد الاعتقاد، وهزموا تلك الأفكار الدخيلة، وأسفرت الانتخابات التشيلية التاريخية للعام 1970 عن فوز سلفادور آلندي على إثر وعوده التنموية والتي شملت زيادة العمالة وتأميم كبرى الشركات التشيلية، وتعويض أصحاب المصانع والشركات التي تضررت إثر حالة الركود الاقتصادي العالمي.

سلفادور آلندي

سلفادور آلندي

كاد الأمر ينتهي هنا، وتُرمى هذه التجربة إلى مزبلة التاريخ… لكن حدث أمر في الولايات المتحدة ألقى بظلاله على التجربة التشيلية، حيث وصل نيكسون-والذي عرف بسياسته الخارجية الماكرة-إلى سدة الحكم؛ فتبنى حلم صبيان شيكاغو وأساتذتهم، وطلب بشكل رسمي من مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية، ريتشارد هلمز، أن:

يُنزِل الألم بالاقتصاد التشيلي

مصر تعيد إنتاج الخراب

طالت قرارات آلندي التنموية كبرى الشركات عابرة القارات والتي كان على رأسها شركة ITT الأمريكية والتي كانت تملك 70% من الاتصالات في تشيلي. انفقت ITT ثمانية مليون دولار بين رشي قوى المُعارضة، وتصعيدات لمطالب فئوية وتخريب للاقتصاد التشيلي، كان الهدف منها  حسب تقرير مجلس الشيوخ الصادر في حزيران/ يونيو 1973:

توريط وكالة الاستخبارات الأمريكية في خطة سرية للتلاعب بنتيجة الانتخابات التشيلية، وقد صُمِّمت تلك الخطة لضمان عدم نجاح الرئيس المُنتخب خلال الشهور الستة الأولى من ولايته بإقامة حرب اقتصادية، وتظاهرات فئوية، وإضرابات عمَّالية…

رأس المال والعسكر

عندما وجد متمثلو النيوليبرالية أن تلك الحلول المستترة لا تأتي بالنتيجة المرجوة؛ اجتمعت قوى الشر من الشركات متعددة الجنسيات وخرجوا بتوصية بدعم انقلاب عسكري يحدث في تشيلي بعد عام واحد فقط من الانتخابات الرئاسية. وشكَّل رجال الأعمال ما أطلقوا عليه «بنية تحتيَّة حربيَّة» من شأن جزء منها التفاوض مع المؤسسة العسكرية، ومن شأن الجزء الآخر إعداد خطَّة ممنهجة يتبعها الجيش حال سيطرته على الحكم ونجاح الانقلاب، وبالطبع أُوكِل الجزء الخاص بالخطة الاقتصادية إلى صبيان شيكاغو.

في عام 1973 نزل الجيش للشارع بقيادة الطاغية بينوشيه وتحولت شوارع تشيلي إلى ساحة حرب مخلِّفةً آلاف القتلى وأضعافًا مضاعفة من المعتقلين، حيث كانت الدبابات تطلق طلقاتها في العلن على الميادين والمؤسسات الحكومية التابعة لآلندي، وفُتحت المعتقلات والسجون واستشرى التعذيب المُمنهج القائم على إفقاد المعتقلين لتأثير المؤثرات الحسية، وأصبح الموت داخل المعتقلات أو فقد العقل أمرًا طبيعيًا متكررًا.

انقلاب بينوشيه في تشيلي

انقلاب بينوشيه في تشيلي

الصدمة العسكرية

ولكن الغريب في هذه الحرب أنها كانت أحادية الجانب، فمن شدة الصدمة عجز التشيليين المؤيدين للرئيس عن الرد، ولا أعلم إن كان حالف أتباع بينوشيه الحظ لإنتاج تسلم الأيادي النسخة التشيلية أم أنها كانت براءة اختراع مصرية. ثم جاء دور بينوشيه ليظهر في الإعلام ويلقي بيان الانقلاب-أو الثورة المجيدة-حيث صور في خطابه أن الاشتراكيين ما هم إلا عملاء لروسيا-تركيا وقطر النسخة التشيلية-جاءوا لزعزعة الأمن التشيلي وإنفاذ مخططاتهم. عمد بينوشيه ومرتزقته إلى اعتقال أعضاء مجلس النواب وكل الساسة البارزين في تشيلي الذين لم يدعموا “الثورة المجيدة”.

نتج عن تلك الحرب أحادية الجانب، والتي وُصف فيها الجيش بأنه قنبلة موقوتة: اختفاء أكثر من 3,200 شخص، واعتقال 80 ألفًا على الأقل، وهجر 200 ألفٍ البلد لأسباب سياسية. لم تنتهِ الصدمة هنا، فقد أصبح الشعب من هول الصدمة العسكرية كالصفحة البيضاء المُهيَّأة للكتابة عليها. أُشيع عن بينوشيه أنه ذو شخصية تابعة لا يقدر على أخذ قرار بمفرده، بل كان يتبع قادته في كل قراراتهم، وبذلك استطاع بينوشيه خداع آلندي نفسه.

الصدمة الاقتصادية

سرعان ما اكتشف بينوشيه في نفسه قدرة غير طبيعية على الاستبداد، وأنه قدر الله في الأرض وحامي حمى البلاد، واصفًا نفسه بأنه طبيب جاء لمعالجة الشعب التشيلي من ويلات الماركسية-وحقيقة لا أعرف إن كانت هذه الترجمة دقيقة فالنسخة المصرية تظهر أنها طبيب الفلاسفة وليست طبيبًا فقط-. رأى بينوشيه في بلاده انهيارًا اقتصاديًا كبيرًا إثر ما سببته شركة ITT من أزمات لإزاحة آلندي عن الحكم، فعمد بينوشيه إلى إنفاذ تعاليم صبيان شيكاغو ومعالجة الوضع التشيلي عن طريق الصدمة الاقتصادية بعد نجاح الصدمة العسكرية، حيث:

  1. خفض الضرائب على الشركات متعددة الجنسيات.
  2. زيادة الضرائب على الشعب.
  3. وتحرير التجارة.
  4. وخصخصة الخدمات الأساسية كالمياه والتعليم.
  5. وخفض الإنفاق الحكومي بنسبة 10%، ولكن لا تذهب بخيالك بعيدًا فالجيش ليس خاضعًا للإنفاق الحكومي، فلقد شهد الإنفاق على الجيش ارتفاعًا كبيرًا تقديرًا لجهودهم في محاربة الإرهاب.
  6. وتحرير الاقتصاد من الرقابة.
  7. رفع القيود عن الاستيراد.

فريدمان يتدخل لينقذ الوضع

أشار الوضع القائم في تشيلي إلى أن تلك التجربة قد باءت بالفشل فلقد وصلت نسبة التضخم في عام واحد فقط إلى 375% أي ضعف ما كان عليه في عهد آلندي، كما بدأ الحلفاء الاقتصاديون بالتذمر؛ فكان لزامًا على فريدمان أن يتدخل لإنقاذ تجربته الوليدة… فرأى فريدمان وتلاميذه أن سبب تلك الأزمة أن الحكومة لم تنفذ المعالجة بالصدمة بشكل حازم، وأوصى فريدمان بضرورة زيادة إجراءات الصدمة الاقتصادية وعلى رأسها تخفيض الإنفاق الحكومي بنسبة 25%، أي أنه يرى مشكلة بينوشيه أنه لم يكن ديكتاتورًا بما يكفي!

ميلتون فريدمان الحائز على جائزة نوبل فالاقتصاد

ميلتون فريدمان الحائز على جائزة نوبل فالاقتصاد

وحيال خوف بينوشيه من الغضبة الشعبية نتيجة ارتفاع نسبة البطالة والتي سترتفع أكثر بعد الصدمة الاقتصادية التي سيطبقونها، أكد فريدمان أن هؤلاء العمال الذين سيُطردون من أعمالهم الحكومية سيجدون فرصة جديدة للعمل في المؤسسات الخاصة التي ستنتعش سريعًا بعد تنفيذ الخطة الجديدة ورفع القيود عن السوق وإزالة العوائق-كل العوائق-أمام المستثمرين. وأكد فريدمان في نهاية حديثه على أن:

التدرُّج ليس ممكنًا

على خطى تشيلي

نترك تشيلي قليلًا لنذهب إلى النسخة المصرية: فعلى خطى تشيلي سار الوضع المصري دون أي خروج عن النص، لنجد أن ما حدث في تشيلي هو بعينه ما يحدث في مصر، فخلال هذا الشهور الأخيرة، اتبعت الحكومة المصرية سياسة العلاج بالصدمة الاقتصادية، بعد نجاحها في إحداث الصدمة العسكرية. وتعمد الحكومة الآن إلى الاعتماد على التغييرات الكبيرة المفاجئة، تأكيدًا لمبدأ «التدرُّج ليس ممكنًا». فلقد أكد السيسي مرارًا على اتباعه لإجراءات اقتصادية “قاسية” مؤكدًا أن: المحاولة الأولى لإجراء إصلاح حقيقي كانت في 1977، في إشارة إلى إعلان حكومة السادات رفع الدعم عن ثلاثين سلعة استراتيجية كالخبز والسكر والأرز.[1]

السيسي

وفي محاولة لتمرير الفصل التعسفي الذي سيحدث قريبًا: أعلن السيسي أن الضغط الشعبي خلال الفترة بين 2011 و2012 أدَّى إلى تعيين 900 ألف موظف لا تحتاج إليهم الدولة، مما يزيد حجم الدين العام الذي تجاوز 100% من الناتج الإجمالي لمصر.

أما عن الأجور-والتي لا تكفي في معظم الوقت لإكمال المصروفات الشهرية-أوضح السيسي أن رواتب الموظفين ارتفعت بنحو 150 مليار جنيه لتصل إلى 228 مليار جنيه مقابل 90 مليار جنيه فقط قبل الثورة، ما حمل الدولة الاستدانة لسد الأعباء المالية.

ويشمل برنامج الإصلاح الاقتصادي -الذي يفترض أن تنفذه الحكومة المصرية في مقابل قروض صندوق النقد-خفض عجز الموازنة، وخفض سعر الجنيه المصري، وفرض ضريبة جديدة للقيمة المضافة، ورفع الدعم الكامل عن الوقود، وارتفاع أسعار الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وغاز طبيعي.

يصنع الخراب ويتهم الشعب

كما أكد السيسي على أن مسئولية تحسين الأوضاع الاقتصادية هي مسئولية اجتماعية في الأساس-ويكأن الشعب هو من نهب الأرز الخليجي والمساعدات الأجنبية، ولربما يقصد مزيدًا من الجوع والتقشف لأن أوزان الشعب زائدة وهم بحاجة إلى حمية غذائية للمحافظة على صحتهم-ذاكرًا أن التحدي الحقيقي هو:

مدى قبول المجتمع والرأي العام، الإشكالية تكمن في إذا ما كان الرأي العام لديه الاستعداد أو قدر من المعرفة لقبول الإجراءات التي قد تكون صعبة أو قاسية[2]

في ظل تلك الإجراءات الاقتصادية على طريقة المعالجة بالصدمة التي وضعها فريدمان، وسار عليها كبار الطغاة: هل تنجح مصر في مهمتها؟ وهل ما زالت لدينا فرصة للخلاص؟ هذا بالضبط ما سنجيب عنه في الجزء الثاني من المقالة؛ فتابعوا القصة…


المصادر:

[1] السيسي: لن أتردد في اتخاذ إجراءات اقتصادية صعبة

[2] السيسي يتحدث عن إجراءات اقتصادية “قاسية”

[3] كتاب عقيدة الصدمة نعومي كلاين.

[4] الفيلم الوثائقي: عقيدة_الصدمة

1803

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

التعليقات

  • Ah Sabry منذ 3 سنوات

    Waiting ..

    رد
    1. دينا راغب منذ 3 سنوات

      تم نشر الجزء الثاني اليوم.

      رد
  • Marokkanisher منذ 3 سنوات

    طبعا تلفيقات من الشيوعيين في تجربة تشيلي كنت لأتطرق لها بالتفصيل لو كان الموضوع يستحق.
    اليك الخلاصة…اليوم تشيلي دولة ديمقراطية حقيقية و حرة و ضمن دول منظمة OECD التي لا تلجها الا الدول المتقدمة.
    هي أكثر دول امريكا اللاتينية ازدهارا و استقرار و دخل الفرد السنوي يبلغ 3,6 دخل المصري…استطيع سرد المؤشرات التي تدل على تفوق نموذج تشيلي على دول المنطقة الى مالانهاية.
    طبعا هذا باقتصاد السوق الحر الذي استمر في اتباعه حتى الرؤساء الاشتراكيون في تشيلي و هذا دليل على نجاحه.

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.