Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

لم أقصد التنّصت على حديثهنّ .. فقط جذبت مسامعي أصواتهنّ المحتدَّة عليها وصوتها اليائس من فهمهنّ لها ..
” مش كل حاجة لازم نستنى لحد ما نقتنع بيها عشان ننفذها ! طالما آمنتِ بالله يبقى تسمعي كلامه ! ”
“لكن أنا لازم عشان أعمل حاجة أكون حاسّاها و مقتنعة بيها من جوايا أولا و ده لسه ماحصلش ! ”
حول هذا ، دار حديث لم يقطعه سوى صوت المؤذن ينادي بإقام صلاة المغرب ، فسارعت إحداهنّ بمَدّ يدها بغطاء الرأس إلى من كانت محور الحديث ، والتي بدورها أحكمت إخفاء خصلاتها المتطايرة تحته بجديّة و رضا واضحَين ، ثم اصطففنا جميعًا للصلاة سادّين الفُرَج بيننا بعناية ..
انصرفْنَ و انصرفتُ و بقي حوارهنّ رنّانًا في أذنيّ ونفسي .. و تزاحمت الأفكار برأسي وكذا المفاهيم و التصوّرات عن لفظات فاعلات في قضيّة كالمثارة .. الأنوثة .. الحجاب .. الإيمان .. النَّفْس .. الصورة .. نعم ! أخذني هذا فورًا لقضية سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة .. تلك القضية التي هي عنوان كتاب قيّم للعالِم “فريد الأنصاري” ، والتي هي محل بحثي هذه الأيام .. و كيف أن الصورة و النفس لا فصلَ بينهما .. و كيف أن حُسْن فَهم المرأة لسيمائها النفسية ( من جماليات الأنوثة و الحياء و الستر و الأمومة و غيرها ) يدلّها على سيمائها الشكلية .. فسيماء النفس التي لا تدلّ على سيماء الصورة إما ناقصة أو فاسدة .
و لكن – و إن صَحَّ ما توصلتُ إليه- ، فهل تُحاسَبُ المرأة إذًا على ما ارتضت لأنوثتها من سيماء الصورة التي دلّتها عليه ما هُديَت إليه من سيماء النَّفس فقط ؟!
في رأيي ، إن الأمر ليس كهذا ، و حتى إنْ صَحَّ هذا ، فلا تهذيبَ للنفس يعرّفها سيماها خير من “الإسلام” بمعنى “التسليم لله” ، فكيف تدّعي أنها قطعت أشواطًا صادقة في معرفة نفسها بغير التسليم لخالقها ؟! و كيف تدّعي التسليم له بغير الائتمار بأوامره التي تحقق لها الحَدّ المقبول في الإسلام من سيماء صورتها حتى قبل بلوغ تلك الدرجة المخصَّصَة لها في مسلكها إلى الله ؟!
إلهي ! الأمر يبدو أكبر و أوسع من قضية صورة المرأة ونفسها ، بل أكبرو أوسع من حبسه فيما يتعلق بالمرأة !
ربما تكون قضية “اقتناء اللآلئ و الحفاظ عليها ” ؟!
نعم ! تلك اللآلئ التي ينعم بها علينا المُنعِم – سبحانه- لتظلّ بحوزتنا ، حتى إذا ما ترقّينا – بهُداهُ – درجةً في فَهمٍ أو عِلمٍ ، يسقط على إحدى اللؤلؤات شعاعٌ من الحكمة ، لينعكس على سطحها ، فيتجلّى لنا بريقها يبدّد ظلمات رتابة حملها و ثقل السّير بها ، و كأنها هدايا الاجتهاد و عطايا الترقّي و إضاءاتٌ لجانب من الدَّربِ الطويل .. و علاماتٌ لنهتدي ..

و لْننظرْ الآن في حال مَن يكلّ و يجزع أثناء المسير ، فيبعثر ما بحوزته من لآلئ يراها حجارةً معتمةً تُثقِله فَحَسب ، إذ يبتليه ربُّهُ بفَهمٍ أو عِلم ، تُرَى على أيّ سطحٍ ينعكسُ هذا الشعاع الجديد البارق ليضيء للمسكين الفقير جانبًا مِن دَربِه ؟!
نفيسٌ عزيزٌ ذلك الشعاع الربّانيّ ، يأبى إلا أن ينعكس على ماهو ربّانيٌّ مثله ، ربّانيّ الأصل و السيماء ، فينفذ من الجَعبة الفارغة من اللآلئ إلى حيث يشاء مُرسِلُه ، و ربما قَدَّرَ الله له الاستقرار على سطح إحدى تلك اللآلئ الملقاة بسَفَهٍ ، فيمنّ – سبحانه- على سالكٍ صابرٍ موقِن باللؤلؤة و بريقها دفعةً واحدةً .. عطاءً حِسابًا ! و يقضي المسكين حياته الدنيا بلا زاد .. بلا معنى أصيل ولا سيماء ظاهرة .. يقضيها فارغ الجَعبة !

و لكن تُرَى ما الحكمة من أن يجعلَ الله –تعالى- التسليم إليه مُلزِمًا ببعض سيماء الصورة ، حتى لِمَن لم يهتدِ لمعانيها و مقاصدها بَعد ؟! أليس في هذا ثمة قيد أو تضييق خناق ؟!
بلى ، حاشاه ربُّنا وهو الغنيّ !
بل انظر معي يا صاحبي كيف أنّ الله – تعالى – لم يلزم السالك إليه بلازمٍ ليكون أهلًا لأن يمنّ عليه بشرف حمل سيماء المسلمين الطائعين لله والسّير بها في الأرض !
والله إنها لَعين المنحة والفضل والاصطفاء أن يمنح الله عبده – ما أن يسلم إليه – حَمل السيماء الدالة عليه تعالى – حتى ما لم يسْعَ لفهمه و فقهه منها بَعد – بغير حولٍ منه ولا قوّة ، أفلا تكونَ يا عبدَ الله شكورًا بالسلوكِ و الافتقار إليه و طلب علمٍ و فهمٍ و حكمة ؟!

حسنًا ، ألهذا فقط وَجَبَ القَرن بين التسليم لله –تعالى- و حَمل بعض سيماء الصورة ؟
مهلًا ، تعلّمنا يا صاحِبي أن بالتّضادِ تُعرَفُ الأشياء ، فلْنَرَ معًا ماذا لو أنّ الله –تعالى- لم يشرِّع هذا ؟ ماذا لو أرجأ كل سيماء الصورة لما بعد فهم عبده و تفقهه و تعلّمه ؟!
أسمعكَ جيّدًا و أتفق معكَ تمامًا في هذين الأمرين اللذين قد ينتجان عن هذا ، ولا أدري أيّهما الأخطر ..
لو كان هذا ، لنَتَج خَلَلٌ في تسليمٍ و تسليمٌ لخَلَل !
فأما الأول فهو خللٌ عظيم في مبدأ التسليم لله ، إذ نرى أن التسليم له –تعالى- غير كاف لأن نهتدي قلبًا و قالبًا .. نفسًا و صورةً .. فذاك الذي ينقصه سعي من العبد للفهم ، بدونه لا يكتمل ، لا يُعَدّ دينًا ، ولا تسليم لغير دين ،
و أما الثاني فهو تسليم السالك – حين يهديه الله – لفهمه هو و إدراكه هو لا لله ، ظنًّا منه أن ما سلكه بفهمه هو ما أنتج سيماء الصورة لدينه ، و ليس فقط ما أضاءها ، فأنّى للعبد الجهول الكفور – وسط كل هذا – بما يذكّره بعبادة الله الواحد الأحد و الافتقار إليه وحده .. مَن خَلَقَ الأفهام و أنار البصائر و هدى القلوب و زَكَّى الأنفس ؟!
صَدَقتَ يا صاحبي ، و إلى جانب كل ما ذكرت ، يكفي افتقاد السالك إلى الله جلال تلك اللحظة المهيبة التي يسقط فيها شعاع النور الربانيّ على اللؤلؤة التي اعتاد رؤيتها معتمةً ، تلك اللحظة التي يضاء فيها وجهه ، و تقرّ بها عينه ، و يُجَدَّد فيها إسلامه ، و تسكُن فيها أنفاسه ، و تتلألأ فيها عَبرةُ إجلالٍ و امتنانٍ و افتقارٍ في مقلته ، و يخرّ بكلّ ما أوتي من وعيٍ و إدراكٍ مسلمًا لله شاكرًا إيّاه مستعينًا به على استكمال المسير ..إليه .

فيا صاحبي كم نحن في احتياجٍ ماسّ لتفقّد حال جعابنا ! ما تحويه من لآلئ .. ما هُدينا إلى ضيائه منها وما لم نُهدَ .. ما سعينا لاستضاءتها و ما ألفنا رؤيتها معتمةً حتى أننا لم نلتفت إلى أنها ما خُلِقَت إلا مضيئة وضّاءة ولا يحقّ لنا سلبها جماليتها الخاصة ، فلا نملك إلا السعي بجدّ ، لإزالة تلك الغيمة المعتمة أمام أعيننا لا من أعلى سطح لآلئ الجعبة .. فأنعِم بها لآلئًا و أكرِم به حاملًا يقظًا .

بقلم: فاطمة محب

290

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com ،مقالات الرأي تُعبر عن رأي الكتاب ولا تُعبر بالضرورة عن تبيان.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.