اختيارات المحرر

قلق السعي إلى الشهرة الرقمية: البواعث والمآلات

باتت ساحات التأثير الرقمي قِبلةً للطامحين إلى النجومية وميدانًا للظفر بقلوب الجماهير، حتى أضحت قصص المؤثرين وصناعة المحتوى تستحوذ على اهتمام الناس بمختلف فئاتهم. ولما كان حبُّ الصيت والاشتهار غريزةً مركوزةً في النفس البشرية؛ فإن المنصات الرقمية -بما تتضمنه من خوارزميات ذكية- تعمل على إذكاء هذه الغريزة وجعلها أكثر صخبًا وتوهجًا، وأصبحنا نرى سباقًا محمومًا بين جموع المستخدمين لصنع هوية رقمية مؤثرة. 

ولنا أن نتساءل: هل الرغبة في ذيوع الصيت والتقدير الاجتماعي تمثل الباعث الرئيس وراء هذا التشوّف للشهرة؟ أم أنَّ هناك بواعث أخرى تُغذي هذا النزوع المتزايد نحو الأضواء؟!

مفهوم الشهرة في طوره الأول

إن الناظر إلى الخط الزمني الذي مرّت به الشهرة يجد أن هناك تغيرات جوهرية طرأت على طرائق تحصيلها وسبل انتشارها؛ ففي الماضي كان صاحب الموهبة الذي يبرُع في مجالٍ ما، محطًا للأنظار ويُشار له بالبنان، ويستحوذ ذكره على مجالس السّمر، وأمسيات الأدب؛ لأن النفس البشريّة تميل بطبيعتها إلى الاحتفاء بالنادر والإعلاء من شأنه. 

وعلى الرغم من ذلك، فإن ذيوع الصيت كان قديمًا مقيدًا بمحدودية وسائط النقل آنذاك، والتي أشار إليها ابن خلدون (ت: 808ه) في مقدمته الشهيرة، حيث يقول: “الشُّهرة والصّيت إنما هما بالأخبار1؛ وهذا يعني أن النوابغ الذين يقطنون في أرضٍ قصية يغيب فيها الناقل للأحوال؛ سوف تظل شهرتهم حبيسة البقعة الجغرافية التي ينتمون إليها. والذي يتحصّل لنا مما تقدم؛ أن بلوغ الشهرة في الأزمنة الغابرة يتطلب -في الغالب- توفر مرتكزين أساسيين؛ الأول: أن يكون لدى المرء موهبة استثنائية تميزه عن أقرانه، والثاني: وجود الوسيط الناقل (المخبر عن هذه الموهبة). 

وهذه القاعدة -كغيرها- لم تسلم من بعض الاستثناءات؛ فقد ينال المرء الشهرة بأفعاله الدنيئة والمذمومة، وهنا يعوّل على طبيعة ثقافة المجتمع في تحديد الإطار الذي يتم فيه تداول أخبار هؤلاء المشاهير.

الشهرة الرقمية

تشظي القيمة الدلالية لمفهوم الشهرة

حين تعرّف الإنسان على مفاتيح عمل الآلة، ابتكر كل ما يُسهم في تحسين معيشته، وطرق تواصله مع الآخرين، فجاء المذياع يهتف للناس بحوادث الساعة من كل أصقاع الأرض، ثم ظهر التلفاز محدثًا نقلةً نوعية في تطور مفهوم “الشهرة” لا سيما في قدرته على توسيع نطاق انتشارها؛ حيث أصبح بإمكان المرء أن يكتسب الصيت من خلال تكثيف “الظهور البصري المتكرر”. 

ثم اندلعت بعد ذلك ثورة المنصّات الرقمية التي وُلِدَتْ من رحم الشبكة العنكبوتية “الإنترنت”، مما مهّد الطريق أمام الجماهير الغفيرة للسيطرة على زمام السلطة الإعلامية، وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، تعرّض مفهوم الشهرة للابتذال، وفقد قيمته الدلالية التي أشرنا إليها آنفًا، وأضحى عباءةً يتناوب على ارتدائها الحمقى وضعاف العقول، وقد عبّر عن هذا المعنى الروائي البريطاني جيمس جراهام بالارد (ت: 2009م) حين قال: “لقد ابتُذِلت الشُّهرة حتى غدت أشبه بحساء سريع التّحضير؛ سهل الإعداد، معدوم القيمة، بلا طعم ولا فائدة غذائية2.

تشظي القيمة الدلالية لمفهوم الشهرة

تآكل القيم في فضاء الثراء الرقمي

تُمثّل تطبيقات التواصل الاجتماعي البيئة الحاضنة التي ترعرعت في كنفها ثقافة “الثراء الرقمي السريع”؛ حيث عملت تلك التطبيقات على الترويج لفكرة أن كل مستخدم يمكن أن يصبح “مشهورًا”، وقد اعتمدت على منظومة من الخوارزميات العمياء التي تختزل “الشهرة والتأثير” في أرقام المشاهدات، وتفاعلات الإعجاب، دون أدنى اعتبار لجودة المحتوى أو قيمته المعرفية؛ مما أدى إلى حالة من الانفلات الأخلاقي لدى طائفة كبيرة من اللاهثين وراء بريق الثراء، وشهوة الظهور، حيث جنحوا إلى صناعة المحتوى الهابط، الذي يعمل على تقويض أركان المنظومة القيمية للمجتمع. 

وقد كشفت نتائج الدراسة التي قامت بها آشلي ميرز (Ashley Mears) حول سوسيولوجيا الخوارزميات عام (2025م)، أن المتابعين يميلون عادة إلى التفاعل مع المحتوى الصادم، الذي يثير الدهشة والفضول، ويستفز الغرائز الانفعالية؛ وبناءً عليه، تُصعّد الخوارزميات هذا المحتوى ليدخل في دائرة (الترند، Trends)3؛ لأنها تعمل وفقًا لآلية “البقاء للأكثر تفاعلًا”، وهو ما يفسر تعمُّد معظم المؤثرين اللجوء إلى المحتوى المبُتذل كاستراتيجية مدروسة لضمان البقاء تحت الأضواء، وتحقيق المكاسب المادية. 

المال مقابل المكانة: نموذج جبل الجليد

رأينا كما تقدّم، أن هناك باعثين أساسيين يُفسّران هذا السعي الحثيث وراء الشهرة الرقمية، وهما: جني الأموال، والرغبة في المكانة والجاه، ولكن أيهما أكثر قيمة من الآخر؟ يجيبنا عن هذا التساؤل الإمام الشاطبي (ت:790هـ) حيث يقول: “حظ الذكر والتعظيم والرياسة والاحترام والجاه القائم في الناس من أعظم الحظوظ التي يستحقر متاع الدنيا في جنبها.”4 

ويعضد هذا التأصيل ما أشار إليه الباحث البريطاني المعاصر ويل ستور في كتابه “لعبة المكانة”، من أنَّ معظم الموظفين يفضلون الترقية إلى رتبة وظيفية عالية على زيادة الراتب فحسب.

ومُرادنا من بسط هذه الأقوال، هو التأكيد على أن الإنسان تتملكه نزعة فطرية نحو الجاه والتعظيم والمنزلة الاجتماعية الرفيعة؛ وهي نزعة يمكن رصدها بوضوح في واقع مؤثري ومشاهير التواصل الاجتماعي؛ فبالرغم مما بلغه بعضهم من ثراءٍ عريض، إلا أنهم يقضون جُلَّ وقتهم في صناعة محتوى يستهدف الحفاظ على حضورهم الذهني ومكانتهم الافتراضية لدى جمهور المستخدمين، حتى وإن تطلب الأمر التحرر من بعض القيود والأعراف المجتمعية. 

ونخلص مما سبق، أن بواعث السعي إلى الشهرة الرقمية كجبل الجليد، يمثل المال الجزء الظاهر منه (القمة)، في حين تحتل النزعة إلى المكانة والتقدير وانتشار الصيت قاعدته العريضة والعميقة التي قد تخفى على الكثيرين.

بواعث السعي إلى الشهرة الرقمية كجبل الجليد

عمالقة بأقدام فخّارية

ختامًا، وتأسيسًا على ما تقدّم من تحليلٍ لظاهرة الشهرة الرقمية بتجلياتها المختلفة، نخلصُ إلى أنَّ مآلاتها تتركز في فكرةٍ واحدة؛ وهي أنَّ هؤلاء المشاهير الغارقين في هوس النجومية يعيشون في عالمٍ افتراضي يتسم بالهشاشة البنيوية. وأعني بذلك أنَّ البناء الذي شُيدت عليه تلك التطبيقات يفتقر للموثوقية ويعتريه الوهن، وقابلية انهياره واردة في كل حين، وقد صدق بعضهم حين قال: “إن كونك مشهورًا على إنستغرام يشبه تمامًا كونك ثريًا في لعبة مونوبولي!“، في إشارة واضحة إلى الطبيعة غير المستقرة للمنصات الحالية. كما أنه لا يمكن التعويل أيضًا على رغبات الجماهير المتأرجحة، حيث لا ينالُ رضاها إلا المؤثر الذي يرهن ذاته ومحتواه لمزاجها، وهو ما اصطلح على تسميته بـ “الاستئسار للجمهور“. وهذا يفضي بدوره إلى حالة من الإنهاك النفسي؛ فالمؤثر في قلقٍ دائم جراء مطاردة أرقام المشاهدات، وكل إخفاقٍ في الوفاء بمتطلبات جمهوره يُعكّر صفو يومه، ويدفعه قسرًا للتفتيش عن المحتوى القادم، مؤملًا أن يعتلي قائمة “الأكثر تداولًا”.

وأصدق ما يوصف به هذا المشهد المحزن؛ أنَّ هؤلاء المصابين بهوس الشهرة أشبه بعمالقةٍ عِظام، لكنهم يقفون على أقدامٍ فخارية؛ لو قُذفت بحجارةٍ صغيرة، لسقطت من عليائها وصارت نسياً منسيًا.

قائمة المصادر

  1. العصيمي، عبد المحسن بن أحمد. (2013). مختصر مقدمة ابن خلدون. (ط.2). قرطبة للنشر والتوزيع. ↩︎
  2. Ballard, J. G. (2009). The atrocity exhibition. HarperCollins. “A kind of banalization of celebrity has occurred: we are now offered an instant, ready-to-mix fame as nutritious as packet soup.” ↩︎
  3. Mears, A., & Beauvais, T. (2025). Learning to like the likes and the hate: The labor of internet fame in the new attention economy. Social Problems, (1), 1–18 ↩︎
  4. الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (1438هـ). الموافقات. (453:3)، تحقيق الحسين سعيد، نشر البشير بن عطية، (ط. 1). ↩︎

د. وليد مخلد العتيبي

أستاذ علم النفس التربوي. كاتب ومُدون مهتم بالقضايا الفكرية والنفسية. نُشر له العديد من المدونات… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى