اختيارات المحرر

المرأة بين وعيٍ أصيل وصوتٍ دخيل: قراءة في أثر الميديا على منظومة القيم

لم تكن المرأة يومًا معركة ثانوية في صراع الأفكار، بل كانت ولا تزال محورًا تُقاس به قوة الأمم وضعفها، وصحة الوعي وفساده. فحين تتبدّل مفاهيم الأنوثة، ويُعاد تعريف الحرية، وتتسلّل إلى الوجدان أنماط عيشٍ غريبة، نعلم أن المعركة لم تعد على حدود الجغرافيا، بل على عمق الإنسان ذاته: فكره، وروحه، وصورته عن نفسه.

وفي عصر الميديا الحديثة -حيث تتقاطع الخوارزميات مع الغرائز، وتُدار العقول بمقاطع قصيرة وشعارات لامعة- تتجلّى معركة الوعي النسوي في أبهى صورها، لا بالسلاح الصاخب، بل بالرسائل الهادئة التي تُلبس الباطل لبوس الجمال، وتُزيّف الهوية باسم الحرية والتقدّم.

الوعي الأصيل: جذور من الفطرة والرسالة

حقوق المرأة نحوَ المجتمع الذي تعيش فيه

الوعي الأصيل الذي نبت في ضمير المرأة المسلمة، لم يكن وليد ثقافة مجتمع أو سلطة رجل، بل ثمرة وحيٍ ربّانيٍ صاغه القرآن الكريم. فقد أعاد الإسلام إلى المرأة مكانتها في منظومة الخلق، وأرسى لها ميزان الكرامة على أساس التقوى لا الجسد، والعلم لا الزينة، والعمل الصالح لا المظهر.

قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، بهذا المعيار، ارتقت المرأة المسلمة في الوعي الأصيل من كونها كائنًا تابعًا أو أداة جمال، إلى كونها شريكًا في حمل الأمانة، ومسؤولة عن رسالة، ومصدرًا للسكينة والإصلاح في الأسرة والمجتمع.

لكن حين يبهت نور هذا الوعي، يبدأ الصوت الدخيل في التسلل: أصوات تحاول إعادة تعريف المرأة بما يُناسب “السوق”، لا بما يليق بالكرامة الإنسانية.

الصوت الدخيل: حين يُعاد تشكيل الوعي

في عالم الميديا، لا تدخل الأفكار بعناوينها، بل بصورها ورواياتها فتُقدَّم “المرأة القوية” على أنها من تتحدّى الرجل، و”الناجحة” هي من تتحرّر من بيتها، و”المتحضّرة” هي من تقلّد النموذج الغربي في الملبس والعلاقات ونمط الحياة.

وهكذا تُدار الحرب على منظومة القيم من داخل الوجدان، لا عبر جدال فكري، بل عبر التكرار والإغراء والتمثّل. فكل إعلان، وكل مشهد في فيلم، وكل مؤثرة على وسائل التواصل، يشارك –ولو دون قصد– في إعادة رسم صورة جديدة للمرأة المسلمة، صورة مفرغة من رسالتها، متماهية مع النموذج الغربي الاستهلاكي.

إن أخطر ما تفعله الميديا اليوم أنها تُبدّل البوصلة الأخلاقية دون أن يشعر الناس.تجعل الحياء تخلّفًا، والعفّة عقدة، والأمومة عبئًا، والالتزام الديني قيدًا، بينما تُقدَّم الأنماط المخالفة للفطرة على أنها تحرّر وإبداع و”حق شخصي”.

وهكذا، شيئًا فشيئًا، يتراجع الوعي الأصيل أمام الزخم الهائل للصوت الدخيل، حتى تغدو المفاهيم متداخلة: فتتحدّث المرأة عن التمكين وهي تقصد التبرّج، وتطلب الحرية وهي تقصد الانفلات، وتدعو إلى المساواة وهي في الحقيقة ترفض خصائصها الفطرية.

الميديا وصناعة النموذج

الميديا وأثرها على المرأة

لم تعد الميديا مجرّد وسيلة ترفيه أو نقل للمعلومة، بل صارت أداة لصناعة القيم. وما يُعرض على الشاشات اليوم ليس بريئًا، بل موجّهًا وفق استراتيجيات دقيقة في علم النفس والسلوك والإعلان. تُحدَّد الصورة التي يجب أن تُرى بها المرأة، ثم تُكرّر حتى تُصبح “واقعًا” لا يُشكَّك فيه.

لقد تحوّل الجمال من نعمةٍ إلى سلعة، والأنوثة من رسالةٍ إلى عرضٍ تجاري، والخصوصية من قيمةٍ إلى عيب، كل ذلك في إطار ما يمكن تسميته بـ”التطبيع القيمي”، أي جعل القبح مألوفًا حتى يفقد الناس مناعتهم الأخلاقية.

ولعل أخطر مظاهر هذا التطبيع هو التماثل: حين تتشابه الفتيات في اللبس واللغة والتفكير، متناسيات الفروق الثقافية والدينية.إنها العولمة الناعمة التي لا تحتاج جيوشًا، بل شاشات مضيئة وأغانٍ قصيرة.

تحليل الأثر: من الفرد إلى المجتمع

تأثير الميديا على المرأة ليس مجرد مسألة شخصية، بل قضية اجتماعية ذات امتداد حضاري حين يتبدّل وعي النساء، تتبدّل الأسرة، وحين تتبدّل الأسرة، يتبدّل المجتمع بأسره. فالميديا، بما تبثّه من قيم، تعيد تشكيل أدوار المرأة في الحياة:

  • من أمٍّ مربّية إلى “امرأة عاملة فقط”.
  • ومن حافظة لبيت زوجها إلى متبرّمة من مسؤولياتها.
  • ومن قدوةٍ في العفّة إلى رمزٍ في “الجرأة والانفتاح”.

وهذا التغيير في المفاهيم يؤدي إلى اختلال في التوازن الأسري، وارتفاع معدلات الطلاق والعزوف عن الزواج، وازدياد الاضطرابات النفسية بين النساء، لأن الفطرة لا تُبدَّل مهما حاول الإعلام أن يزيّفها. 

قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30]، فالمرأة التي تُحاول أن تكون “نسخة من الرجل”، ستخسر سكينتها؛ لأنها تُحارب فطرتها، والتي تلهث وراء معايير الجمال المصطنعة ستظل غير راضية؛ لأن الميديا لا تعرف الاكتفاء.

بين الصوتين: معركة الوعي

إن الصراع اليوم ليس بين الإسلام والغرب فقط، بل بين الوعي الأصيل والوعي المزيّف، بين ما يُنبته القرآن في القلب، وما تبثّه المنصات في العين.

ولذلك فإنّ الخطوة الأولى في استعادة المرأة المسلمة لموقعها الحقيقي هي التمييز بين الصوتين:

أن تُدرك أن ما يُقال باسم الحرية ليس دومًا حرية، وأن ما يُعرض باسم الجمال قد يكون عبودية جديدة، وأن ما يُسوَّق تحت شعار “تمكين المرأة” قد يكون سلبًا لهويتها لا تمكينًا لها، فالمعركة ليست في المظهر بل في المعنى، وليست في الصراع مع الرجل بل في إصلاح الذات، وليست في كسب إعجاب العالم بل في نيل رضى الله.

العودة إلى المنبع: وعي يستمد نوره من الوحي

في زمن الضجيج الإعلامي، تحتاج المرأة المسلمة إلى وعيٍ يستمد صفاءه من الوحي، لا من الشاشات. وعيٍ يُميّز بين الزخرف والحق، ويزن الأمور بميزان القيم لا بـ”الترندات”. قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].

إن التكوين المعرفي للمرأة المسلمة يجب أن يكون قائمًا على العلم والبصيرة، لا على الانبهار والإعجاب. فكل متابعة لمؤثرة، وكل إعجاب بمحتوى، هو في حقيقته إذنٌ بالتأثّر. لذلك، لا بد من تحصين الوعي عبر:

  • إعادة الارتباط بالقرآن والسيرة، ليتشكّل الوعي من منبعٍ صافٍ.
  • الانتقاء الواعي للمحتوى، فليس كل ما يُعرض يُشاهد، وليس كل مؤثرة قدوة.
  • التفكير النقدي، فيُسأل دائمًا: من يقف وراء هذا الخطاب؟ وما الهدف منه؟
  • المجالس النسائية الواعية التي تعيد الاعتبار للحوار والفكر والتربية الإيمانية.

خاتمة: حين تستردّ المرأة صوتها

مرجعية المرأة في الإسلام

لن تُهزم المرأة المسلمة أمام الميديا ما دامت تحمل في داخلها نورًا من الوحي، ولن تطغى الأصوات الدخيلة ما دام في الأمة من يُذكّرها بأن الأصالة ليست تخلّفًا، بل حياة. قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف: 8]

فالوعي الأصيل لا يُطفأ، لأن جذره في السماء وفرعه في الأرض، وستظل المرأة المسلمة -حين تصون عقلها وقلبها- حارسة القيم، وسفيرة النور، ومصدر النهوض لا الانحدار.

فما أحوج نساءنا اليوم إلى هذا الوعي، وعيٍ يفرّق بين النور والوهج، وبين الصوت الأصيل والصوت الدخيل.

ترتيل إبراهيم

باحثة في التخطيط والتنمية. بكالوريوس علوم الجغرافيا والبيئة جامعة الخرطوم. المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى