Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

كنت أتجنب الحديث عن والدهـا رحمه الله تمامًا رغم رغبتي المُلحة لهذا منذ قالت لي كيف كان يعلمها عن الله عز وجل، ويربط قلبها بالله سبحانه وتعالى إلى أن جمعنا الحديثُ يومًا وقالت لي: لم أطلب من أحد شيئًا أبدًا إلا أبي رحمه الله، حتى أمي بارك الله في عمرهـا.
فقلت: حدثيني عن أباكِ.. قالت: كان رحمه الله يأخذني معه في حقلنا في الأرض التي يزرعهـا بيديه، وحين كنا نسيرُ معًا وأكون حزينة يخبرني أن تلك البطة حين تصدر صوتها المميز فهي تنادي باسمي فأضحك كثيرًا.
كنت حين أخبره أني أريد فستانًا مثل صديقتي فيقول لي: صغيرتي، إن أردت شيئًا فاطلبيه من الله عز وجل أولًا وأنا سأعمل جاهدًا لأوفر لك ما تحتاجين ولن أبخل عليك بشيء أبدًا.. لكن اسألي الله فهو الرزاق المنعم لا أنـا.
علمني أن العفو شيءٌ لا يتنافى مع أن أحصل على حقي، فمن يعتدي على حقٍ من حقوقي لابد وأن أدافع عن حقوقي ولا أتنازل عنهـا أبدًا.. ثم قال: إنّ اليهود حين دخلوا فلسطين واحتلوا أراضيها وقتلوا شعبهـا.. لا ينبغي أن نسكت عن هذا أبدًا بل ندفع أعمارنا وأموالنا لاسترداد حقوقنـا، علمني أن العفو إن كان لا يكون إلا بعد استرداد الحق
وفي المقابل علمني أن أبذل أكثر مما في وسعي لأكون بجانب رفاقي إن تعرضوا لشدة أو محنة، فكأنه غرس فيّ “أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين”.
كان يحلم أن يراني (دكتورة) وأن ألتزم بزي أمهـات المؤمنين رضوان الله عليهن، حببني في الاجتهاد وبذل ما يفوق وسعي في عملي ومذاكرتي، ويومًا حين كنت في الصف الرابع الابتدائي حصلت على علامة 46/50 وطلب المعلم توقيع ولي الأمر، وعندمـا أريته درجتي لم يبدي تذمرًا بل بدى سعيدًا وقال: الشهر القادم ستحصلين على درجة أكبر، رغم أن أخي الأكبر لم يكن سعيدًا أبدًا بهـا وكان يرى أنه لابد من معاقبتي!
لكن إرادة أبي لم تكن هكذا بل أبدى سرورًا، في الشهر الجديد حصلت على 49.5/50 وكنت الأولى على صفي.
تعلمت الصلاة قبل أن أدخل المدرسة وواظبت عليها منذ الصف الأول الابتدائي، يومًا كنت ألعب مع بنات جيراننا في الشارع، أول ما أذن المؤذن لصلاة الظهر دخلت ألبي النداء وكان أبي في البيت، لم أكمل دقيقتين وأنهيت صلاتي.. قال أبي: صليتي؟! قلت: نعم انتهيت وذاهبة للعب الآن. قال: اذهبي وبعد انتهائك أود أن نتحدث معًا. أكملت لعبي وعدت للبيت وجدته بانتظاري..قال لي: تبصرين هذا الدجاج يأكل. قلت: أجل. قال: تصلين كتلك الدجاجات، لا تستطيعين إدراك شيء وإن قرأتي لا تركزين فيما تقرأين.
شعرني كم هي خاطئة فعلتي بغير أن يقولها صراحةً، وتلك طريقته دومـًا يجعلني أدرك خطأي لأعترف به وأقر لأكون مقتنعة أنه لا يصح.. ثم يقول لي: لن تخطئي في هذا الأمر ثانيةً لأنك جميلة وجيدة .. والجميلُ لا يفعلُ إلا كل جميلٍ مثله.
في يومٍ من أيام الجمعة، ترك الأرض وعاد للبيت يتوضأ لصلاة الجمعة وسألني قبل انصرافه: توضأتي؟ قلت: اليوم جمعة، وعندي اجازة من الكتّاب والمدرسة، لابد أن عندي اجازة من الصلاة كذلك! فذهب للصلاة وعـاد يسألني: صليتي؟! قلت: لا. قال: لكني صليت ولم آخذ اجازة مثلك! لأننا نحتاج الصلاة بنيتي..أتستطيعين العيش بلا ماء بلا طعام؟ قلت: لا، لا أستطيع لكن الصلاة ليست كالطعام والماء!
فقال: بالتأكيد، لأنهـا أهم بكثير هي التي نحيا بها، ألم أعلمك حين تتعبين أن تشكي تعبك لله، لربك؟
قلتُ: بلى. قال: هذه الصلاة هي التي تجعلك قريبة من الله عز وجل، ونصلي لأننا مسلمون.
أكثر ما كان يؤلمه حين لزم الفراش، أنه لم يعد قادرًا على زراعة أرضه.. وكان قد أرسلني إلى الكتّاب لأحفظ القرآن الكريم، وأعانني الله على ذلك فكان يحب أن أتلوه على مسامعه، ولما توفي يوم الجمعة كنت بين يديه أنهيت سورة الكهف، وكنت في آخـر آياتٍ من سورة البقرة.. رحمه الله وغفر له.
عمل فلاحًا في الأرض منذ أن أتم من العمر خمس سنين، توفيت أمه ولم يرهـا، وتولت تربيته امرأة أبيه، ورغم قسوتهـا وما لم يعشه من الطفولة، إلا أنه كان بارًا بها أشد ما يكون.. كان لابد أن يُجلس جدي معنا للطعام وكان يطعمه بيده، ولما توفيت امرأة جدي، دخلت على أبي فوجته يبكي!
قلت بدهشة: لم تبكي يا أبي؟ قال: هي ربتني حين ماتت أمي، رغم أنه في إخوته لم يتعلم وبدأ العمل من سنٍ صغيرة.
رحمه الله علمني الكثير، ليست مواقفٌ تحكى لكن بكل ما عشته معه.
ألا فلأخبركم بثمرة من تربية هذا الأب وهداية الله وتوفيقه.. تلك الفتاة تناجي الله كثيرًا حين ينصرف الخلق عنها .. تلك فتاةٌ لا تبالي ما يحدث لهـا طالما هي تساعد صديقتها بكل طريق تملك.
ألا هكذا فلتربوا أبناءكم، وطدوا الصلات بينكم وبينهم واحتووا حاجاتهم، علقوا قلوبهم بالله رب العالمين لا بشيء من الدُنيا الفانية. كونوا لهم قدوة بأفعالكم قبل كلامكم

527

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

خديجة يوسف

كاتبة مهتمة بالشـأن الإسلامي.

التعليقات

  • Ahmed Mahrous Ibrahim منذ سنتين

    فعلا :
    ما ازددت الا قناعة بان من هو قدر المسئولية فليقم بتحملها
    ومن ليس كذلك فليس ميزان سيئاته بخفيف كى يزيده خيبة وليست دنياه باقل شقاءا كى يزيدها شقوة !!!
    صدق رسول الله :
    (من رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط)
    ( …. الشقى من شقى فى بطن امه)

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.