Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

شمولية الصراع أكبر من حدود إمكانات التجزئة

خلافنا مع الصهيونية ليس على اعتذار ولا على حصار، وعلينا أن نسأل أنفسنا وفقاً لهذا السقف المزعوم: هل اعتذار الصهاينة عن مأساة السفينة مرمرة سيجعلهم أصدقاء طبيعيين لنا؟ وماذا عن بقية جرائمهم التي لا تعد ولا تحصى، منذ قيام كيانهم إلى اليوم؟ ولكن وفق تقسيمات التجزئة فإن هذه الجرائم لم تصب تركيا، وتبنيها رفع الحصار عن غزة “تفضل” منها لأن غزة ليست من ضمن حدودها. فإذا رفع الحصار فهو “فضل” وإلا فالمسئولية ليست على تركيا وحدها، هذا هو منطق الجميع داخل بنيان التجزئة وليس منطق تركيا فقط. وهذه هي نظرتها وسياستها التي يمليها حجمها وحدودها والتزاماتها الدولية. وبهذا يتبين خطأ الذين حملوها وصف الخلافة الجديدة.

وبغض النظر عن الشروط التي تحققت والتي لم تتحقق في الخلاف الصهيوني-التركي، فإن مطالب أمتنا ليس هذا سقفها الذي يحاول الإعلام الإيحاء للناس بحصر خياراتهم فيه. وهي وسيلة نفسية معروفة يتلاعب بها العارض بالمعروض عليه: تريد كذا أم كيت؟ والحقيقة أنه لا كذا ولا كيت هو المطلوب، المطلوب أن يرحل المجرم بمتاعه كلياً لا أن يعتذر ولا أن يخفف حصاره، ولكن هذه ليست طاقة التجزئة ولا ضمن جدول أعمالها. الواقعية أن يفهم المرء واقعه لا أن يعيش في أوهام ثم يتعرض للصدمات المتتالية، منذ متى وأمتنا تحمل حكام التجزئة مسئوليات أكبر من أحجامهم المتواضعة ثم تفيق بعد تحليقها وتسقط على رأسها لتحلق بعد ذلك في وهم جديد وهكذا.

خطاب التطبيع بين الأمس واليوم

 

24-2

علينا أن نتذكر أن خطاب التطبيع الذي عرضه الرئيس السابق أنور السادات كان يتضمن شروطاً أفضل مما طالبت تركيا به، وأن ما حققه بالأمس أكبر مما حققته تركيا اليوم، فلماذا نبذت الأمة السادات ويفترض أن تهلل لأردوغان؟ ثم بعد ذلك علينا أن نتذكر جيداً أن ما حققه اتفاق أوسلو لم يكن مجرد اعتذار أو فك حصار، ومع ذلك وصمه بالخيانة من يهللون لاتفاق تركيا اليوم، لأجل أكياس من الطحين ومساعدات إنسانية أخرى! فلماذا نصر على رؤية أبطال تاريخنا العمالقة في شخصيات أكثر تواضعاً وأقل حجماً؟

وكيف انتقلت إنجازات التجزئة من الرفض إلى القبول حتى بعدما انخفض سقفها فصار انتصاراً بعدما كان خيانة؟ إن على أصحاب هذا المنطق ليس المطالبة بالاعتذار عن سفينة مرمرة بل إنهم هم المطالبون بالاعتذار للسادات وعرفات وكل حكام العرب الذين مازالت مطالبهم للتطبيع أعلى من مجرد اعتذار ورفع حصار، هذا إذا تجاوزنا اللقاءات الخفية التي شارفت على الفضيحة، ولكن هذا لا يعني أننا بين خيارات محصورة بشكل الاستسلام المناسب، فخيارات أمتنا الكبرى أفضل بكثير مما تعرضه التجزئة وصغارها علينا، وأمة عملاقة ليست مجبرة على أن تحني رأسها، ولكن شرط النصر أن تخرج من ثوب التجزئة المرقع وتستبدل به ثوب الوحدة الكاملة، فمنطق التجزئة لن يحقق أي انتصار وسيظل السقف ينخفض إلى أن يطبق على رؤوسنا. هذه هي نتيجة الإصرار على النظر من خلال العدسات السحرية التي تقلب الحقائق التي يحاول الأبطال المزيفون أن يشرحوها عندما يتبرمون من فرط الولاء، ولكن عيون الغرام ترفض أن تستوعبها وتصر على تحميل من تحبهم مسئولية لن يحملوها يوماً [*]، ودون أن ندرك أن التجزئة هي أصل الداء فلن نستطيع التعامل مع واقعنا وسنظل نرى المهدي في أي دجال.

مفهوم العداوة في زمن انقلاب المفاهيم

medium-232596575965562352

في زمن انقلاب المفاهيم الذي لم يعد يقتصر على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا على الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، بل أصبح فيه المعروف منكراً والمنكر معروفاً. في هذا الزمن إذ أصبح العدو حليفاً والأخ عدواً والخيانة وطنية والجريمة شريعة والسفالة تقدماً والتفاهة عمقاً والحماقة علماً. لم يعد الحديث عن عداوة الصهيونية وتجريمها سوى لغة خشبية لا تناسب رقة الإنسانية ولا تطورها، ولهذا لن يكون حديثي موجهاً إلى أصحاب هذه الرؤى النبوية الكاذبة التي تدعي اكتشاف ما لم يعرفه الأولون وترى الصهاينة حلفاء ضد أي خطر حقيقي أو موهوم، لأنني بصراحة غير قادر على إثبات قضايا من ضرب زرقة البحر وخضرة الشجر وسطوع شمس النهار وظلمة الليل وأعتقد أن هناك أفكاراً لو احتجنا إلى إثباتها لارتبك ناموس العقل والقيم ولهذا لن يكون حديثي موجهاً إلا لمن ما زال يرى الصهاينة جزءاً من جبهة معادية تبدأ في كيانه وتنتهي في عواصم الغرب.

الهدف من الحديث هو تبيان الفرق بين وضع الصهيونية عندما كانت تواجه دولة الخلافة ووضعها عندما أصبحت تواجه دولة التجزئة، وبصراحة لقد تعمدت ألا تكون المقارنة موضوعية في أكثر من جانب:

  • ستكون المقارنة بين أسوأ أزمنة الخلافة وأزهى عصور التجزئة مع أن الموضوعية تقتضي أن نقارن بين الأزمنة المتشابهة.
  • لن تُعطى الفرصة لأنصار الفريقين بالحديث كل عن نموذجه بالتعادل بل سيقتصر الكلام على أنصار دولة التجزئة للحديث عن أنفسهم وعن دولة الخلافة أيضاً مع أن الإنصاف يقتضي أن يتحدث كل عن نفسه، أو يتحدث كل عن غريمه المهم أن تكون الفرصة متعادلة بين الطرفين، ولكني لن أحقق هذا الشرط الموضوعي أيضاً.

ومع كل هذا ماذا ستكون النتيجة ومن هو الرابح في المقارنة؟

يتبع..


الهوامش:

[*] عمر فاروق مستشار رئاسة الوزراء للجاليات العربية: “لا تحملوا تركيا مالا تستطيع”

1133

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

محمد شعبان صوان

باحث وكاتب من فلسطين.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.