الثروة المائية الوجه الآخر للصراع

سلطت أزمة سد النهضة التي طالت فصولها بين إثيوبيا ومصر الضوء على أحد أهم قضايا الأمن القومي للدول في العصر الحديث، ألا وهي قضية الصراع على الثروة المائية.

ولم يكن مستغربًا تهديد رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد بحشد الملايين من الجنود لحماية السد الجديد إذا اقتضى الأمر ذلك، في حين تحدثت التقارير الإعلامية عن نصب إسرائيل -حليفة إثيوبيا- لصواريخ على محيط السد بهدف حمايته.

كل هذا الحشد جاء لأن مصر أعلنت خشيتها من نقص حصتها في مياه نهر النيل مع قرب افتتاح السد الإثيوبي، وهي المياه التي يعتمد عليها للعيش مئة مليون نسمة بنسبة 95%، ويشكل نقصها كارثة حقيقية في البلاد.

الصراع على المياه صراع تاريخي مستمر

ليست أزمة سد النهضة أزمة المياه الأولى التي تعرفها المنطقة العربية، فقد عرف الشرق الأوسط أزمات متتالية منذ الستينيات، حيث رصدت قاعدة بيانات حول الصراعات المتعلقة بالمياه حول العالم وقوع 92 حادثًا متعلقًا بالمياه في الشرق الأوسط.

وتتوقع النماذج المناخية المتطورة بأنَّ نقص مياه بلاد الشام في القرن الـ21 يمكن أن يصل إلى مستوياتٍ كارثية، ويتأزم الوضع لحد اندلاع حرب على المياه في الشرق الأوسط.

ولم يعرف العالم أزمة المياه إلا في العصور المتأخرة لأسباب متعددة أبرزها هدر المياه بلا مبالاة، وسوء توزيع الثروة المائية، وتزايد النمو السكاني والإنتاج الزراعي، ثم الظروف المناخية التي تساعد على تفاقم هذه الأزمة كالجفاف.

ويُصنَّف النزاع على المياه في مرتبة النزاع العسكري والاقتصادي والسياسي في مقاييس النزاعات الدولية.

ويحدث النزاع عادة على المياه العذبة التي لا تتعدى مواردها نسبة 3% من مجموع موارد المياه في الأرض، بما فيها الثلثان المتوفران بشكل متجمد في المثالج والأغطية الجليدية القطبية. بينما تشكل 97% من الموارد المائية مياهًا مالحة. مع العلم أن تقنيات تحلية مياه البحر مكلفة للغاية وليست في متناول كل دولة.

أما باقي موارد المياه العذبة غير المتجمدة فتوجد في المياه الجوفية، وعلى شكل بحيرات وأنهار وجداول على سطح الأرض، أو على شكل بخار ماء.

وتولي الدول اهتمامًا بالغًا بموارد المياه وتحشد لحفظها الوسائل والأسباب والتي قد تصل لدرجة إعلان الحروب في سبيل حفظ حصتها من الثروة المائية. ذلك أن هذه الثروة ثروة وجودية تتعلق بحياة الإنسان بشكل مباشر، بل يُتوقَع أن يصبح الصراع على المياه أكثر حدة من الصراع الدولي على النفط والثروات الأخرى؛ لارتباط المياه الوثيق بالحياة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يؤمِنون﴾.

ويؤكد هذا الاتجاه تصريح هانز فان جينكل، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، الذي قال: إن «الحروب على المياه، سواءٌ كانت دوليةً أو أهلية، تهدد بأن تصبح مكونًا رئيسيًا لمشهد القرن الـ21».

وجاء في تقرير لمجلة The National Interest الأميركية: إذا لم يُوضع حدٌّ لاحتمالية الصراع على المياه التي تلوح في الأفق، فسوف تُجَرُّ الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى حربٍ أخرى في الشرق الأوسط.

وبالنظر للموقع الجغرافي للدول العربية على الحزام الجاف أو شبه الجاف في خريطة العالم مع قلة الموارد المائية المتجددة فيه عن 1% من المياه المتجددة في العالم، بات لزامًا الإحاطة بخطورة إغفال هذه القضية المصيرية للشعوب المسلمة التي يتوقع لها أن تقع تحت خط الفقر المائي خلال العقدين القادمين.

وبحسب الإحصائيات فإن 67% من مياه الأنهار في الشرق الأوسط تأتي من خارجها.

فنهر النيل ينبع من إثيوبيا “النيل الأزرق”، وبحيرة فكتوريا “النيل الأبيض”، أما نهرا الفرات ودجلة فينبعان من الجبال الواقعة شمال تركيا، ويمر الفرات عبر سوريا ثم العراق، أما دجلة فيمر من تركيا للعراق مباشرة.

الاحتلال الإسرائيلي والسيطرة على الثروة المائية

ويظهر أن المنطقة التي تواجه احتمالية أكثر إثارة للقلق لنشوب صراع بين الدول بسبب ندرة الموارد والمياه، هي منطقة حوض نهر الأردن في الشرق الأوسط.

ولعل التصريحات التي لوحت بها شخصيات إسرائيلية صهيونية في مناسبات عدة حملت تهديدًا صريحًا بقطع المياه عن الأردن، تـُبرِز بعض ملامح الخطر الذي يقدح شرره من الكيان المحتل.

منها تصريح وزير الزراعة في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أوري أريئيل، الذي هدد بقطع المياه عن العاصمة الأردنية عمّان؛ ردًا على إنهاء ملحقي تأجير الباقورة والغمر من اتفاقية ما يُسمى السلام، ونقلت وسائل إعلام عبرية عن أريئيل تهديداته أن حكومته ستقلص المياه التي تزود بها عمّان من 4 أيام إلى يومين في الأسبوع إذا تمّ إلغاء الملحق الخاص بأراضي الغمر والباقورة، واعتبر أن الأردن بحاجة إلى تل أبيب، أكثر من حاجة تل أبيب للأردن!

ولا تختلف التصريحات الحديثة عن القديمة في عمر الكيان المحتل، فقد قال الصهيوني بلسان هوارس عام 1921م: “إن مستقبل فلسطين بأكمله هو بين أيدي الدولة التي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع الأردن”.

وبنفس الصراحة قال ديفد بن غوريون عام 1955م: “إن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل، وأننا إذا لم ننجح في هذه المعركة فإننا لن نبقى في فلسطين”.

فالصراع مع إسرائيل بطموحاتها التوسعية يشمل بلا شك الأطماع في الهيمنة على الثروة المائية التي تمثل قاعدة مصيرية يعتمد عليها النهوض لكل دولة، كما تمثل سلاح ضغط وتهديدًا فعّالًا في كثير من الأحيان.

الثروة المائية تحدد مسار التحركات العسكرية

وبالرجوع للتاريخ، تُرجمت التصريحات الصهيونية إلى أفعال واقعية أكدت أهمية المياه لحياة إسرائيل، فالعمليات العسكرية الإسرائيلية على الحدود السورية-اللبنانية عامي 1964 و1965م انطلقت بسبب الأطماع الإسرائيلية في مياه نهر الأردن ونهر بانياس ونهر اليرموك ونهر الحاصباني، كما كان من أسباب حرب 1967م تحويل مجرى نهر الأردن، وعام 1982م شنت إسرائيل حملة عسكرية على لبنان كان من أهدافها أطماع إسرائيل في نهر الليطاني.

ويجدر الإشارة إلى ما ذكره وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أرييل شارون، الذي قال: «في الواقع (حرب الأيام الستة) بدأت في اليوم الذي قررت فيه إسرائيل تحويل مجرى (نهر) الأردن».

ثم إن المطلِع على خريطة المستوطنات التي رسمها الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 سيلمح ذلك الكيد الصهيوني الذي يحرم الشعب الفلسطيني من موارده المائية من خلال إقامة المستوطنات على الأماكن التي تتمتع بوفرة مصادرها المائية، حيث أن 70% من المستوطنات تقع على حوض الخزان الشرقي الموجود في الضفة الغربية.

وتستغل إسرائيل بذلك الخزان الجوفي الفلسطيني الذي يغطى 25% من احتياجاتها المائية في عملية نهب وسرقة للثروة المائية، تنضم لأساليبها المتطورة البشعة التي تستعين بها في سرقة مياه الآبار الفلسطينية.

فإسرائيل التي تمركزت في قلب العالم الإسلامي باحتلالها فلسطين وتتوسع بالمستعمرات وغصب الأراضي والمستوطنات لم تزل تركز اهتمامها على مصادر المياه الأساسية لهذا التوسع، وهو خطر لم تدركه الشعوب ولا الحكومات في المنطقة، إلا بعد أن بسطت الصهيونية نفوذها الإقليمي على معظم الأراضي الداخلة ضمن أحواض تغذية المصادر المائية التي كانت تتطلع إليها في مخططاتها التوسعية حتى الوقت الحاضر.

وأطماع إسرائيل المتصلة بالثروة المائية تصل إلى غاية القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى، حيث تطالب إسرائيل أيضًا بمدها بنصيب من مياه النيل عن طريق سيناء، وهو ما يؤمنه لها النظام المصري وحليفتها إثيوبيا.

ويذكر التاريخ الأطماع الصهيونية في هذه المياه منذ بداية القرن الماضي بمشروع للورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر لهذا الغرض، لكنه مشروع لم يرَ النور.

وبمشروع المهندس الإسرائيلي “إليشع كيلي” عام 1974، وهو مشروع لجلب المياه لإسرائيل من الدول المجاورة، حيث يسمح هذا المشروع لإسرائيل بالحصول على 8 مليارات متر مكعب من المياه سنويًا من النيل، عن طريق قناة الإسماعيلية باتجاه النقب وساحل إسرائيل. وقد تكرر الحديث عن هذا المشروع فيما بعد خاصة بعد توقيع معاهدة كامب ديفد عام 1979م، ولن يكون مستغربًا أن يتم تمرير مثل هذه المشاريع بهدوء بعيدًا عن ضجيج الإعلام.

وتسعى إسرائيل أيضًا للحصول على مياه نهر الفرات من تركيا مباشرة عن طريق شبكة إمدادات خاصة مقابل المال.

ولطالما شغلت ثروة المياه الفكر الصهيوني بأولوية قصوى، فبعد صدور وعد بلفور عام 1917م تقدم حاييم وايزمان رئيس المؤتمر الصهيوني آنذاك إلى لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا طالبًا تحسين حدود إسرائيل حسب وعد بلفور، لتضم حوض الليطاني وجبل الشيخ وحرمون، أي تضم أنهار الأردن وبانياس واليرموك.

ولا أوضح دلالة على هذه الحقيقة من الخريطة المعلقة على الكنيست، والتي تبرز الحدود الإسرائيلية المستهدفة من النيل للفرات، أي من ثروة مائية لأخرى.

الوعي الإسلامي بأهمية الثروة المائية

يعيش المسلمون في دائرة صراع ينال من كل ثرواتهم الحياتية، وعلى رأسها الثروة المائية. ومع ذلك تقف عوامل أخرى تهدد هذه الثروة وسلامتها لا بد من الاهتمام بها والسعي لاحتوائها، وعلى رأسها الهدر الكبير للمياه، سواء في الحياة اليومية أو في القطاع الزراعي، والخراب الحاصل للمياه الجوفية وزيادة الأملاح فيها، والتلوث الناتج عن المخرجات السائلة للأنشطة الصناعية، ومياه الصرف الزراعي، وما تحتويه من بقايا أسمدة ومبيدات حشرية، ومن مياه الصرف الصحي. والتبخر الكبير الذي تتعرض له الأنهار الكبرى والسدود، واستنزاف المياه الجوفية والآبار وقلة الموارد المائية، وصعوبة تأمين الاحتياجات اللازمة في الوقت والمكان المناسبين. وضعف مشاريع الاستثمار في المياه، والذي يرجع بالدرجة الأولى لسهولة الاستيلاء على موارد الأنهار كما شاهدنا ذلك مع سد النهضة الذي يخفض حصة المصريين في نهر النيل بشكل خطير.

ويبقى التحدي الأكبر مع سرطان العصر، الاحتلال الصهيوني المستمر، والذي يستولي على مياه نهر الأردن والضفة الغربية وجنوب لبنان والجولان وحتى النيل، ويتوسع بسياسات ابتزاز واحتلال ومكر وعدوان.

فإسرائيل قد استنفدت خلال أكثر من ثلاثين عامًا التي انقضت منذ قيامها استثمار كل ما هو متوفر تحت سلطتها من موارد مائية، سطحية وجوفية.

ويمتلك الصهاينة وضوح الأهداف والإدراك اللازم لأبعاد أزمة المياه المتوقعة لكيانهم منذ مطلع القرن، والذي حدا بهم لأن يخططوا بشكل علمي ودقيق، وبعيد المدى للخطوات التي قدروا وجوب اتباعها لمجابهة تلك الأزمة، وما رافق ذلك من المساعدات السخية وغير المحدودة، المالية منها والفنية، التي قدمها لهم الغرب لتجاوز مشاكلهم .

ثم إن كل الدلائل باتت اليوم تشير إلى أن الخطر بات يتجه من جديد نحو المياه في العالم الإسلامي، فاليهود يواصلون التصرف كما لو كانوا يتعاملون مع فراغ، غير آبهين بما للمسلمين من حقوق ومصالح في مياههم، كما نشاهد ذلك في داخل فلسطين المحتلة ومع دول الجوار.

ولاشك أن استراتيجية الحفاظ على الثروة المائية يوازيها استراتيجية الحفاظ على استقلالية الأرض المسلمة وشعوبها، وهو جزء من مشروع تحرر كامل متكامل لهذه الأمة، ويستدعي رفع درجة الوعي بحجم الصراعات والإحاطة التامة بتعقيداتها وتداعياتها على مستقبل المسلمين وحياتهم، دون أن ننسى حقيقة أن القرارات الدولية لا تمثل ثقلًا مؤثرًا في المشهد، كون إسرائيل  لا تقيم لها وزنًا أمام أطماعها وعدوانها، كما أنها لم تحقق للمسلمين عدالة حتى في أحلك اللحظات.

وبما أن حلقات الصراع في المنطقة طويلة وحلها يرتبط بشكل وثيق بحل كل مشاكل الأمة العالقة التي تحكمها أسباب لم تجتمع بعد وقد تستغرق وقتًا أطول، يبقى الحل العملي بعد معرفة حجم الخطر الذي يتهدد ثرواتنا المائية هو تسخير طاقات الأمة الصادقة وعبقريات أبنائها الكامنة لبحث سبل توفير الموارد المائية وحفظ سلامة مياهنا في الحالات الحرجة والاستثنائية، بما فيها حالات الحروب والصراعات والأزمات وإطلاق المشاريع التي تشمل التوعية وتغيير السلوكيات الهادرة للمياه وإنقاذ ما تبقى منها، ثم الاستثمارات التي تسمح بتخفيف تبعات الصراع وإحباط مكر الأعداء وفق مبدأ “درهم وقاية خير من قنطار علاج”.

المصادر

1.دراسة بعنوان: الصراع على المياه في فلسطين الجذور التاريخية والواقع المعاش للدكتور عدنان أبو عامر.

2.الصراع على المياه في الشرق الأوسط – محمد مورو .

3.كتاب المياة العربية وحروب المستقبل – محمد صادق إسماعيل .

4.المـاء العربـي فـي خطـر – د. يوسف مكي.

5.الحرب القادمة في الشرق الأوسط.. تنبأ بها سياسي مصري، وستشكل المشهد الرئيس في القرن الـ21 عربي بوست.

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. جميل أن نعرف بأن النهضة الاسلامية لا تتم الا بتكامل العناصر التي أدت بنا الى التراجع و من العجيب و المثير أننا عرفنا أن الثروة المائية لهي جزء من هذا الصراع.
    شكرا د ليلى على تنبيهنا لهذا الموضوع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى