الكويت

بذل الإنجليز جهوداً كبيرة في الدفاع عن استقلال الكويت وإنشاء هوية خاصة بها بعيداً عن الدولة العثمانية وذلك ليمنعوا وصول سكة حديد بغداد إليها لأنها كانت ستهدد الهيمنة البريطانية على الخليج الذي يصلها بمستعمرتها الأثيرة في الهند، مع أن هذه السكة كانت ستحوّل الكويت إلى محطة نهائية لطريق تجاري عالمي يقطعه قطار الشرق السريع من برلين مروراً بعواصم أوروبا ثم اسطنبول فبغداد فالكويت مما كان سيمنح ميناء الكويت أهمية اقتصادية وتجارية كبيرة قبل ظهور النفط بعشرات السنين، فلا يصبح اقتصادها بعد ذلك معتمداً اعتماداً حصرياً على منتج واحد هو النفط، وقد قام الوفد الألماني الذي زار الكويت سنة 1900 لمسح المنطقة وتحديد المحطة النهائية لسكة الحديد بإغراء الشيخ مبارك لكسب تأييده للمشروع، فأخطرته البعثة “بأنها ستدفع له ثمناً باهظاً للأراضي التي ستشتريها أو تستأجرها، مؤكدة له أن الكويت ستصبح من المراكز التجارية المرموقة، وأنها قد تصبح”بومباي أخرى”، وأن إيراد الشيخ الخاص سوف يزداد، وسوف ترتفع قيمة الأرض في الكويت، وسوف تكون هناك فرص عمل متوافرة للجميع، وأن الملاحة سوف تزدهر لأن الناقلات البحرية الضخمة سوف تبحر إلى ميناء الكويت لتفريغ حمولاتها حتى تنقل بالقطار”[45].
وما يؤكد تلك الآمال ما جاء في تقرير مؤسسة ماكينزي الاستشارية لسنة 2008 عن الإصلاح الاقتصادي في الكويت:”التجارة من العراق وإليه عبر الكويت تصل قيمتها إلى 40 مليار دولار (سنوياً بحلول سنة 2020)، وحتى يكون ذلك لا بد من السكك الحديدية”، هذا ما ستصنعه سكة محدودة،مع العلم أن مجمل التجارة الكويتية بلغت حتى ذلك العام 70 مليار دولار (سنوياً)[46]، فما هي القيمة التي كانت التجارة الكويتية ستصل إليها لو أن الكويت أصبحت محطة نهائية لطريق عالمي كسكة تمتد عبر القارات من برلين إلى بغداد منذ مائة عام؟ وهو أمر تحاول العودة إليه اليوم ولو بصورة جزئية بواسطة حلم المركز المالي ومشاريع السكك الحديدية الإقليمية التي مازالت في عالم التخطيط، ولو تحقق منها شيء يوماً ما فإنه سيكون بالتأكيد دون ذلك الفردوس المفقود بدرجات عديدة، ومازالت بعض الأصوات الانعزالية المحتفية جداً بالاستقلاليات الوهمية تحذر من إحياء مشروع سكة حديد بغداد ولو كان مصغراً خوفاً على صيانة هوية التجزئة[47]التي تتضرر من المشاريع الكبرى.
كان الشيخ مباركاً في ذلك الوقت مقيداً بالمعاهدة التي عقدها سنة 1899 مع بريطانيا وتعهد فيها بعدم منح أو تأجير أي قطعة أرض من بلاده دون موافقة الحكومة البريطانية، وكانت هذه الحكومة تعارض وصول السكة إلى ساحل الخليج، ولذلك كان رده على البعثة الألمانية هو عدم الاعتراف بالسيادة العثمانية على الكويت، ولكونه عربياً فإنه كبقية العرب يرفض “أن يجد الأجانب لأنفسهم موقع قدم في الأراضي العربية، وأن شيوخ العرب الآخرين لن يوافقوا على التنازل عن أماكن الكلأ لخط سكة حديد أجنبي”، وقال: “نحن بدو بسطاء، لا نزرع ولا نقيم البساتين، وليس لدينا أي مداخيل، فما لزوم هذا الخط الحديدي لنا وسط الصحراء؟”[48]، ومن الصعب تفهم كيف دعمت بريطانيا “المتحضرة” هذا التقويم المبسط لأهمية سكة عملاقة لولا تعمدها منع إفادة المنطقة، خدمة لمصالحها الذاتية التي تتعارض مع مصالح أمتنا، وفي ذلك يقول الأستاذ الدكتور عبد العزيز الشناوي:”ولا شك في أن الشيخ مبارك كان في هذا الموقف معتمداً على تأييد بريطانيا الحاسم له، فالتزم التزاماً دقيقاً بأحكام اتفاقيته المانعة مع بريطانيا، وكان قد تلقى تحذيراً من قائد السفينة البريطانية “ميلبوميني” بألا يتخذ أي إجراءات في شأن مطالب البعثة الألمانية قبل موافقة حكومة الهند عليها”، وأطلع السفير البريطاني في اسطنبول الحكومة العثمانية على نصوص اتفاقية 1899 وأبلغ السفير الألماني بأن”شيخ الكويت ليس حراً في أن يبيع لشركة سكة حديد الأناضول أو يؤجر لها أي جزء من أرض الكويت دون موافقة الحكومة البريطانية”، وفي 28 مايو/ أيار/ ماي 1901 اتصل الشيخ بالمقيم البريطاني في الخليج يرجوه أن تسارع بريطانيا بإعلان الحماية الدائمة والسافرة على الكويت، وهو ما رفضته الحكومة البريطانية حتى لا تجر المشاكل الدولية مع العثمانيين وغيرهم[49]، ولكنها قامت بعدة إجراءات لدعم نفوذها في الكويت مما شجع الشيخ مباركاً على مزيد من الاستقلال عن الدولة العثمانية، ويعلق الدكتور الشناوي على ذلك بالقول إنه”من الصعب القول بأن الشيخ مبارك كان يدفعه شعور قومي بالاستقلال، لأنه حين جاهر برفضه السيادة العثمانية على الكويت، ارتمى في أحضان بريطانيا وعقد معها الاتفاقية المانعة سنة 1899…ثم طالب مبارك إعلان الحماية البريطانية السافرة والدائمة على الكويت، ولم يشعر بشيء من المعاناة النفسية”[50].
فكان ذلك الاستقلال المحتفى به والهوية الجزئية التي أفشلت تحقيق مشروع سكة بغداد قبل قرن، بحجة الحفاظ على أعشاب مراعي الماشية من “إفساد” القطار، من مستلزمات المصالح الغربية التي فضلت تخلف الكويت آنذاك على حساب المصالح الحقيقية للسكان المحليين، وإن صورت السياسة عكس ذلك، فمصلحة بريطانيا في تعطيل الخط كانت واضحة وهي التي أملت عليها السياسة التي اتبعتها، إذ كانت تخشى وصول ألمانيا إلى الخليج، بوابة الهند والعراق البحرية، وحصولها بعد ذلك على قاعدة بحرية، مما يقضي على سيطرة بريطانيا المتفردة على الخليج واهتزاز نفوذها السياسي والتجاري في الهند وتضاؤل نفوذها في العراق وتهديد مركزها في قناة السويس التي ستقل أهميتها ويُسلب منها نقل المسافرين والبريد والبضائع الخفيفة فيقل دخل بريطانيا من أرباح أسهمها في القناة، وسيطر على أذهان ساسة بريطانيا واقتصادييها الاعتقاد بأن ألمانيا ستمد خط ملاحة من الكويت إلى بومباي لتحتكر التجارة والشحن ونقل المسافرين من الهند إلى الكويت ثم إلى المشرق العربي وأوروبا بالسكة الحديدية[51]، أما مصلحة الكويت فلم تتضح من تعطيل وصول الخط إليها إلا إذا كان كلأ المراعي يعد مصلحة حقيقية في نهوض الأمم، ومما سبق نرى أنه حتى الكيانات الصغيرة التي نعمت بالثروات الضخمة كان خيار التجزئة ضاراً بشعوبها وكان من الممكن أن تنعم بخير أكثر ازدهاراً ضمن خيار الوحدة الشاملة، ولكننا ادخرنا هذا الازدهار للمحتل الغربي فكان تقدم بريطانيا معتمداً على تخلف بلادنا مهما خدع ترف المظاهر الاستهلاكية المفرطة أعين النظار.

 

العراق

يخبرنا التاريخ وفقاً لضرورة الطبيعة والجغرافيا أن منطقة الخليج كانت هي الممر البحري لبلاد ما بين النهرين، وفي العصر الإسلامي حين كانت بلاد المسلمين غير مقسمة بالحواجز العالية كانت سواحل الخليج العربية والفارسية هي الوسيط الذي يحصل العراق من خلاله على حاجاته المعيشية من بضائع شرق آسيا وشرق إفريقيا وكانت التجارة نشطة رغم الاختلافات المذهبية التي ولدت انقسامات سياسية والتي عصفت بالمنطقة وأدت إلى الانشقاق بين الخلافة العباسية في العراق والقرامطة في ساحل الخليج والإباضية في عُمان، ومع ذلك لم يكف الخليج عن كونه ممر الطرق التجارية من وإلى العراق[52].
وفي العهد العثماني كان الساحل العربي للخليج ضمن دولة واحدة تلم معظم العالم العربي ومنه العراق، وسواء ارتبط الساحل إدارياً بالعراق أم كان ولاية إحسائية منفصلة فقد كانت الدولة واحدة لا تؤثر في تواصلها التصنيفات الإدارية كما لا تؤثر هذه التقسيمات على تواصل المحافظات المختلفة داخل الدولة الواحدة، وفي التقسيمات الإدارية العثمانية الأخيرة كان هذا الساحل العربي كله إلى عُمان تابعاً لولاية البصرة، وكان الخليج نفسه يُسمى خليج البصرة.
ولكن عندما حلت التجزئة التي افتعلها الاستعمار الغربي بالمنطقة بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب الكبرى الأولى، اختلقت بريطانيا الكيان العراقي بما يفصله عن منافذه البحرية الخليجية التي حرص الإنجليز على السيطرة عليها وعدم السماح لأي جهة حتى لو كانت من عملائها بالسيطرة على ثرواتها ومواقعها الحساسة، وكانت عملية فرض الهيمنة البريطانية على الكويت في سبيل المصالح الاستعمارية هي قطع الشريان الأخير الذي يمكن أن يعيش الكيان العراقي منه لو استمرت العلاقة التكافلية بين الطرفين وفقاً للخريطة العثمانية الأخيرة قبل سقوط الخلافة الإسلامية، وليس وفقاً لتبعية أي طرف لآخر حسب التصنيفات القُطرية.
ولكن المخطط البريطاني جعل من بلد كبير نسبيا كالعراق بلا سواحل بحرية مكافئة لحجمه، في الوقت الذي جعل الكويت الصغيرة كلها ساحلاً على البحر، وهو ما بذر بذور الخلاف والحسد والبغضاء والخوف بين الطرفين، وهو تناقض لم يكن له وجود فيما سبق عندما كان ساحل الخليج الغربي مفتوحاً لأبناء الدولة العثمانية كلها، وأصبح القبول بالهوية العراقية المستحدثة القائمة على الخريطة البريطانية التي تجوف العراق من منطقة الساحل، قبولاً بخنق هذا الكيان نفسه ومن يعيش عليه، فكانت هوية التجزئة بذلك هي الهوية الضارة بأهل هذا الإقليم، ومن هنا كانت المحاولات المستمرة التي قام بها طيف الأنظمة العراقية المختلفة للخروج من هذا القمقم الذي حشر الاستعمار العراق فيه، ويؤخذ على هذه المحاولات أنها انطلقت من نفس الهوية القُطرية العراقية التي فرضتها التجزئة الاستعمارية، لأن الهدف منها كان متواضعاً وهو تعديل حدود القطر العراقي فقط ولم تكن انطلاقات من هوية جامعة غير مرتبطة بأي قطر من أقطار التجزئة، ولم يقصد منها تكوين نواة الوحدة الشاملة التي تحطم جميع الأسوار الاستعمارية وتلغي جميع أكشاك الحراسة التي أقامها الاحتلال الغربي، ومن هنا لم تتخذ أبعاداً جماهيرية كاسحة ضد الهيمنة الغربية ونواطيرها، وهي محاولات كلفت بدورها هذا البلد المنكوب أنهاراً من الدماء وجبالاً من الخسائر تعلق جميعها برقبة الخطيئة الأصلية وهي التجزئة وهويتها الانفصالية.
وقد وافقت الكويت في السابق على حلحلة الحبل المربوط حول عنق العراق وذلك بتأجيره جزيرة وربة المهجورة والشاطئ البري المقابل لها إلا أنها تراجعت بضغوط بريطانية[53]، تماماً كما خنق الأمريكيون والإنجليز مبادرة الأمير سلطان بن عبد العزيز الداعية إلى منح العراق منفذاً على البحر وفقاً لكرم الأخوة العربية وذلك بعد اندلاع أزمة الخليج سنة 1990 [54]، وهو ما كان سيوفر كثيراً جداً من الخسائر على جميع الأطراف العربية مما يجعل المراقب يلاحظ بلا شك دور الغرب الواضح في التلاعب بمصائر بلدان المنطقة خارج حدود مصالح أهلها، ويرى الدكتور مؤيد الونداني أن هذه القضية “ستستمر في المستقبل مادام العراق محروماً من الشاطئ البحري الذي تمتع به عبر تاريخه الطويل”[55].

 

الهوامش

[45] -سعاد محمد الصباح، مبارك الصباح: مؤسس دولة الكويت الحديثة، دار سعاد الصباح، الكويت، 2007، ص 296.
[46] -صحيفة الوطن الكويتية، 17/2/2008، ص 26
[47] -صحيفة الوطن الكويتية، 17/12/2008، ص 7.
[48] -سعاد محمد الصباح، ص 297-298.
[49] -أستاذ دكتور عبد العزيز محمد الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، مكتبة الأنجلة المصرية، القاهرة، 1997، ج 3 ص 1388 و1400-1402.
[50] -نفس المرجع، ج 3 ص 1406-1409.
[51] -نفس المرجع، ج 3 ص 1360 و 1382-1384.
[52] -د. حسين علي المسري، تاريخ العلاقات السياسية والاقتصادية بين العراق والخليج العربي 749-1258 م، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1982 ، ص 203-346.
[53] -مؤيد الونداني، الاتحاد العربي في الوثائق البريطانية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2013 ، ص 125 و 678-682.
[54] – http://www.arabrenewal.info/2010-06-11-14-22-29/29936-في-ذكرى-ضياع-فرصة-مصالحة-ذهبية-إلى-متى-سنصغي-إلى-الأجنبي؟.html
[55] -مؤيد الونداني، ص 65.

531

الكاتب

محمد شعبان صوان

باحث وكاتب من فلسطين.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.