لطالما رفع الإسلاميون شعارات التغيير واستهداف رد الشعوب لإسلامها، ولطالما شهدنا منذ النصف الثاني من القرن الماضي عددًا من الشطحات الفكرية لمنظري هذه التيارات الإسلامية بل وتدخلهم أكثر من مرة لصالح النظام الحاكم أو لصالح زبانيته؛ ولربما أوضح مثال مجموعة أفعال حركة الإخوان المسلمين ما بين العراق، سوريا، مصر، تونس و المغرب.

فهل هؤلاء لا يفهمون الواقع أم أنهم لا يتعلمون منه؟

مع بداية ظهور الحركات الإسلامية في مختلف بلاد المسلمين، وقفت الشعوب خلفها مسلمةً إياها القيادة من أجل دحر العدو الغاصب، وكانت تلك هي الغاية الأساسية في سبيل توحيد الأمة من جديد. فتطورت طرق الجهاد الذي انضاف إليه العمل الفكري، والإعلامي، والمجتمعي والسياسي، فكانت نهضة الأمة من المحطات المراد بلوغها في سبيل إعادة أمجاد الأمة.

هوة بين الشعوب والحركات الإسلامية

ولكن الغاصب انتبه للأمر ونجح في صنع هوة بين الشعوب والحركات الإسلامية، ثم توسيعها بشتى الطرق من أجل عزل هذه الحركات الإسلامية عن مسانديها ونزع “القاطرة” من قطار نهضة الأمة؛ فلا موجه للشعوب و لا داعم للإسلاميين. فلما وجد الإسلاميون كل الأبواب مغلقة أمامهم إلا باب التعذيب، والمطاردة والقتل، اضطروا أن يخضعوا للمحتل الذي لم يكن ليتركهم ليعودوا للذوبان في الأمة فيحيوا منها ما يستطيعون، بل فتح لهم نافذة الانضمام إلى اللعبة الديمقراطية حيث يمكنهم المشاركة وهم يؤمنون أنهم قادرون حقًا على إحداث تغيير من داخل نظام صمم أساسًا لتفاد أي تغيير مضر بمصالح الاحتلال و عملائه.

الإسلاميون أداة لامتصاص غضب الشعب لصالح النظام

فكانت الموافقة من الإسلاميين الذين غدوا أداة فاعلة لامتصاص زخم الشارع لصالح نظام الحكم، فأصبحت كل موجة جارفة مطالبة بتحكيم شرع الله تتكسر على صخور الإسلاميين الذين يرفعون الشعارات ذاتها لكن مشروطة بتحققها وفق المسار الديمقراطي، فلا شريعة تحكم إلا أن يوافق عليها الشعب، ولكي يوافق عليها لن تنزل بشكل كامل بل ستجزأ لأجزاء كثيرة جدًا كل بضعة سنوات يحاول الإسلاميون تمرير جزء لتقنينه حتى لا يخسروا ديمقراطيتهم التي يرونها الحل لدرجة موتهم من أجلها. و لم تتوقف المصيبة عند هذا الحد بل قامت مجموعات من الإسلاميين بوضع اليد في يد من يعلن جهارًا حربها، لماذا؟ من أجل القضاء على كل ما يمس مصالح المحتل.

فنرى إخوان العراق وقد كانوا من أفضل أسلحة الولايات المتحدة الأمريكية في غزو العراق، ثم نرى إخوان مصر يمتصون صدمة الشعب المصري ويتدخلون ضد تنقية الجيش وتقييده، ونرى أيضا إخوان تونس يبتلعون المنادين بإقامة شرع الله وعوض ذلك يعدون الطريق لتشريعات علمانية تحارب الدين و أهله، أما في المغرب فبعد أن خرج المغاربة بداية ضد الفساد ثم لإسقاط النظام، انتفض هذا الأخير وسمح للإسلاميين بالظهور بمظهر المنقذ الذي أصبح زعيم الحكومة التي سميت ساعتها “حكومة الإطفائيين” وإن كانت كل الوزارات المهمة في يد النظام الحاكم (من الداخلية ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ..) فيما يتغنى الإسلاميون المغاربة بالدستور الجديد، فقد تم استغلال الإسلاميين بنجاح من أجل امتصاص دعوات الإصلاح و الحفاظ على مكتسبات الاحتلال الذي استمر في عملية تغريب الأمة دون تشويش كبير.

وهم التغيير من الداخل

ومع ذلك استمر الإسلاميون في الصدح بما اعتدنا سماعه من قبلهم من أنهم سيغيرون النظام من الداخل وأنهم سيطبقون شرع الله بالتدريج وغيرها من الدعوات والشعارات والوعود التي تظهر مدى غبائهم؛ فعلى الإسلاميين أن يفهموا أنهم كمن يلعب لعبة ” احزر ماذا كتبت” ضد مجموعة من اللاعبين الذين يخفون أوراقهم عكس الإسلاميين الذين يظهرونها باسم إظهار حسن النية، ففي كل دور سيخسرون حتى ولو بلغوا سدة الحكم فستتدخل الدول الغاصبة لإسقاطهم كون أهدافهم معلنة مسبقًا، وإن كانت مجرد شعارات حسبما يبدو فحتى فكرة تغيير النظام من الداخل ليست بقابلة للنجاح مادام النظام يعلم هدفهم وكذا الدول الأخرى التي تتحكم في مصير البلد، فالعالم يعلم، أما الإسلاميون فلا يعلمون.

481

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.