يوم الخميس 3 سبتمبر 2015، أصيب 6 عسكريين من قوات حفظ السلام المتعددة الجنسيات، إثر انفجار عبوة ناسفة في السيارة التي كانوا يستقلونها، في منطقة الجورة جنوب الشيخ زويد، وتم نقلهم إلى داخل المعسكر للعلاج، وسط تجاهل إعلامي وتستر من الجانب المصري، ولم يفصح المتحدث العسكري أي تفاصيل عن الحادث. فلما كل هذا التعتيم؟ وما سبب وجود هذه القوات في سيناء؟

(Mutlinational Force and Observers) -وتسمى أيضاً قوات حفظ السلام الدولية- بين مصر وإسرائيل، يقع مقرها في روما، ولها مكاتب اتصال في القاهرة وتل أبيب، بالإضافة إلى معسكرين رئيسيين في سيناء أحدهما قرب شرم الشيخ، والآخر قرب العريش في منطقة مطار الجورة “الذي أنشأته إسرائيل أثناء احتلالها لسيناء؛ ليكون أكبر قاعدة جوية لها”. ومما يذكر، أن هذه القوات ليست خاضعة للأمم المتحدة “مثل قوات اليونيفيل جنوب لبنان”، بل تخضع للولايات المتحدة الأمريكية وتحت إرادتها، يطلقون عليهم “ذو القبعات البرتقالية” للتمييز بينهم وبين قوات الأمم المتحدة “ذو القبعات الزرقاء”، فما هي قصة أصحاب القبعات البرتقالية؟

اقرأ أيضًا: نمرو 3: أكبر وحدة أمريكية عسكرية للأبحاث البيولوجية في الشرق الأوسط توجد في مصر!

 البداية كامب ديفيد:

 

campdavid-accords
تم توقيع اتفاقية كامب ديفيد  في 17 سبتمبر 1978م، بين الرئيس المصري محمد أنور السادات ورئيس وزراء الكيان الصهيوني مناحيم بيغن الذي قال عنه الرئيس الروماني:

“أن مناحيم بيغن بلا شك صهيوني وصهيوني جدا،‏ ولكنه رجل سلام‏،‏ لأنه يعرف ما هي الحرب‏.‏ ولكنه أيضاً‏ يريد أن يترك اسمه علامة في تاريخ الشعب اليهودي”

واستمرت المفاوضات لمدة 12 يوماً في منتجع كامب ديفيد بأمريكا، والتي توجد مطالب لمعرفة تفاصيلها التي تحتفظ بسريتها إلى الآن، حتى أنها لم تعرض على البرلمان المصري في ذلك الوقت.

وكان من أسبابها:

أن مصر وإسرائيل غير راغبين في الحوار المباشر بينهما بعد حرب أكتوبر 1973، فأدى ذلك إلى تعثر في المحادثات بينهم وعدم التطبيق الكامل لبنود القرار رقم 338، ولكن في هذه الأثناء، صدر تقرير معهد “بروكنغس” –أقدم مراكز الأبحاث السياسية والاقتصادية في أمريكا- الذي ينص على ضرورة اتباع منهج الحوار متعدد الأطراف للخروج من أزمات الحوار في الشرق الأوسط. فانتهجت الإرادة الأمريكية هذه السياسة، باستعمال جهة ثالثة كوسيط بين الطرفين متمثلة في أمريكا بقيادة رئيسها آنذاك “جيمي كارتر”.

وفي افتتاح دورة مجلس الشعب في 1977، أعلن السادات استعداده للذهاب للقدس بل وإلى الكنيست الإسرائيلي أيضاً، وقال:

“ستُدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم”

وسبقت زيارته مجموعة من الاتصالات السرية بين مصر وإسرائيل في المغرب، التقى فيه “موشي ديان” –وزير الخارجية الإسرائيلية- مع “حسن التهامي” –نائب رئيس الوزراء المصري-. وخلال زيارته للكنيست الإسرائيلي في 20 نوفمبر 1977، ألقى خطاباً أكد فيه أن فكرة السلام بين مصر وإسرائيل ليست جديدة، ثم دعا بيجن لزيارة مصر في مؤتمر قمة في الإسماعيلية، الذي تحدث فيه “بيجين” عن حق إسرائيل في الاحتفاظ بالأراضي المحتلة –على أرض مصر-. وبعد عدة أحداث أهمها بناء إسرائيل مستوطنات جديدة في سيناء، ترددت مصر بين قبول المبادرة أو رفضها، ولكن هنا تدخل “كارتر” ودعا الطرفين إلى اجتماعات كامب ديفيد.

وفي 26 مارس 1979 -عقب محادثات كامب ديفيد- وقع الطرفان معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، من أهم بنودها:
إنهاء حالة الحرب، وإقامة علاقات ودية بين مصر وإسرائيل، وانسحاب إسرائيل من سيناء التي احتلتها عام 1967، ونصت الاتفاقية أيضاً على ضمان عبور السفن الإسرائيلية قناة السويس، واعتبار مضيق تيران وخليج العقبة ممرات مائية دولية، والبدء بمفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة، والتطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242.

ومن نتيجة الاتفاقية:

تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية من عام 1979 إلى عام 1989 ، تغيرت سياسات بعض الدول تجاه مصر، وهذا كله أدى إلى فصل مصر عن العرب وتفكك المنطقة العربية، وقع على إثرها تدمير المفاعل النووي بالعراق، واحتلال أراضي لبنانية، توجيه ضربات لتونس وسوريا، تحليق الطيران الإسرائيلي فوق السودان. وكارثة التطبيع مع الكيان الصهيوني على مستوى الاقتصادي، حيث بدأت مصر بتصدير الغاز لإسرائيل عام 2005 لمدة 20 عاماً بسعر أقل من سعر الوحدة الحرارية. وتطور الأمر بشراء إسرائيل أسمنت الجدار العازل من مصر. ولِم لا؟ ومصر –الدول الأكبر مكانة في الوطن العربي- قد اعترفت بدولة الكيان الصهيوني. وتدريجياً صارت أمريكا هي السيد الأكبر للعرب؛ فهي راعية السلام بينهم، وأصبح كل شيء بين يديها، ولننظر إلى قوات حفظ السلام في سيناء لنري أن أكثر من 40% من جنودها أمريكان. وأيضاً لا ننسى حصول الرئيسين على جائزة نوبل للسلام كنتيجة من نتائج معاهدة الخزي.
“كيسنجر” -وزير خارجية الولايات الأمريكية- قال بعد توقيع الاتفاقية:

“توقعت من السادات عندما يقرأ بنودها أن يركلني في مؤخرتي و يعود إلى مصر غاضباً، ويعلن الحرب مرة أخرى، فإذا بي أفاجأ بأن السادات وافق على كل ما جاء فيها دون مناقشة”

وقال عنها الخبراء السياسيون أنها أسوأ معاهدة تم عقدها في تاريخ المعاهدات الدولية، وهي تدرّس في المعاهد السياسية على أنها نموذج لسلب الإرادة، فلا توجد معاهدة في العالم كبلت دولة و شلت إرادتها وأخضعتها كما فعلت كامب ديفيد.

MFO ما بعد كامب ديفيد:

Mfo In Sinia
عقب اتفاقيات كامب ديفيد 1979م، حاولت جبهة الرفض العربية بقيادة سوريا تخريب المعاهدة، فضغطت على الاتحاد السوفيتي باستخدام حق الفيتو ضد أي قرار يصدر بتواجد قوات للأمم المتحدة في سيناء. وبناء على ذلك، هددت الصين وروسيا باستخدام “الفيتو”. لذلك لجأت مصر وإسرائيل برعاية أمريكية بتشكيل قوات لحفظ السلام في سيناء عام 1982، وتحديد إدارتها وتمويلها وأماكن تواجدها في المنطقة (ج) التي تعادل ربع مساحة سيناء تقريباً. وبالتالي أصبح مسرح عملياتها يتضمن المنطقة (أ) و (ب) و (ج) في مصر، والمنطقة (د) في إسرائيل.

أما بالنسبة لميزانيتها، فتنقسم على الثلاث دول بالتساوي، ساهم كل منها بمبلغ 25 مليون دولار عام 2011، وساهم باقي الدول بمنح تقل عن ذلك بكثير. وبذلك نجحت أمريكا والكيان الصهيوني في استبدال دور الأمم المتحدة بقوات متعددة الجنسيات، للحفاظ على أمن واستقرار إسرائيل من على الأراضي المصرية.

وتضم القوات 35 برج مراقبة ونقطة تفتيش على طول شرقي سيناء، بالإضافة إلى 15 مراقب أمريكي مدني؛ للتأكد من سير الاتفاقية. ويوجد 12 دولة مشاركة في القوات البالغ عددها 1700 جندي: (الولايات المتحدة- كولومبيا- فيجي- إيطاليا- أستراليا- كندا- فرنسا- المجر- نيوزيلندا- النرويج- أوروجواي- هولندا)، يشمل ذلك الأطباء والمتخصصون في الألغام الأرضية، والذين يساعدون سكان المنطقة على التخلص من المواد المتفجرة المتبقية من النزاعات السابقة. ويبلغ عدد الجنود الأمريكان في هذه القوات 700 جندي، موزعين على فريق عمل كتيبة المشاة 425 مجند، ووحدة الدعم اللوجستي 225 مجند -تقوم بتوفير الطائرات والقيام بعمليات جوية-، ومقر يضم 40 موظفاً.

Mfo 2
وتقوم القوات بدوريات جوية للتحقق من أن نشر القوات المصرية لجنودها يتفق مع المعاهدة، بالإضافة إلى العمليات البرية. ولكن هذه الدوريات تكون على مصر وحدها دون إسرائيل؛ لأن الكيان الصهيوني رفض وجود قوات أجنبية على الأراضي المحتلة، فيتم مراقبته بعناصر مدنية فقط؛ لذلك سميت بـ “القوات متعددة الجنسيات والمراقبون”. وتمارس هذه القوات عملها منذ انسحاب إسرائيل من سيناء 25 أبريل 1982، وهي مخولة للتدخل في حالة حدوث أي انتهاك لمعاهدة السلام أو أي تهديد لإسرائيل.

ولقد أثبت الطرفان رسوخ هذه الاتفاقية في أغلب المواقف، مثل حادثة مقتل 7 إسرائيليين على يد مجند مصري، وأيضاً مقتل عدد من الجنود المصريين من الجانب الإسرائيلي. وقد تعاون الطرفان أكثر من مرة لإجراء تعديلات على اتفاقياتهم السابقة، في عام 2005، وافقت إسرائيل على التواجد المصري في المناطق التي يفترض أنها ممنوعة من التواجد فيها، بحجة مواجهة الإرهاب.

وفي الاجتماع السنوي للقوات، طلبت مصر تقليل حجم القوات؛ لأن هذا يكلفها بتسديد ثلثها دون أي عائد على الدولة، وهذا ما رفضه الطرفان الأمريكي والإسرائيلي.

MFo
فكيف نصدق أن سيناء ليست محتلة إلى الآن، والقوات الإسرائيلية تبعد عن الحدود 5 كيلومترات فقط، مما يسهل دخولها واحتلالها في أي لحظة بمساعدة القوات الأمريكية الموجودة على أرضنا، فهم أهل لنقض العهود وما ذلك بخفيّ.

اقرأ أيضًا: سياسة المشهد الواحد !

 التطورات الأخيرة:

U.S. Army Chief of Staff Gen. Raymond T. Odierno poses for a group photo with Soldiers at South Camp near Sharm el Sheikh, Egypt after an award ceremony Sept. 21, 2012. Soldiers are deployed in the Sinai Peninsula in support of the Multinational Force and Observers. The MFO is an international peacekeeping force overseeing the terms of the peace treaty between Egypt and Israel. The MFO is currently comprised of troop formations from 12 different nations. (U.S. Army Photo by Staff Sgt. Teddy Wade/Released)

الجدير بالذكر أن رجال القبائل البدوية لا يخضعون كثيراً لقيود الدولة، فقاموا بحصار القوات لثمانية أيام؛ مطالبين بالإفراج عن سجين لهم تم حبسه في تفجيرات طابا وشرم الشيخ. وأيضاً قامت الجماعات المسلحة بقطع الإمدادات عن هذه القوات، في فترة حكم الرئيس “محمد مرسي”؛ للمطالبة بالإفراج عن سجناء متهمين في قضية تفجير طابا، كما أحرقوا أحد أبراج المراقبة احتجاجاً على الفيلم الأمريكي المسيء للرسول –صلى الله عليه وسلم-.

وبالرغم من هذا، لم تتعرض هذه القوات لمستوى اعتداء في سيناء -مثل ما شهدته قوات الأمم المتحدة في لبنان “اليونيفيل”-، إلا أن انفجار العبوة الناسفة في السيارة التي يستقلونها في منطقة الجورة، والتي لم تعلن جهات رسمية عن تفاصيل الحادث، إلا من جهات غير رسمية داخل سيناء، وقد أصيب فيه 4 أمريكان و2 من فييجي. ويروي المتحدث العسكري الأمريكي بالبنتاجون تفاصيل الحادثة بعد وقوعها مباشرة:

“أن هناك انفجار أصاب 2 من فيجي، وعندما جاء الأربعة جنود الأمريكيون لمساعدتهم، وقع انفجار ثان أصاب الجنود الأمريكيين، وكانت الإصابات لا تؤدي إلى الموت وتم نقل الجنود جوا لإسرائيل وهم بحالة جيدة الآن”

هذا الاستهداف يدل على التحول الكبير لفرع الدولة الإسلامية” ولاية سيناء” في سيناء باستهدافهم لهدف دولي، والتي كانت تقتصر في السابق على الجيش المصري. وهذا شكل معظم آراء الجرائد الأمريكية التي أبدت أن شن هذا الهجوم، سيفتح فرع جديد لقوات التحالف في الحرب على فرع الدولة الإسلامية في سيناء.

ويقول بعض الخبراء أن انسحاب القوات الدولية من مصر سيؤثر على صورتها خارجيا؛ لأنه يعطي الضوء الأخضر للجماعات المسلحة باستغلال هذا وإضافته كإنجاز لهم، وهو بدوره سيؤثر على السياحة المصرية.

كل هذا يصب في فكرة زيادة عدد القوات في سيناء وخاصة الجنود الأمريكان؛ حيث قال مسئولون أن الولايات الأمريكية تدرس إمكانية تعديل قوات حفظ السلام الدولية، وهذا ما قامت به الولايات الأمريكية بالفعل بترسيخ الاحتلال الأمريكي في سيناء، بزيادة عدد جنودها في سيناء 75 جندي إضافياً من فرق المشاة، وشملت فرق جراحية مجهزة جيداً. وقال المتحدث باسم البنتاجون “بتر كوك”:

“نحن الآن قلقون، وعلى رأس أولوياتنا أمن وسلامة الأفراد الأمريكان هناك”

ويأتي آخرون ليقولون أن المعاهدة تنعمنا بالسلام وحافظت على أرواح الكثير من المصريين، ظانين أن الحرب بيننا قد انتهت، فلينظروا إلى علم إسرائيل، ليعلموا أن الحرب دائمة بيننا، والصدام واقع لا محالة، ولن تفيدنا معاهدات ومواثيق لطالما خالفوها وانتهكوها جميعاً، فنحن لا نخشاهم رغم ما فينا من ضعف، ولكن إن تمادينا في تخاذلنا وضعفنا، فلن يدخل مسلم واحد ليصلي في المسجد الأقصى، وها نحن نرى بأعيننا الآن.

2778

الكاتب

دعاء عمر

أسعى لأرتقي دينياً، أخلاقياً، وفكرياً "مقدسية العقيدة، شامية الأندلس".

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.