دراسة بقلم: محمد الشبراوي، كاتبٌ صحفيٌ وباحثٌ، محامٍ وناشطٌ سياسيٌ مصري. عرضنا منها ثلاثة أجزاء يمكن الاطلاع عليها من خلال الروابط في نهاية هذه المقالة. ونستعرض في هذا الموضوع: إجابةً على سؤال « ماذا بعدُ في ضوء المشهد الحالي في مصر – وكيف يمكن أن نتحرك؟ ».  مع الإشارة إلى رابط تحميل الدراسة كاملة.


رابعًا: ماذا بعدُ في ضوءِ المشهد الحالي؟

هذا بلا شكٍّ السؤالُ الذي يبحث عن إجابةٍ شافيةٍ استنادًا إلى المحاور الثلاثة الماضية ويحتاج قراءةً واقعيةً للمشهد الداخلي وتطوراتِه خلالَ هذه السنوات الثلاث وبيانَ منحنى القوةِ صعودًا وهبوطًا لتقدير أولياتِ المرحلة وتحديدِ الوسائل، الأمر الذي يحتاج صياغةً استراتيجية جديدةً واضعةً في الحسبان: الأبعادَ الإقليمية والدولية، وإدراكَ طبيعة المرحلة ونوع المواجهة التي تتجاوز حدود الداخل لأنها مواجهةٌ من أجل التحرر واسترداد الإرادة والانفكاك من الهيمنة والتبعية.

لِمَ على مصر ألا تستقر؟

إن مصر وغيرَها من الدول العربية لن يُتركوا لينعموا بنظام حكمٍ ديمقراطيٍّ رشيدٍ ومن ثَمَّ فلن يتحققَ فيهم عدلٌ أو انتصار لحقوق الإنسان لأن ذلك يجعل منهم قوةً استراتيجية كبرى جيو-سياسيةً وهذا هو الخطر الأكبر على المصالح الغربية والأميركية ومصالح الكيان الصهيوني المحتل. لذلك فمستقبلُ الحرية وحقوق الإنسان في مصر والمنطقةِ مرهونٌ بقدرة المِصريينَ وشعوبِ المنطقة على تحقيقه وفَرضِه على العالم فَرْضًا.

Embed from Getty Images

لأن الغرب وأميركا يرون في نظم الحكم العسكرية العلمانية في بلدٍ كمصرَ ضمانةً لمصالحهم وأن أي محاولةٍ للانفكاك من التبعية والهيمنة من أجل الاستقلال الحقيقي سوف يعمل الغرب على مواجهتها وإفشالها ولعلَّ أقربَ مثالٍ واضحٍ على ذلك هذا الانقلابُ الفاشل على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة العدالة والتنمية في الخامسَ عشرَ من يوليو/ تموزَ 2016.

نظامٌ تابعٌ سيكون زواله قريبًا

كذلك فإنه على النظام الحاكم في مصر أن يدرك أن الاستمرار على ذات النهج لن يحقق سوى المزيدِ من الإخفاقِ والتردي على جميع الأصعدة وأن الحالةَ التي عليها النظامُ الآنَ والاستمرارَ في طريق الانتهاك لحقوق الإنسان وتسميم العلاقة بين السلطة والشعب هي الحالةُ المثاليةُ التي تسعى القُوى الدولية لخَلقِها في بلدٍ محوريٍّ كمِصرَ حتى تظلَّ في حالةِ فشلٍ وخاضعةً للضغوط والإملاءات. وواقعُ مصر السياسيُّ، والاقتصاديُّ خيرُ مثالٍ على حالة التردي والانهيار التي تعيشها مصرُ الآنَ، كما أنه من الصعوبة بمكانٍ أن يضمنَ الاستمرار بهذا الشكل استمرارًا للنظام لأن ذلك يخالف نواميسَ الكون وطبائعَ الأشياء.

Embed from Getty Images

فائدةٌ وتوصيةٌ

إن المرحلة التي تعيشُها مصرُ والأمة، في ظلِّ موقفِ النظام العالمي الذي تقوده أميركا وحلفاؤها يحتاج من جميع الفاعلين التركيزَ على الاعتمادِ المطلق على النفس بعد الله وبعثَ الروح في الأمة من جديدٍ، وطرقَ جميع الأبواب الأخرى  بما فيها باب الملف الحقوقي عبرَ المنظمات والهيئات الدولية والتي أكدَتْ التجاربُ وحقائق التاريخ أنها أدواتٌ بيد من يقود النظام الدولي إلا أن ذلك لا يمنع  مطلقًا من ولوج الطريق لخلق وعيٍ دَوليٍّ  في الشعوب قد يكونُ له أثرٌ في الجانب المعنويِّ و ربما يتخطاهُ لشيءٍ ملموسٍ على الأرض.

كذلك لابد من العمل على وضع تصورٍ لبناء جسور تواصلٍ مع الكيانات المحلية والدولية والإقليمية المناهضة للتَبَعية والهيمنة وخَلقِ عَلاقاتٍ مع القُوى الشعبية والنخبِ الفاعلة إقليميًا ودوليًا والرافضة للتبعية والهيمنة الغربية الأميركية ولا سيما في الدولِ التي خاضت تجاربَ مشابهةً للحالة المصرية ولا تعادي الفكرة الإسلامية وذلك عبرَ صياغة وتقديم مشروعٍ حضاريٍّ مغايرٍ وموازٍ للمشروع الأميركي الأوروبي.

ثمَّةَ حاجةٌ ملحةٌ لإعداد مشروعٍ وطنيٍّ متكاملٍ ورؤيةٍ للتعامل مع كل مؤسسات الدولة السياديةِ وغيرِ السيادية وكل الأطياف السياسية والمكونات الفاعلة في مصرَ للخروج من هذا المأزقِ التاريخي بما يستوجب العمل على فتح خطوط تواصلٍ مع الشرفاء كافةً.

لابد أن يعيَ الجميعُ بأن المنطقة تمر بمرحلة تحولٍ تاريخيٍّ وأن الصراعَ صراعٌ من أجل التحررِ والاستقلال ومن أجل تحقيق دولة العدل والحرية.

لن تحكمنا أمريكا

إن سننَ اللهِ في الكون ماضيةٌ فالله سبحانه وتعالى توعد الظالمين فقال تعالى: (ولا تحسبنَّ اللهَ غافلًا عما يعملُ الظالمونَ) [i]وأن مآل الظالمين لن يختلفَ عن مآل الأمم السابقة: (وسيعلُم الذينَ ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبونَ). [ii]

كذلك لابد من العمل على تحقيق أسباب النصر كما في قوله تعالى:(واعتصمُوا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تفرقُوا)[iii] فالمرحلة تحتاج إلى إدارة المشتَرَكِ وإدارة التعدد وإدارة الاختلاف.

خاتمة

إن الغرب وأميركا لم يكن موقفُهم أكثرَ وضوحًا من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصرَ وفي العالم الإسلامي كما هو واضحٌ الآنَ؛ فالغربُ بزَعامة الولايات المتحدة الأميركية مع الصهيونية العالمية لن ينتصروا لحقوق الإنسان والديمقراطية في منطقتنا، وإن هيئاتِ النظام العالمي ومنظماته ومحاكمه الجنائية بحكم الواقع والشواهد عندما يتعلق الأمر بالعرب والمسلمين تصبح حقوقُ الإنسان والديمقراطية مجرد دعاوى وأدواتِ ضغطٍ وشعاراتٍ.

إن من الصعوبة بمكانٍ أن يكون الغربُ وأميركا، قادةُ الاستعمار الحديث، عونًا أو حَكَمًا عادلًا ووسيطًا نزيهًا بين طالبي العدالة والحرية وبين أنظمة الظلم والاستبداد ذلك أن الغرب وأميركا هم صناعُ الهيمنة والتبعية وما تلك النظمُ التي تقف بين حرية الشعوب وتنتهك ثوابتَها إلا صناعةُ أياديهم، لذلك يرى البعض أن من العبث انتظارُ النصرة من الغرب وأميركا لحقوق الإنسان والديمقراطية ما لم يتقاطع ذلك مع مصالحهم الاستراتيجية.

%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9

إن حقيقةً مهمةً يغفُلُ عنها كثيرون عن قصدٍ أو غير قصدٍ و هي أن الغرب وأميركا يَعُدون الإسلام مُنافِسهم الرئيسَ في أنحاء المعمورة ومن ثَمَّ فإن أيَّ انتهاكٍ للحريات وحقوق الإنسان في بلاد المسلمين فإن الغَيرةَ على حقوق الإنسان والأخلاق والقانون تتوارى وتكون الجرأة عليها أشدَّ ويصبح غضُّ الطَرْفِ والتمريرُ سيدَ الموقف، وهذا في حد ذاته يعد ارتدادًا على ما أنجزته البشرية في مجالاتِ التشريع والاتفاقات الدولية والأعراف المَرعية بما يفتح الباب لفوضَى عالميةٍ ويحول العالم إلى غابةٍ لا تحتكمُ إلا لمعايير القوةِ الباطشة.


المراجع

[[i]] سورة إبراهيم: آية 42

[[ii]]سورة الشعراء: آية 27

[[iii]] سورة آل عمران: آية 108


تم نشر هذه الدراسة خلال أربعة أجزاء على الموقع، يمكن الاطلاع على الأجزاء الثلاثة الأولى من خلال تلك الروابط:

الجزء الأول: بعد ثلاث سنوات من المجزرة: أين يقف الغرب من الديمقراطية وحقوق الإنسان؟

الجزء الثاني: بعد ثلاث سنوات من المجزرة: حقيقة الموقف الغربي من الأحداث في مصر_

الجزء الثالث: هل حقوق الإنسان والديمقراطية دعاوى وأدوات ضغط؟


ويمكن تحميل الدراسة كاملة، من خلال الرابط بالأسفل

339

الكاتب

محمد الشبراوي

كاتب، وباحث، ومُحلِّل سياسي، ومحامٍ وناشط سياسي مصري.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.