إن تاريخ  الخلفاء الراشدين من أقوى مصادر العاطفة الإيمانية الصادقة والمتوازنة، بل إنه عصر مليء بالدروس العبر التي تحتاجها الأمة في عقيدتها ومعاملاتها وسلوكياتها وفي دقائق حياتها. و لهذا فقد انتبه خصوم الإسلام لخصوصية هذه المرحلة وأهميتها، فتعرضوا  لتاريخ صدر الإسلام من خلال حملات التشكيك والبتر والتزوير والتأويل؛ وذلك لأجل  تغيب هذا التراث الثري النقي في تراب النسيان، و تشويه معالم جيل الصحابة الفريد في الأذهان. فتنقطع أواصر المودة و المحبة بين الأجداد والأحفاد، وتتسع الهوة في كل الأمكنة والآماد وتفقد الأمة بذلك رصيدًا هائلًا من القدوات الرشيدة، والنماذج الفريدة، ويستيقظ أبناؤنا على تاريخ أسود ممسوخ، ولحم متعفن مسلوخ، فيتنكرون لأصلهم، ويتنصلون من جذورهم، ويبحثون عن انتماء آخر يضمن لهم السعادة والريادة، ويقفز بهم في قمم المؤثرين من أهل القيادة، فيتيهون في الأرض! وتحل بينهم الهزيمة النفسية! والتي هي والله  قاصمة الظهر للأمة الإسلامية!

ومن الحقائق المؤكدة التي بينها الشارع الحكيم أن سير الخلفاء الراشدين جزء لا يتجزأ من المنهج القويم، وحبهم واتباعهم علامة على سلوك الصراط المستقيم، فأمرنا النبي-صلى الله عليه وسلم-باتباع سنتهم والسير على شرعتم، فقال -:

عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي

يا له من طريق سوي فيه أمر نبوي باتباع سنن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي! تالله لقد وصفهم رسول الله بالرشد والهداية، فهل لأحد منهم أن يُتهم-بعد ذلك-بالضلال والغواية! ولله در الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود إذ يقول:

من كان مستنا، فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا علي الهدي المستقيم

أيها الأخ الحبيب: أتعرف عمن سنتحدث؟

إنه شيخ الإسلام الوقور، إنه مرهف الحس والشعور، رجل القضية، وأبو المبادرات الفردية. سنغوص الآن في أعماق شخصية أبي بكر الصديق-رضي الله عنه-لنرى معالم شخصيته ونسمع عن مواهبه وعبقريته، ونشم عبق إبداعه ونلمس فن إقناعه. سنتعرف-بإذن الله-على مواهبه التي وهبه الله إياها، و ندرك استثماره الأمثل لها.

المواهب

إن المواهب هي رزق من الله-سبحانه وتعالى-يمنحها من يشاء، فهي عطية إلهية ومنحة ربانية، والناس مختلفون بالفطرة والسجية، فهم يتفاوتون في أمرين هما: العلم والإرادة، و نتج عن ذلك تنوع وثراء في المنتوجات والمصنوعات والمنجزات، فالبشر متنوعون ما يحسنون ويبدعون، وفي الواقع كلهم مبدع في مجاله، سواء علم بذلك أو جهل!

المواهب هي أشبه برصيد مالي لإنسان ما، إن لم يستثمره في مشاريع تعود عليه بالربح والنماء، فإنه سيخسر حتمًا  بلا مراء! وذلك لعدة أسباب:

  • لأن المال سيفقد قيمته الحقيقية بمرور الزمن!
  • لأن الفرص قد لا تتاح مرة أخرى للاستثمار!
  • لأن الموهبة ستضمر كالعضلة وتفقد قوتها إذا لم تستغل!

الموهبة هي نبتة عزيزة، وبذرة نادرة مطمورة في أرض الإبداع، لن تثمر وتزهر حتى يتعرف الزارع على مكانها، ثم يبذل جهده في رعايتها وسقايتها.

أيها الموهوبون

يا مجد الأمة ومجدديها! يا حاضر الأمة وماضيها! أنتم الأيادي المهرة، والعقول المبهرة، فتأملوا في أنفسكم، استخرجوا منها مهاراتكم، واستثمروها لتميزكم وتطوير ذاتكم، وضعوا بصمتكم في الارتقاء بمجتمعاتكم!

ألقاب أبو بكر

لقد لُقب الموهوب أبو بكر الصديق-رضي الله عنه-بعدة ألقاب، منها ما كان من عند الله، ومنها ما كان من عند رسول الله! ما أشبه الألقاب بالشهادات الممنوحة من جهة معينة، لأشخاص معينين بسبب إنجازاتهم وخبراتهم، فهي تسميات مهمة تعبر عن وضوح في الرؤية، وشمول في الأهداف، وتنوع في الوسائل، هدفها ثناء ذاكر ولسان شاكر على الجهود المبذولة، و دعاء لها بالاستمرار في العطاء والنماء. وتختلف مكانة اللقب بحسب المصدر المانح له على كثب،  فبه ترتفع الدرجات وتعلو الرتب.

لك الله يا صديق، قد نلت الشرف من أطرافه، ألقابك سماوية ربانية! ما أعظمك يا صديق، قد حزت الفخر كله، ألقابك نبوية محمدية!

إن تعدد الألقاب يوضح-بما لا يدع مجالا للشك-أن المُلقب نهر متدفق له طاقات وانطلاقات، قد نذر حياته متفانيا في خدمة المجتمعات، إذ ضرب بسهم في كل المجالات، واتسم بالتوسط ومراعاة فقه الأولويات.

فيا له من رجل والرجال قليل!  

العتيق

فقد لقبه النبي – صلى الله عليه وسلم-بالعتيق، فقال :”أبشر يا أبا بكر فأنت عتيق من النار” فهو-رضي الله عنه-عتيق لنضارة وجهه، وحسن نسبه، ولسبقه في ميدان الخيرات، ونجاته من النار بفضل دعوة المصطفى المختار

الصّديق

وقد لقبه النبي-صلى الله عليه وسلم-بالصديق، فقد روى البخاري عن أنس-رضي الله عنه-قال : “صعد النبي- صلى الله عليه وسلم-أحدًا، وأبو بكر، وعمر وعثمان، فرجف الجبل بهم فقال: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان

وقد لُقب بالصديق لكثرة تصديقه للنبي-صلى الله عليه وسلم-في أقواله وأفعاله وأحواله، فقد سعى للصديق رجال وقالوا-مستنكرين-: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟! هل يعقل هذا الكلام! ما نرى صاحبه إلا كاذبًا! فهل تصدقه بعد هذا؟ قال:

نعم إني لأصدقه في أبعد من، أصدقه في خبر السماء، يأتيه غدوة أو روحة

فرد عليهم ردًا أفحمهم، وبصدق محمد أعلمهم! يا له من استدلال منطقي وترتيب منهجي يا أيها الصديق؛ فالذي لا يكذب على الناس، فهو من باب أولى لن يكذب على الله ويفتري عليه!

الصاحب

ولقد لقبه الله-سبحانه وتعالى-بالصاحب في القرآن الكريم: “إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”

الأتقى

وقد لُقب – رضي الله عنه – بالأتقى لكثرة ما ينفق في سبيل الله، قال-عز وجل-: “وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى”

يا له من رجل متعدد المواهب! يا له من فــــــــذ كثير المناقب! لله دره من كريم لا يذكر المعايب!

موهبته في علم الأنساب وأخبار العرب

لقد تمتع أبو بكر الصديق في المجتمع الجاهلي بمكانة سامية، فهو أحد أشراف قريش ورجالهم الثقات، يقصونه في المشورات، ويستنصرونه في الملمات، فقد عُرف حقًا بالحكمة والحصافة، وهو صاحب نجدة وإغاثة، وقد كان آية في الكرم والضيافة!

تميز أبو بكر الصديق بتمكنه من علم الأنساب وأخبار العرب، فقد روى مسلم في صحيحة عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: “إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها”

واستثمر الصديق-رضي الله عنه-مواهبه التاريخية في علم الأنساب العربية من خلال نجاحه في دعوة صفوة من خير الخلق للإسلام، وهم على التوالي: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، و عبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم-رضي الله عنهم.

وقد طاف أبو بكر الصديق-رضي الله عنه-مع النبي-صلى الله عليه وسلم-على القبائل، وذلك لأجل استمالة قلوبهم للإسلام، فاستعمل الصديق علم الأنساب كوسيلة من وسائل الدعوة إلى الله.

موهبته في التجارة وكسب المال وتوظيفه

واشتهر أبو بكر بتجارته التي بلغت الأفاق، فقد ارتحل بين البلدان، وطاف بين الدول، وكان رأس ماله أربعين ألف درهم، وقد عُرف بسخائه وجوده، وطيب معدنه وحسن مقصوده! فقد أنفق ماله في تحرير الأرقاء الضعفاء، ونصرة الضعفاء، ابتغاء وجه الله، وطمعا في كرم مولاه، ومواقفه أكثر من أن تحصى، وأوسع من أن تستقصى!

ألم ينذر ماله وأهله وعياله في هجرة رسول الإسلام، وخدمة خير الأنام؟!

بلى، فقضية استثمار المال عند أبي بكر الصديق جلية و واضحة، ففقد فقه الصديق أن المال الذي يبقى هو الذي ينفقه صاحبه في  سبيل الله، يخرجه من  طيب ماله، سخية بها نفسه، ثابتة عند البذل، ثم لا يمن بعد ذلك ولا يؤذي.

وختاما، لقد كان أبو بكر الصديق-رضي الله عنه-رجلًا متعدد المواهب، كثير المناقب جم المراكب، فهو عالم نحرير، وتاجر كبير، لم يسجد لصنم ولم يشغله الحطام، ولم يشرب الخمر في جاهلية ولا إسلام.

1782

الكاتب

عبد الغني حوبة

أستاذ بمعهد العلوم الإسلامية جامعة الشهيد حمه لخضر الوادي-الجزائر، خطيب بمسجد الصحابة تكسبت الوادي، ماجستير شريعة وقانون تخصص قانون دولي إنساني.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.