كل هذا يجب أن يجري بصورةٍ تدريجيةٍ، فمصرُ بلدٌ هشٌ للغايةِ، كما يعيشُ الشرقُ الأوسطُ حالةً من الغليانِ، لا ينفعُ معها علاجٌ بالصدمةِ. [1]

في مقالتها المعنوَنَة بـ «خراب مصر» الصادرة في السادس من أغسطس للعام 2016 نَوَّهَت الإيكونوميست إلى ضرورة اتباع النهج التدريجي في تطبيق الإجراءات الاقتصادية التي تُوشِك شبه الدولة المصرية على اتخاذها إذعانًا لشروط صندوق النقد الدولي.

بالإحصاءات والأرقام: واقع الوضع الاقتصادي في مصر

ومن الواضح والمعلوم للجميع مدى الأزمة الاقتصادية التي يُعانيها المصريون حيث:

  1. وصلت نسبة البطالة بين المصريين إلى 12%[2]، فيما تجاوزت نسبة البطالة بين الشباب 40 %.[3]
  2. بلغ عجز الميزانية ما يقارب 12% و7 % من الناتج المحلي الإجمالي.
  3. يقبع 27.8% من المصريين تحت خط الفقر.[4] فلقد انضم لشريحة الفقراء 1.5 مليون مواطن في عام 2015 فقط.
  4. ارتفعت نسبة التضخم لتقارب 14%.[5]
  5. وفي السوق السوداء ارتفع الدولار محققًا ما بين 12.90جنيهًا للشراء ومُسجِلًا 13,10 جنيهًا. بينما يواصل الدولار ثباته في البنوك عند 8,85 جنيه في عملية الشراء، 8.88 جنيه مصري للبيع.[6]
  6. هذا بالإضافة إلى العجز في توفير المنتجات وقطع الغيار، إذ وصل الأمر إلى الأدوية وألبان الأطفال.

الاقتصاد المصري

لذلك فغالبًا ما ستذهب الحصة الأكبر من القروض لموازنة سوق العملة المنهار بالفعل، في محاولة لكسب ثقة المستثمرين؛ مما ينتج عنه زيادة طائلة في الدين الخارجي، بدون فائدة ملموسة للشعب.

هل نعاني جميعًا نفس التبعات حيال ذلك الاقتصاد المنهار؟

الإجابة تتحدث عنها الأرقام والإحصاءات:

  • حسب تقييمات مجلة فوربس الأمريكية ارتفعت حجم ثروات أغنياء مصر من 22.3 مليار دولار عام 2014، إلى 33.1 مليار دولار للعام 2015.
  • حسب تقرير الثروات العالمي لعام 2014، الصادر عن بنك الائتمان والاستثمار المصرفي السويسري (Credit Suisse Invesment Banking) فإن أكثر 10% ثراءً في مصر يستحوذون على 72.3% من إجمالي الثروات.

الاقتصاد المصري

  • ويبلغ متوسط ثروة الفرد البالغ في مصر 7.319 دولار، بينما تقل ثروة الفرد لنصف المصريين عن 1.853 دولار.[7]
  • وطبقًا لشبكة العدالة الضريبية، تُقدَّر خَسارة مصر بسبب التهرب الضريبي عن طريق الملاذات الضريبية بنحو 68 مليار جنيه.[8]

لماذا يريدون السوق الحر وتطبيق نظرية فريدمان؟

نحن نشهد أكبر عملية لنقل الثروة عن طريق الضرائب والخصخصة وتقليل الإنفاق ورفع الدعم، مما يُنتج نقل الثروة من القطاع العام إلى أيدي كبرى الشركات عابرة القارات. وفي سبيل هذا النقل يأخذ قُطَّاع الطرق-الحكام ورجال الأعمال-«إتاوة» للإشراف على النقل وتأمينه.

تبعات الصدمة الاقتصادية

كما تثير النتائج التي حققتها الدول الكوربوقراطية لُعاب هؤلاء؛ فيحلمون بمزيدٍ من الثراء، الذي يأتي على حساب الطبقة المتوسطة-أو العاملة-والتي تنقرض في نهاية البرنامج الاقتصادي وتتحول إلى طبقة الفقراء. أما الطبقة المعدَمة فغالبًا ما يموت معظمهم نتيجة الجوع والمرض.

الفقير

  • في الأرجنتين:

تضَاعَفَ ما يجنيه الـ 10% الأكثر ثراءً إلى 43 ضعف ما يجنيه باقي السكان، مقارنة بـ 12 ضعفًا قبل تطبيق سياسة فريدمان.

  • في الولايات المتحدة:

اتسعت الفجوة بين الطبقات بشكل كبير حين أطلق ريجان حملته لتطبيق سياسات فريدمان؛ إذ بات المُدراء التنفيذيون يجنون 411 ضعف ما يجنيه العامل العادي، مقارنة بـ 43 ضعفًا قبل تطبيق تلك السياسات.

  • في المكسيك:

انخفضت الأجور من 40-50% في السنة الأولى من تطبيق اتفاقية NAFATA كما وصلت الزيادة في تكاليف الحياة إلى 80%. كما أدت إلى إفلاس ما يقارب 20 ألف عمل صغير ومتوسط.

«هذا هو نتاج تطبيق سياسات السوق الحر الذي تُقبِل الحكومة المصرية على تنفيذها.»

الرهانات الحكومية لإنفاذ العلاج بالصدمة

تعي الحكومة جيدًا صعوبة تلك الإجراءات الاقتصادية والتي وصفها السيسي بـ “القاسية”، ولكنَّ النظام ما زال لديه ما يراهن عليه لإنفاذ تعاليم فريدمان، وصندوق النقد:

  • يراهن السيسي على شعبيته والتفويض الذي منحه إياه جمهور «تسلم الأيادي». لكنَّه يعلم هو ومن ما زال يؤيده خسارتهم الحتمية لهذا الراهن إذا ما جاء منفردًا.
  • لذلك كان تضييق الخناق على الإعلام، وحظر كل من يخرج عن التعليمات، حتى وإن كان من بين حلفاء النظام بالأمس القريب، هدفًا منشودًا وواجبًا حتميًا على النظام.
  • القبضة الحديدية للنظام البوليسي، والقمع الوحشي لأي مظهر من مظاهر الاحتجاج.
  • القضاء على آمال القيام بأي عمل مُنسق يفضح حقيقة النظام سياسيًا كان هذا العمل أو حقوقيًا.
  • إلغاء مفهوم “الصالح العام” وإبداله بـ “المسئولية الفردية” ليلوموا الناس بعد ذلك عند عجزهم عن توفير بدائل لأنفسهم عوضًا عن تلك التي خصخصتها الدولة، وهو ما طرحه السيسي عندما أكد على أن:

تحسين الأوضاع الاقتصادية هي مسئولية اجتماعية في الأساس.[9]

هل تنجح مصر في مهمتها؟

«أولا يجب التفريق بين: الإجراءات المتبعة لتنفذ الصدمة وصولًا إلى السوق الحر، وتبعات الصدمة وجني ثمارها.»

تبعًا للرهانات التي يعوِّل عليها النظام المصري في تمرير سياسات السوق الحر؛ فيبدو أن فرصة النظام للنجاح في تمرير وتطبيق سياسات التحول إلى السوق الحر كبيرة. إذ استطاع النظام المضي قُدمًا في تنفيذ توصيات صندوق النقد إذ: اتجه إلى خفض سعر الجنيه المصري، في اتجاه إلى تعويم قيمة صرف العملة، وفرض ضريبة جديدة للقيمة المضافة، ورفع الدعم عن المحروقات، وارتفاع أسعار الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وغاز طبيعي مع اقتطاع بعض النفقات الأخرى للتحكم في عجز الموازنة؛ مما نتج عنه خفض مستوى معيشة الأفراد في الدولة.

وجاءت تلك الإجراءات متعاقبة على حسب توجيهات فريدمان حين قال: «التدرج ليس مُمكنًا»

ولكن هل سيتمكن النظام من تحقيق نفس النجاح في جني ثمار إجراءاته؟

بمعنًى آخر هل ما زالت لدينا فرصة للخلاص؟

بكلِ تأكيدٍ ما زالت لدينا فرصةٌ للخلاص، ليس من ذلك النظام المصري فحسب، بل من نظامٍ رأسمالي جنَّد أتباعه لنهب مقدراتنا، والعيش على أحلامنا، وإجبارنا على الرضا بفُتاتِ حقوقنا.

«ديكتاتور ذو سجل حافل بإنفاق مليارات لا تعد ولا تحصى على مشاريع لتمجيد نفسه. وكيان اقتصادي غربي ضخم تنحصر حلوله في: “حجم واحد يُلائم جميع النُظم الاقتصادية”؛ يمثلان طريقًا مُختصرًا لانفجارٍ جديد».[10]

كان هذا أخر ما توصلت إليه ميدل إيست البريطانية، في تقريرها حول دوامة صندوق النقد الدولي وآثارها على مصر. لم يكن هذا رأي ميدل إيست وحدها، فلقد أكدت الإيكونوميست على ذات النتيجة إذ افتتحت تقريرها «خراب مصر» بقولها:

قمع وعدم كفاءة عبد الفتاح السيسي يؤججان الانتفاضة القادمة.[11]

كما ذكر شريف هدَّارة أن: «الخوف و القمع الوحشي، سيُحدِّدان ما إذا كانت انتفاضةٌ أخرى على وشك أن تحدث». [12]

126281490-e1339676494697

ومن خلال استكشاف الأُطر المحيطة بالنظام يمكننا حصر خياراته في «الغرق أو الانكماش والتقلُّص». فإذا لم تكن انتفاضةٌ شعبيةٌ قادرةً على خلع ذلك النظام من جذوره، فإن غباء النظام والظروف التي وضع نفسه فيها من إنفاق مليارات على تلميع نفسه، ورفع مستوى آمال وطموحات الشعب إلى ما لا يُمكنه تحقيقه، وتخبط إداري دفعه إلى تبني قرارات كفيلة بهدم دولته؛ لهي عوامل فناء ذاتي يحملها معه النظام أينما تحرك. كفيلة تلك فقط بإسقاطه.

ختامًا

لحظة من فضلك من فعل بنا كل هذا أشخاصٌ مثلك ومثلي تمامًا… كل الفرق أن لديهم بعض التخطيط والقوة أكثر منا، بالتأكيد هذه ليست مما يُهمَل في الحساب ولكن حتى تلك القوة نتاج عمل بشري فلم تهبط لهم كائنات فضائية لتقوم بالمهمة. كما أنَّ لدينا ما لا يملكون، إنها قوة الحق الذي يجب أن ينتصر في النهاية مهما تغيرت الأوضاع وتبدلت، فعلو الحق سنة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل. وتذكر دائمًا أن الأفكار تكتسب قوتها من تراكمها، والتحرك بها.


الهوامش

[1] After the Arab spring The ruining of Egypt

[2] Egypt’s economy State of denial

[3] After the Arab spring The ruining of Egypt

[4] “فيش وتشبيه” الاقتصاد المصري

[5] Egypt’s economy State of denial

[6] للمرة الثانية | سعر الدولار اليوم يقفز عن حاجز الـ 13 جنيهاً في مصر بالسوق السوداء

[7] تقرير: مصر ثامن أسوأ دول العالم في توزيع الثروة

[8] تفاصيل تقرير منظمة «أوكسفام» بشأن الاقتصاد المصري.

[9] السيسي يعلن تطبيق إجراءات اقتصادية صعبة

[10] Shrink or sink: Egypt’s IMF whirlpool

[11] مصدر سابق

[12] Is another revolution brewing in Egypt?

1807

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.