في الإسلام خاصة لا يوجد مصطلح معين لمفهوم العلماء، فيظل المرء في الإسلام يعتبر نفسه طالب علم حتى لو صنفه معاصروه عالم أو فقيه، ويظل يطلب العلم بدايةً من الكتاب حتى يقوى على الترحال، ولكن الجديد في عصرنا أن كل من خرج على الشاشات وتكلَّم في الدين أصبح عالمًا ومن دخل الأزهر فهو عالم، ومن تمسح بخف شيخ الأزهر أصبح عالمًا، فهان الدين في أعين الناس وأصبح الناس يرتكبون ما شاؤوا، ثم يبحثون عن مبررٍ في الدين وتُقلِّب القنوات فتجد سيلًا من المفتين والمفتيات، هذا إن بحثوا عن رأي الدين،  حتى صار أحد السفهاء المرتدين لباس  وزي  العلماء يخرج على قناة فيُحلل كل شيء قائلًا: يجوز؛ متعللًا بأن الدين يسر ويريد أن يحبب الناس في الدين، فبئس السفيه وإنه ليس بفقيه، يُضلل الناس حتى يحظى بشيءٍ من الدنيا .

ذكر أحد طلاب علي جمعة أنه وفي شبابه حضر لعلي جمعة فسأل علي جمعة هل مبارك كافر وهو يحكم بغير شرع الله؟ فرد علي جمعة وهل يشك اثنان في كفر مبارك، وقد تأملت قوله ثم تأملته وهو مفتي لمبارك وعالمًا جليلًا لمن أتى بعده من طلاسمة الحكام وطواغيتهم، فهو يعلم الحق ومع أنه يعلم الحق ويعلم من علم الدين والشريعة ما من الله عليه به واكتسبه بذاته فقد أضله الله على علم، ولا عجب في ذلك فقد رُوي أن جمعًا من المسلمين ذهبوا لفتح حصن رومي، وكان فيهم رجلاً متعبدًا يقرأ القرآن لا يقرأ مثله من أحدهم ومع ذلك خانهم وانضم للروم وتنصَّر لأجل امرأة إفرنجية قد رآها حُلوة في عينيه فباع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل.

من هم العُلماء؟ 3

وهذه رسالة لكل من يريد أن يكون عالمًا أو يصنع عالمًا يسمعه الناس ويقتدون به: أجْلِب أحد طلاب العلم الذين يبتغون الدنيا ويريدون نعيمها وعِدهم بها وأغريهم و اصنعهم علي يديك ثم اغمر القنوات بهم، فيظهرون على هذه القناة بالليل وهذه القناة بالنهار واظهر فيهم سماحة الإسلام، وهذه السماحة لن تظهر إلا بأن يجلس مع مذيعة متبرجة وحبذا لو كانت محجبة وتضع مساحيق التجميل لنُري الناس سماحة الدين.

ثم ائت بفتوى تثير الرأي العام حتى تحارب التشدد، فأحِل السجائر والبنطال للنساء وعجِّز من يريد الزواج بالثانية من الرجال حتى تُظهر حقوق المرأة، ثم أحل أي شيء اتُفق قديمًا بأنه حرام، ولا تتكلم بالسياسة فلا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، وإن تكلمت فعليك بطاعة ولي الأمر، وهكذا انقسم العلماء أشتات، ويقول الخليل بن أحمد :

الرجال أربعة، رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري انه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه.

فالدين الذي كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يبعث الصحابة للعوام من الناس ليُعلِّموهم أمور دينهم أصبح قاصرًا على الصلاة وخطبة الجمعة فقط ، وقد حدثني صديق عندما سألته ماذا استفدت من خطبة الجمعة؟ قال لي: أُشحِن قلبي بالإيمان، لا مانع من أن نزداد إيمانًا لكن أن يكون الدين مقصوراً على الصلوات وشحن الروحانيات وعزل الواقع عن الحياة فإن هذا لفسادٌ كبير.

فالإمام عندما يتحدث عن الواقع تجد الناس ينبذوه تحت شعار “يتكلم في السياسة “، ونسي هؤلاء الجهلاء أو جهلوا أن هذا الدين أتى ليحكم العالم، فكيف بالله عليكم لا نُدخل ديننا في كل صغيرة وكبيرة؟! وقد استعجب أحد مشركي مكة عندما قال لصحابي جليل عجبًا لمحمد يُعلِّمكم كل شيء حتى الخراء، وقد قال أحد الصحابة بعد وفاة النبي أن رسول الله ما ترك طائراً إلا وعلمنا منه، فهذه الأشياء الصغيرة التي أتى بها الدين فما بالك بالحكم، وقد قيل في السلف: إن هذا الدين أتى ليَحكم لا ليُحكم.

 الشريعة فوق ديستورية لا غطاء للعسكرية

ومن البديهي أن يتحاكم الناس لما هو أعلى وهو شرع الله ولا يتحاكمون لما هو أدنى وهو شرع البشر وقوانينهم، فكيف تقارن شريعة الله المضيئة بقوانين البشر الوضيعة؟ قال رسول الله «خمس بخمس، قيل: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا فشا فيهم الموت، ولا طفَّفوا الكيل إلا مُنِعوا النبات وأُخِذوا بالسنين، ولا منعوا الزَّكاة إلا حُبس عنهم المطر» (رواه أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه ).

فكيف يسوغ بعض العملاء ويحلل للحكام أن يحكموا الناس بغير شرع الله؟ فهؤلاء-أي علماء الشاشات-هم أدوات الحكام يستعملونها ليُضللوا بها الناس، وقد صنعوهم على أيديهم فلا يظهرون على القنوات والشاشات إلا بإذنٍ منهم وإن أظهروا جانبًا معارضًا لاجتذاب جزء من الناس لكنهم يبقون في النهاية أدواتهم ومناديل قمامتهم من أفعالهم وأقوالهم يزينون ما يفعلون ويحللون ما يقترفون فبئس العلماء لا يستحقون لقبًا، فهم العملاء لا يقيمون عدلاً، يزينون الفعل دون صاحبه، يَحلُّون الكفر، يُمجدون من ظلم.

للأسف انتشر في عصرنا الصنف الجاهل الظان بنفسه أنه عالم فيفتي للناس وإن فتي يلبس عليهم أن ديننا للروحانيات فقط ولتشحن قلبك بالإيمان عليك بالاتصال، فهل ذلك يسمى عالم؟! وهل من يشرع ويحلل ويبرر للحكام يسمى عالم؟! وهل من يحصل على دكتوراة في الشريعة يسمى عالم؟!

Embed from Getty Images

ومن أعظم ما تجلَّت به التجارة بدين الله عز وجل عندما همَّ رئيس مصر عبد الفتاح السيسي فتحدث في مسألة الطلاق الشفوي أنه لا يجوز إلا بحضور المأذون ورغم أنه معروف أن الطلاق يقع في أي مكان وأي وقت إلا أن ساحره الدكتور سعد الدين هلالي ما لبث إلا أن ألف كتابًا عن الطلاق الشفوي وعدم إجازته في الفقه المقارن.

فأصبح العالم من شهد له الناس أنه عالم حتى وإن كان هؤلاء الناس جاهلين، وأصبح العالم من حصل على ورقة تسمي دكتوراة من إحدى الجامعات فهل ما دونهما ليس بعالم؟ إن العالم الحق هو من أخذ علمه من شيوخ معتبرين وطبقه وعمل به، ومن المشهور في أمر العلماء الحق أن يحصل على إجازة من عالم معتبر.

فلم يعد إلا القليل ممن يستحقون لقب علماء، وأصبحت الشاشات مليئة بقمامات الفكر وأصحابه البلداء، وأصبح مشاهير الحمير في الشاشات لا تجدهم عندما تحدث مجازر في بلاد الإسلام ولكن تجدهم إن هوجمت لندن وباريس ونيويورك وواشنطن ونيس، يتعللون بالأمراض إن ذُبح  المسلمون وتسمع صوتهم إن هوجم أعداء الإسلام المحاربون، يستنكرون قتل السفير الروسي ويصمتون عند قتل  نصف مليون سوري، فاللهم ارحمنا منهم أو اهديهم .

382

الكاتب

محمد السؤالي

مدون... بإمكانك أن ترفض كلماتي ومقالاتي لكن لابد مع رفضها أن تنظر للواقع لترى إن كُنْتُ صادقًا أم أنك تحتاج لإعادة النظر في موقفك. أكتب عن السياسة وشئون العالم الإسلامي، وأبحث في كل شيء، وأجاهد بالكلمة كل عدو للإسلام، وأوالي بالكلمة كل مسلم صادق يخدم الإسلام .

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.