نبذة تاريخية

إن الصراعات والنزاعات في عالمنا لا تنتهي، فمنذ تواجد البشر على هذه الأرض تواجدت الصراعات بينهم، ولكل صراع سببه، فهذا صراع من أجل سلطة وهذا صراع بسبب حسد أو حقد وهذا من أجل الحصول على امرأة، ومع وجود الصراعات وجد معها القتل كحل لاستئصال الآخر والتخلص منه، وكان أول من ارتكب هذه المعصية من البشر قابيل بن آدم عليه السلام، وفعل ذلك بسبب حقده على أخيه لأن الله تقبل صدقته ولم يقبل منه، قال النّبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل) [رواه مسلم].

  • أبو لؤلؤة المجوسي

كثر القتل بعد ذلك بين البشر وانتشر فأصبح الناس يبحثون لإيجاد طرق لقتل الغير بدون ترك أي أثر أو دليل قد يكون ضد القاتل، فلجأوا إلى تسميم الغير بوضع السم في طعام الضحية أو شرابه. انتشرت طريقة التسميم فأصبحت مستعملة من طرف المحاربين والقتلة، فيقومون بدهن أسلحتهم من سيوف وسهام ورماح بهذه السموم ليفتكوا بضحاياهم التي إذا لم تمت بالطعن فإنها تموت بالسم، وقد استعمل هذه الطريقة أبو لؤلؤة المجوسي عليه لعنة الله فقد طعن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب بخنجر مسموم له رأسان.

  • نابليون

كان نابليون يغمس الحراب في سم السيانيد ليضمن أنها سوف تقتل من تصيبه حتى لو جاءت في غير مقتل من جسده، وفي أثناء الحرب الأهلية في أمريكا، كان بعض جنرالات الاتحاد يصنعون “حامض الهيدروكلوريك” وكذلك “غاز الكلور” الخانق بحيث يمكن إطلاقهما مع القذائف.

  • الهنود الحمر

وكان الهنود الحمر يغمسون رؤوس سهامهم وحرابهم في سم مادة «كورارى» السامة التي كانوا يستخرجونها من الضفادع، بحيث إذا أصاب السهم العدو لا بد أن يقتله، إن لم يكن بسبب الإصابة، فسوف يموت بسبب السم.

بداية استخدام الأسلحة الكيميائية

أثناء الحرب العالمية الثانية احتاج المتقاتلون فيها إلى أسلحة تستطيع القضاء على العدو بأعداد أكبر وبطريقة أسرع، وكان اختيار القادة مصوبا نحو سلاح من أسلحة الدمار الشامل وهي الأسلحة الكيميائية. كان أول استعمال حقيقي للأسلحة الكيميائية في الحرب العالمية الأولى عام 1915م، استعملته ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا فرمتهم بغاز الكلور الخانق ليموت ثلث الأشخاص الذين أصيبوا، وقد نشر هذا الغاز الرعب بين الجنود لما له من قدرة كبيرة على القتل، في عام 1917م استعملت ألمانيا من جديد هذه الأسلحة ولكن هذه المرة وقع الاختيار على الغاز الخطير الذي يسمى بغاز “الخردل”، فردت عليها دول الحلفاء عام 1918م بإطلاق غاز الكلور الخانق على القوات الألمانية فقتلت منهم الآلاف.

Embed from Getty Images

بعد الحرب العالمية الأولى انتشر تصنيع هذه الأسلحة الفتاكة فانتشر بذلك استخدامها في أنحاء العالم: «بريطانيا ضد العراقيين عام 1920م، إسبانيا ضد المغاربة عام 1921م، ومصر ضد اليمن في حرب اليمن الشمالية، واستعملت أيضا هذه الأسلحة في حرب كوريا، وحرب فيتنام، وحرب العراق ضد إيران، واستعملها صدام حسين ضد الأكراد، واستعمله بشار الأسد ضد الشعب السوري السني عام 2013م مستخدما غاز السارين، واستعمله فلاديمير بوتين ضد الشعب السوري السني عام 2017م».

تعريف الأسلحة الكيميائية

هي عبارة عن استخدام المواد الكيميائية السامة في الحروب لغرض قتل أو تعطيل الإنسان والحيوان وإلحاق الضرر أيضا بالنباتات، ويتم ذلك عن طريق دخول هذه المواد الجسم سواء باستنشاقها، أو تناولها عن طريق الفم أو ملامستها للعيون أو الأغشية المخاطية.

وهذه المواد الكيميائية، قد تكون غازية أو سائلة سريعة التبخر ونادرا ما تكون في الحالة الصلبة. وتطلق المواد الكيميائية عادة في الفضاء أو تلقى على الأرض، سواء بالرش مباشرة بواسطة الطائرات على ارتفاع منخفض، أو وضعها في ذخائر على شكل قنابل أو قذائف، بحيث توضع الكيميائيات السامة في أوعية من الرصاص أو الخزف حتى لا تتفاعل مع مواد قابلة للانفجار أو مع جدار القذيفة، وعند وصول القذيفة إلى الهدف وانفجارها تتصاعد المادة الكيميائية السامة على شكل أبخرة مسببة الموت الجماعي.

أنواع الأسلحة الكيميائية

هناك عدة أنواع من الأسلحة الكيميائية وسنكتفي بذكر الأشهر منها والأخطر، ثم ذكر طرق الوقاية منها وعلاج المصابين بها.

أ- الغازات الخانقة.

تعتبر الغازات الخانقة من الأسلحة الخطيرة جدا على الإنسان فهي تأثر على مجرى التنفس والرئة، وتعمل على إنتاج سوائل داخل هذه الأخيرة مما يسبب غرقا للمصاب وذكر المختصون أن هذا يسمى “بالغرق البري”، وهذه الغازات لا لون لها ولكن رائحتها قوية يمكن التعرف عليها، ويذكر أن الكيميائيين يحاولون دائما اختيار غازات تحمل خصائص معينة تساعد على قتل عدد أكبر من الناس ولوقت أطول فيختارون غازات لها خاصية البقاء طويلا في البيئة، كما يتم أيضا اختيار غازات يصعب اكتشافها من العدو حيث تكون لا رائحة لها ولا طعم ولا لون. ونذكر من هذه الغازات الخانقة:

  • الفوسجين: غاز لا يؤثر على البشرة والعينين ولكن يؤثر على الرئة فيسبب القتل البطيء، لا تظهر أعراض استنشاقه بسرعة، وتبدأ الأعراض بضيق في التنفس ثم الشعور بالغثيان وظهور زرقة في الجلد ثم فقدان الوعي.
  • الكلورين: غاز له لون أخضر له رائحة قوية، استنشاقه يؤدي إلى تلف مباشر لأنسجة الرئة.

طرق الوقاية منها والعلاج اللازم للمصاب

في حالة التعرض إلى نوع من هذه الغازات يجب على الأشخاص استعمال أقنعة التنفس أو التنفس من خلال قطعة فحم ملفوفة بقطعة من الشاش، أو قطعة من القماش مبللة بالنشادر أو كربونات الصوديوم، ويجب نقل المصابين بسرعة إلى مناطق آمنة ووضعهم في أماكن دافئة ومريحة ومحاولة تزويدهم بالأكسجين لمساعدتهم على التنفس، ويجب تفادي تقديم مسكنات للمصاب.

Embed from Getty Images

ب- غازات الأعصاب

غازات لا لون لها ولا رائحة، لها قدرة كبيرة في تدمير المصاب وقتله، تأثر على أعصاب المصاب فتنبهها وتسبب الشلل بسبب التعطيل الحركي، وتكمن خطورتها في أنها تأثر على من استنشقها أو طعمها من فمه أو امتصّها جلده، وتؤدي إلى القتل في لحظات. ونذكر من هذه الغازات:

  • غاز التابون: سائل يميل إلى اللون البني يعطي بخارا لا لون له، رائحته تشبه رائحة الفواكه، كمية قليلة منه تكفي لقتل المصاب في غضون دقائق.
  • غاز السارين: غاز لا لون له ولا رائحة، قاتل وسريع التبخر في حالاته السائلة، ويكفي أن تتوفر منه ثلاثة غرامات في غرفة ليفتك بنصف الأشخاص فيها في غضون دقيقة.

طرق الوقاية منها والعلاج اللازم للمصاب

للوقاية من هذه الغازات الخطيرة يجب اتخاذ قناع للتنفس ولبس لباس خاص وأحذية خاصة لتفادي امتصاص الغاز عن طريق الجلد، والذهاب إلى أماكن آمنة عكس اتجاه هبوب الرياح، ويمكن أيضا البقاء في غرف مصممة خصيصا للوقاية من هذه الغازات تكون التهوية فيها شبه معدومة، ويجب التفكير في هذه الغرف جيدا خاصة في حالة الحرب، ويجب الحذر من تناول أي طعام أو شرب ماء كان معرضا لهذه الغازات، وإذا أصيب الجلد بالغازات، تغسل المواضع بالماء الحار والصابون.

Embed from Getty Images

أما المصاب فيمكن التعرف عليه من خلال هذه الأعراض: تقلص بؤبؤ العينين أو امتداده بشكل واضح، سيلان اللعاب من فم المصاب، تقلصات في عضلاته، الشعور بالغثيان. يجب نقل المصاب مباشرة إلى المستشفى لتقدم له حقنات “الأتروبين” وبجرعات معينة، ليقدم بعدها له مشتقات “الأوكزيم”، كما يمكن أيضا تناول مضادات “أسيتايل كولينستريز” و”بيريدين الدوكسيم ميثيوديد”.

ج- الغازات الحارقة

استعملت لأول مرة في الحرب العالمية الأولى وكانت لها لون ورائحة ثم طورت لتقتل الضحايا بشكل صامت، تسبب تقرحات وحروق وتشوهات على مستوى البشرة وتؤثر على العينين والرئة. ونذكر من هذه الغازات:

  • الخردل: وهو عدة أنواع منه السائل ومنه الغازي وتضاف له عدة مواد كيميائية أخرى كالكبريت وغيره، يؤثر على العينين وقد يصيب الضحية بالعمى، ويحرق البشرة ويسبب تقرحات قد تؤدي فيما بعد إلى الإصابة بالسرطان، غاز له قدرة البقاء في البيئة لأسابيع، كما يمكنه المرور بسهولة عبر الألبسة للتأثير في الجلد.
  • الفسفور الأبيض: مادة شمعية لونها أبيض تتفاعل مع الأوكسجين وتسبب حروقا بالجلد قد تصل إلى العظام، ويمكنها خلع فك المصاب وتسبب نشوب حرائق في الغابات وغيرها.

طرق الوقاية منها والعلاج اللازم للمصاب

طريقة الوقاية تتمثل في لبس أقنعة التنفس وألبسة خاصة مصممة للوقاية من هذه الغازات، أما الشخص المصاب بالخردل في العينين فإنه يستعمل مرهم (بال)، ويدلك جفونه لمدة دقيقة ثم يغسلهما بالماء الحار والصابون، أما الشخص المصاب في جلده فإنه يغسل جلده بلطف للتخلص من السموم ويقوم بنزع ثيابه ولكن يقطعها تقطيعا ولا يمررها من رأسه كي لا تصاب العينين والجهاز التنفسي.

http://gty.im/141623226

امتلاك الأسلحة الكيميائية ليس أمرا مستحيلًا

يعتقد أغلبية الناس أن صنع الأسلحة الكيميائية أمر صعب جدا ومستحيل، وأن ذلك يتطلب خبرة طويلة ومعرفة كبيرة بعلم الكيمياء، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما، فإن طالبا في قسم الكيمياء بأحد الجامعات بإمكانه أن يعدّ مثل هذه الغازات وأن يستخدمها لأغراض عسكرية، خاصة وأن المواد التي تستخدم لصناعة هذه الغازات متوفرة في السوق وبكميات كبيرة، فيمكن للشخص أن يمتلك سلاحا خطيرا بأقل ثمن وبسرية تامة مع قدرة كبيرة في القتل وإصابة الأعداء.

ففي عام 1989م أعلن السيناتور الأمريكي “جون جلين” أن الجماعات المسلحة يمكنها صنع كميات كبيرة وضخمة، يمكن أن تصل إلى أطنان من الأسلحة الكيميائية وخاصة غاز الأعصاب، أو من الأسلحة البيولوجية الأخرى في غرفة كبيرة أو في مطبخ هذه الشقة. إذا كان صنع الغازات سهلا فالأصعب في الأسلحة الكيميائية هي طريقة نقلها للعدو، فكانت قديما توصل عن طريق الألغام أو قذائف الدبابات، وراجمات الصواريخ، وقنابل الطائرات، وهذا بعيد عن المنال، ولكن مع ظهور الطائرات بدون طيار أصبح من السهل جدا على أي مختص أن يشن هجوما كيميائيا ضد جماعات أو ضد دول.

خاتمة

رغم سهولة صنع هذه الأسلحة وسهولة استخدامها ضد الآخرين لاحظ الخبراء أن الجماعات المسلحة لم تستخدم أسلحة كهذه ضد أعدائها، ولم تسعى هذه الجماعات إلى استهداف مصانع أو أماكن تخزين هذه الغازات مما قد يؤدي إلى مجازر حقيقية، وقد نشرت الكثير من الدراسات حول فرضيات تعرض الدول لمثل هذه العمليات إلا أن ذلك لم يحدث، فهل العمل الأخير الذي ارتكبته روسيا ضد الشعب السني الأعزل في سوريا سيغير نظرة بعض الجماعات للأسلحة الكيميائية؟ وهل ستستعملها يوما ما ضد روسيا والغرب؟ أسئلة لا نملك جوابها ولكن الأمر وارد خاصة وأن تقارير تعود لعام 2015م تؤكد أن تنظيم الدولة بدأ يعمل على تصنيع غاز الخردل.

690

الكاتب

أبو ذر القصراوي

كاتبٌ صحفيٌ وباحثٌ إسلاميٌ مستقلٌ، كاتب صحفي لعدد من المواقع والمدونات والصُحُف المطبوعة. وكذلك حاصل على ليسانس في الهندسة المعمارية والعمران من جامعة بجاية كلية العلوم والتكنولوجيا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.