عندما فقد الإسلاميون البوصلة… تقييم التجربة

ناقشنا في الجزء الأول كيف شكَّل انقلاب الثالث من يوليو للعام 2013 قصة جديدة في تاريخ التيار الإسلامي في مصر، قصة تنوعت فصولها بين القتل والاعتقال والتشريد والتضييق والإعدامات والمطاردات… قصة لا بد من إعادة قراءة فصولها بإمعان؛ للوقوف على مواطن القوة والضعف ورسم مسارٍ منهجي واضح للتصحيح.

تقييم المسار

ولنظرة متفحصة واقعية إلى حالنا وما آل إليه واقعنا، وتطلعاتنا إلى مستقبل يعلو فيه ديننا ويظهر، وريادة حضارية في ظل نظام عادل يحمي الحقوق ويقيم الواجبات، وما تتعرض له الدول الإسلامية والعربية اليوم، لهو حقيق أن يفرض علينا أن نعيد الحسابات، ونراجع المسارات التي سُلِكت ونتقي الله في هذا الميراث العظيم، وهذه الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال.

وإن نظرة واقعية من هذا الشكل تعطينا النتيجة الحتمية أن مُصابنا لعظيم، ولا يفيد فيه فقط صدق النوايا وعظمة المقاصد دون ضبط السبيل إليها، وليس لنا أن نُشكِّك في صدق وعزم الساعين وقد أعلنوا أنهم ما أرادوا إلا إحسانًا وتوفيقًا. ولكن المعركة ضد الطغاة قائمة مشتعلة، ما يستوجب علينا النظر في الأحداث وإبراز ما انطوت عليه من نجاحات والتنبيه على الانحرافات التي اعتلت المنهج والطريق.

ولو كان حديثنا حول نقد أطروحات فكرية محضة بعيدة عن أرض الواقع لسهلت مهمتنا، ولكنها تجربة دُفع فيها ذكي الدماء، والأعمار والحريات والأمان الشخصي.

من تصاعد الدور إلى تراجع المكانة

اعتلى التيار الإسلامي عرش المشهد إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير للعام 2011، فما إن فُتح المجال العام وسمحت الفرصة لعرض ما لديه إلا وحاز قصب السبق منفردًا، ولكن مع توالي المفاجئات التي ما أعدّ لها الإسلاميون العُدّة إلا ووجدوا أنفسهم غارقين في الارتجال، فمع توالي الاختبارات والفرص والتحديات السياسية تعيّن أن خيارات الأحزاب الإسلامية جاءت كردّ على الأحداث الجارية، متولدة من السياق السياسي واقتناص الفرص.

فلا تكاد ترى الخيارات والمواقف مبنية على أساس منهجي يعكس التصور الحقيقي للحركات والأحزاب، بل كانت الخيارات-في الغالب-تقودها التكتيكات والبرجماتية والحذر، بل حتى الحماسة الثورية كانت غائبة عن الخيارات المطروحة. وكانت تلك هي أبرز الإخفاقات التي ارتكبناها جميعًا، فيما يحمل الإخوان المسلمون القسط الأكبر فيها، لوجودهم كفصيل في الحكم امتلك أكبر أدوات التأثير وما يسمح بالتغيير، لكنهم ما نجحوا في استغلال هذا الزخم

الطاعة العمياء للقيادات بدون ضوابط

عانى التيار الإسلامي أزمة قيادة، وضعت الجموع الثائرة في مواجهة أحداث وتحديات هم أبعد ما يكون عن إدارتها، فالجموع اعتادت تلقي ونقل الأوامر فقط، الجميع يُبرِّر لمواقف وأوامر القادة، لا يقف أحدهم مع نفسه ولو لِمرّة لمراجعة مآلات مواقف قادته، الحماسة تجرف الشباب فخلطوا بين الاحترام الشخصي للقادة وتبجيلهم وبين مراجعة القرارات قبل تبنيها والدفاع المستميت عنها، فأخطأ القادة وانجر الشباب وراء القادة يعيثون في خطأهم لا مراجعات لا تنبيهات لا وقفات مع القرارات، ما جعل شباب التيار الإسلامي محطّ سخرية من التيار العلماني، فالشباب لا يحسنون اتخاذ القرار فقط يبررون ويُدافعون.

ثم كانت الكارثة عندما تعمّد النظام إبعاد كل مَن يستطيع إحداث تغيير وقيادة الشباب الثائر، فوجدت الجموع نفسها أمام قرارات حاسمة مصيرية، والجموع اعتادت التنفيذ والدفاع فقط، فتحرّك أنصار التيار الإسلامي وأتباعه من غير خطة ولا استراتيجية، فقط حماسة جارفة، وتضحيات صادقة!

غياب الاستراتيجية والتخطيط الشامل المسبق

فلقد عجز التيار الإسلامي عن بلورة برنامج سياسي واضح المعالم يرسم طريقة للتعامل مع ما عايشوه من أحداث وضعت في أعناقهم مسئولية الانتصار للتصور الإسلامي في السلطة والحكم. فلم تُؤخذ بعين الاعتبار حالة البلاد، ولا التركيبة الدينية والقومية والسياسية للشعب المصري، ولا بطبيعة الحال النظام القديم وتركيبته، وقدرته التي ما زال محتفظًا بها في السيطرة على مفاصل الدولة. فانعدمت الخبرة الإدارية على مستوى الدولة والمؤسسات الكبرى: ما يعكس ضعفًا في التكوين الداخلي العاجز عن تقديم قادة يُحسنون صنع واتخاذ القرارات وإنفاذها.

الثقة في المجلس العسكري

بحجة أن مواجهته ستسبب إزهاق الأرواح البريئة، فركنوا إلى ركن واهٍ لا يكاد يقبل بأي سلطة تحكمه ولا حتى تتوازى معه، كما أنه لا يجد حرجًا في إزهاق الأرواح ولا انتهاج ذات الممارسات التي اعتادها نظام مبارك. جاء هذا في وقت كان فيه المجلس العسكري عدوًا للثورة وظهر كمدافع عن النظام القديم في العديد من الأحداث. بل وصل الأمر حدّ تسكين الشعب وتخذيل الناس عن مواجهة المجلس العسكري تحت سطوة الرغبة في أن تمر الانتخابات وأن مهاجمة المجلس العسكري فيه تعطيل للعرس الديمقراطي.

فقدان البُعد الاجتماعي

حيث عجز التيار الإسلامي عن تقديم خطاب مجتمعي يُحسن مخاطبة الجميع بمعالم المشروع الإسلامي، ما جعل المشاريع الحركية الإسلامية القائمة منغلقة على نفسها وأبنائها، وبعيدة عن كثير من الشرائح الاجتماعية والقطاعات الجماهيرية، والذي ظهر في الحبس الاختياري داخل سجون وسائل التواصل الاجتماعي، والعجز عن نقل الأفكار والقيم للمجتمع، والعجز عن الانخراط المجتمعي مع الحفاظ على الهوية. فأخفقوا في إسقاط شعاراتهم التي نادوا بها طيلة عقود على أرض الواقع وتحويلها لمشروع إسلامي حقيقي يُراعي الواقع في إطار البُعد الشرعي. هذا لعجزهم الكامل عن المواءمة بين مقاصد الدين والدعوة ومتطلبات العصر والواقع. ونتيجة لذلك تراجعت مساحة تأثير التيار الإسلامي في الرأي العام.

التبرير للمخالفات الشرعية وربطها بحالة المضطر لأكل الميتة

ليتحول الاستثناء إلى أسلوب حياة، فمع التجربة البرلمانية للإسلاميين بدأوا بالتمهيد للمبررات التي تُتيح المشاركة البرلمانية التي كانت ترى فيها الجماعات السلفية كفرًا بإعلاء غير حكم الله على حكم الله. فرضوا بالتعايش مع التنازلات واستسهال حالة المضطر، دون سعي لإزالة ذلك الاضطرار والاستثناء والعودة إلى الأحكام الشرعية الأصلية. فكان الإصرار على المسلك الديمقراطي رغم مخالفاته الشريعة، ورغم ما جناه الإخوان خاصة والتيار الإسلامي عامة من اتباع سبيله، فكانت وِجْهة جماعة الإخوان ومناصريهم منصة تحمل في خلفيتها عبارة “Anti-cop Pro-Democracy”.

التدرج في تطبيق الشريعة

ويجب التفريق هنا بين التدرج وحد الاستطاعة، فالشريعة ذاتها تراعي عدم الاستطاعة، ولكنها تراعي عدم الاستطاعة الحقيقية، فالشريعة ذاتها قد اكتملت ولا يصح لنا القول بأن الشريعة لا تطبق إلا بعد تمكين كامل، ولا القول بأن هذا الحكم مناسب الآن وهذا لا نريد مشقة تطبيقه، ولكن يستطيع المجتهد الفقيه أن يقول بأن استصحاب الواقع نتج عنه عدم استطاعة تطبيق هذا الحكم فهو يحتاج إلى إعداد الناس أو تهيئة بعض الظروف، فعندها لم يُلغى هذا الحكم تدريجًا في تطبيق الشريعة ولكن انتقلنا من حكم شرعي لحكم شرعي آخر مرتبط بغير المستطيع، كحكم عدم استطاعة الوضوء، فينتقل حينها غير المستطيع للتيمم، ولا يُقال بتركه للطهارة كلية لأنه غير مستطيع الوضوء.

الإعلام

ومع الإقرار بدور الإعلام في تشكيل الموقف العام والرأي العام للشعب إلا أن التيار الإسلامي لم يُحسن استغلال هذا السلاح، ولا حتى تقويضه في يدي معارضيه، بل إن مراقبة حكومة الإسلاميين للفضاء الإعلامي اتسمت بالتراخي في موطن ظهرت فيه جلية الخطة الممنهجة لتشويه الإسلاميين دون وجه حق، كذلك تشويه الحِس الثوري وتطبيع الناس مع النظام القديم وعودته من جديد للمشهد السياسي المصري، فمنذ شهور كان الشعب في مواجهة انحرافات جهاز الشرطة والنداء بتطهير هذا الجهاز، إلى جانب تطهير المنصات القضائية. وما هي إلا شهور وخرجت الجموع تهتف لـ “شرطتنا الوطنية” وتحملها على الأعناق، وتهلل لنزاهة “قضائنا الشامخ نافذ القرار”. بيد أنّ تلك الأجهزة هي من ثارت الناس عليهم منذ شهور. ورغم هذا لم تحرك حكومة الإخوان ساكنًا حيال تلك العودة على مكتسبات ثورة زرعت لدى الناس وعيًا بحقيقة تلك الأجهزة.

توسيع التنظيم دون القدرة على السيطرة عليه وتوظيفه وصيانته

ومنذ الفض وإلى يومنا هذا يدعو الإسلاميون الشعبَ للانخراط معهم لمواجهة الانقلاب العسكري، دون خطة واضحة لكيفية تلك المواجهة ولا حتى شعارٍ واعٍ بحقيقة الوضع، بل كل ما في الأمر أنها دعوة “للمحافظة على الشرعية”! وبعد انضمام الناس لحراكهم ماذا قدَّم الإخوان تحديدًا من أفكار لتوظيف هذا التوسع في شريحة المستعدين للحراك؟ وماذا فعلوا لصيانة هذه الجموع؟ وماذا أعدُّوا لاستغلالها وإعدادها؟! فقاموا بتصعيد الأحداث دون القدرة على ضبطها واستثمارها: فكَمْ سمعنا بمليونيات ومظاهرات وقف فيها الشعب الأعزل وجهًا لوجه في مقابل الجيش والشرطة والبلطجية! فالناس دومًا ما يُستاثرون وتُصعَّد الأحداث دون القدرة على ضبط هذا التصعيد أو توجيهه، أو استثماره في عمل استراتيجي، فتمر الفترة وكل ما خرج به التيار الإسلامي هو مزيد من الدماء والاعتقالات.

تنظير لم يكلله حراك

وإن لم يكن التنظير في ذاته مذمومًا ولكن أن يكتفي المنظرون بالتنظير على غيرهم ثم لا يبادرون بأخذ خطوات نحو الإصلاح فهذا هو المذموم. فلقد انشغل الإسلاميون من خارج جماعة الإخوان بنقد أداء الإخوان في فترة حكمهم، ولكنهم مع هذا لم يعملوا على استغلال فترة حكم الإخوان في مجرد الإعداد لما هو قادم بعد سقوط الإخوان، رغم أن جميع الآفاق كانت مفتوحة للإعداد في أي جانب. فحتى أولئك الذين تأكَّد لديهم أن أيام الإخوان في السلطة باتت معدودة، لم يأخذوا أي موقف ولم يبدأوا في صناعة بديل خاص بهم.

الانفصال الحادث بين قيادات وجماعات وحركات التيار الإسلامي على الساحة

تشرْذَمَ المخلصون في تنظيمات وولاءات شتى، رغم إجماع الجميع على الرغبة في نُصرة الإسلام، والخلاص من ذلك القمع وتلك الظروف والتضييق والمُطاردة والتعذيب والقتل. فلقد وُجِد العديد من الشباب الذين يؤمنون بالعمل الثوري، ومستعدون للحراك، ولكن مع هذا فلقد وُجِدوا تحت قيادات عِدّة وتنظيمات شتى، ما أفقدنا جدوى هذه الحماسة والرغبة في تصحيح المسار، وبالتالي فقدان إمكانية تركيز هذه الجهود في منحى واحد؛ ما أدّى إلى عدم الإفادة منهم في نهاية المطاف. ثم كان الانفصال بين الداعية والحركي: فكلٌ يعمل في واديه بمعزل عن أخيه؛ فيصيب الحركي الانحراف عن المنهج القويم، ويفتقد الداعية لمن يضمن له حماية تُمكِّنه من الصدع بالحق بلسانه. فافتقد التيار الإسلامي إلى الاستفادة من كافة القطاعات الإسلامية في البلد على صعيد التعبئة، فالناس مختلفون هذا يُحرِّكه الدعوي، وذاك تؤثر فيه البيئة التي يوفرها الحركي، وذاك يؤثر فيه قائد مفوَّه.

فقدان القيادة لزمام المبادرة وعدم قدرتهم على تطوير الأسلوب

والآن وبعد مرور خمسة أعوام على انتكاسة التيار الإسلامي، ليس هناك من جديد على الساحة اللهمَّ إلا نذرًا يسيرًا من المبادرات الفردية القائمة على أكتاف الشباب، فيما اكتفت القيادات بالإصرار على اتباع ذات الأسلوب الذي تتبعه في كل مرة يمر التيار الإسلامي بموقف مشابه. ويبدو أن القيادات اكتفت بالقراءة عن هذه الأساليب دون قراءة مآلاتها وما جرَّته على الناس من خيبات وانكسارات وتجارب دُفع فيها ذكي الدماء بدون فائدة تُذكر. كذلك عدم الإفادة من التجارب الإسلامية والعالمية: ولا أعلم سر هذا الانحصار والانغلاق على النفس وعدم القراءة ولا الاتعاظ بمن سبق، فلقد كانت التجربة السورية 1979–1982 كافية لأن تكون عبرة وعِظة للإسلامين طوال مسارهم الحديث، والعجيب أن الإسلاميين اليوم يطبِّقون ما أثبت الواقع فشله وما كتب التاريخ فيه كلمته. وفيما يخص حركات التمرد العالمية فلقد كان الإسلاميون أبعد ما يكون عن استغلال تجاربهم في المقاومة، فرغم عدم خفاء تجارب حركات المقاومة والتمرد العالمية، أبى الإسلاميون إلا أن يعيدوا إنتاج ذات الأخطاء بذات الطريقة التي تفشل كل مرة علَّها تصيب مرة.

انتظار الدعم من جهات خارجية باستمرار وعدم الاعتماد على النفس

فدائمًا الرسائل موجهة للغرب ودائمًا الكونجرس هو الوِجهة، ودائمًا ما يُعوَّل على المبادرات الخارجية.

فقدان القدرة على الردع

لقد افتقد الإسلاميون لقوة الردع فضلا عن قوة المبادرة، ما جعلهم قصعة مستباحة للجميع، وكأنهم نحَّوا العقل والمنطق جانبًا في التعامل مع الموقف، ونسوا أن الدفاع عن النفس حق مشروع يمارسه الجميع في حياته اليومية، بل هو حق كفلته جميع القوانين ولم يخلُ منه دستور ولا حكم وضعي ولا عرفي، ولا بالتأكيد شرعي. فقُتِل وحُرق الآلاف بدمٍ بارد لتيقن قاتلهم أنّ هؤلاء لا بواكي لهم، فإذا لم يكتفِ القاتل بالوعيد الذي توعده الله للقاتل ظلمًا؛ فامتلاك قوة الردع إذًا هو ما يحقن الدماء فلن يُقْدِم أحد على المساس بمن يملك حق الرد وقوة الردع.

غياب أي تصور عن مرحلة ما بعد سقوط النظام لو حصل بفعلنا أو فعل غيرنا

ورغم الدعوة التي لم تنقطع منذ خمس سنوات لإسقاط النظام؛ إلا إن التيار الإسلامي فيما يبدو لم يُعِدّ العدّة بعدُ لأي تحول مفاجئ في الأحداث قد يضع الجميع في فراغ سياسي، لا يحسن استغلاله إلا أكثر الفِرق جهازية للاقتناص.

فرغم بزوغ نجم التيار الإسلامي فيما بعد ثورة يناير؛ إلا أنّ تهاويه كان سريعًا، ربما هذا لما شهده التيار من تحدياتٍ لم يكن على مستوى الاستعداد لها، ولربما لغفلته عما يُحاك له وإغفال صوت الشارع الذي كان الإعلام يزيد تأجيج سريرته ضد حكم الإسلاميين لوأدِ تجربتهم فكان تركيز التيار الأكبر على ما هو سياسي غافلًا الوضع الاقتصادي وانعكاساته على قطاع كبير من الناس لم يغفل الإعلام تحريكهم ضد الإسلامين مستغلين تلك الغفلة، فأتت الحملة الإعلامية والدعائية السلبية ضد حكم الإسلاميين أُكُلها.

ولربما كان ذاك الأفول الذي شهده نجم التيار الإسلامي يعود إلى ارتضائه العمل تحت مِظلة إطار قانوني وُضِع خصيصًا لوأد أية محاولة لتخطي قوة المؤسسات العميقة في الدولة المصرية والتي تحكمها المصلحة الاقتصادية الذاتية والرضا العسكري. ولكن الأكيد أن تلك العوامل مُجتَمِعة أدّت إلى أفول وتراجع المكانة الاجتماعية للتيار الإسلامي في الوسط المصري.

نجاحات أخفتها الإخفاقات

مظاهرات شباب التيار الإسلامي داخل جامعة الأزهر

ورغم ما أسلفنا، لا يمكن إنكار حجم الإسهامات التي قدمها التيار الإسلامي على المستوى الخدمي والمجتمعي والإغاثي، ولا جهود أبنائه التي جاءت في وقت كانت القيم الإسلامية تُحارَب بلا هوادة، ومحاولات التغريب قائمة على قدم وساق، وإعلام أراد لقيم صانعيه أن تسود، ومحاولات أنفق العلمانيون فيها الأوقات والأموال لنزع الدين من حياة الناس، فإذا بأموالهم تكون عليهن حسرة، وبتوفيق من الله وجهود من الصادقين استعاد المسلمون قيمًا من دينهم الحنيف كُتب عليهم ألا يسمعوا بها، وبُثّ الوعي ونُشِرت القيم الدينية وعادت المساجد يعلو فيها ذكر الله، وعادت حلقات التحفيظ تُطرب الأسماع وتُنير القلوب، فحتى وإن ظلت تلك الجهود حبيسة الجانب القيمي والاجتماعي إلا أنه لا يمكن لمنصف إنكارها.

وعلى صعيد آخر، يمكن النظر إلى التجربة الإسلامية استنادًا إلى حجم الموارد المتاحة لها وقدرتها على توظيف تلك الموارد لتحقيق أهدافها، فعملت بعض الحركات الإسلامية المصرية على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي أيّما توظيف، فاستعاضت به عن التضييق الذي فُرِض على حلقات العلم والتدارس من قِبَل نظام ما بعد الثالث من يوليو، فاستعانت بذلك السلاح الجديد للترويج لأفكارها وتعويض بعضًا مما خسرته على صعيد الحضور المجتمعي وإن كان بين فئة الشباب أكثر من باقي الفئات. كذلك كَسْب متعاطفين بل وأحيانًا مؤيدين جدد، بعد قدرتها على نقل ما أُخفي من المظالم وتوثيق الانتهاكات وتقديم الدعم ولو فقط النفسي للمتضررين، والمساعدة في إحداث ضغط فيما يتعلق بأمر المختفين قسريًا.

وفيما يتعلق بالعنصر البشري أثبتت الأحداث إمكانية تعبئة الجماهير لصالح فعل ثوري، كذلك القدرة على مقارعة بعض أساليب القمع، وقدَّم الناس ما في وسعهم عندما طُلِب منهم المشاركة في الاعتصام والتظاهرات والمسيرات، ولإن أخطأ القادة في هذا التوجيه، ولكن لا يخفى ما في هذه الأحداث من رغبة في التضحية من أجل مشروع إسلامي، كذلك ما تحلت به القاعدة العريضة من عموم أبناء التيار الإسلامي من شجاعة وإقدام.

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ

ومن هاتين الآيتين العظيمتين تتشكل لدينا ملامح المسار وهويته التي تحفظه من الزيغ والانحراف، فقبل الخوض في الحديث عن الاستراتيجيات وطرح الخطط التفصيلية يجب أولًا إدراك الحقيقة التي من أجلها خلقنا الله، والواجبات التي كلَّفنا بها في المقام الأول. لنضع ونؤسس للقاعدة التي ستنبني عليها جميع الحلول والتكتيكات والاستراتيجيات… ولذا خصصنا آخر أجزاء هذه السلسلة للحديث حول مسار التصحيح ومنهجيته واستراتيجياته.

308

المصادر
الكاتب

مي محمد

طالبة علم، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.