Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

بعد سيطرة العسكر العلنية في مصر على السلطة والتي ظهرت بعيد انقلاب 2013 تنبه عامة المصريين أن الجيش يحكمهم منذ ستين عاماً، وأن الحكم العسكري المصري لم يتوقف منذ انقلاب 1952 حتى اليوم، عندها بدأ الحديث عن تحميل التخلف الاقتصادي الذي منيت به مصر على الحكم العسكري الفاسد والمفتقد للحكمة السياسية والاقتصادية، وهذا الأمر يحمل الكثير من الصواب، ولكن لن تتحدث هذه المقالة عن العبارة السابقة وإنما في ما رافق هذه العبارة من التباكي على العصر الملكي الذي سبق الانقلاب وإجراء المقارنات الاقتصادية غير المنطقية بين الحقبتين.

والتساؤل هنا إلى أي درجة خلا العهد الملكي المصري من الفساد؟، وما هي حقيقة الرخاء الاقتصادي في عهد الملك فاروق؟ والسؤال الأهم كيف سيكون الوضع السياسي لمصر لو بقيت في الملكية إلى يومنا هذا وهل كانت ستخرج من عباءة التبعية للاستعمار؟

القاهرة عشية الانقلاب

لا تذكر الحقبة الملكية في مصر دون الحديث عن الطبقية الطاغية على طبيعة ذلك المجتمع، بل هي الصورة المطبوعة في الأذهان عن تلك الحقبة، فقد كان المجتمع المصري عبارة عن طبقة اقطاعين متنفذين ومقربين من الأسرة الحاكمة يملكون الأراضي والمال وباقي الشعب عبيد عندهم في كل ما تحمل الكلمة من معنى، ولم تنته هذه الحالة حتى أتى الحكم العسكري الذي جرد الأثرياء من ممتلكاتهم تحت مسمى الاشتراكية وجردهم من صفة النبل المتمثلة “بالباشوية” ليصبح بعدها لقب “بيه” و”باشا” مرتبط بضباط الجيش والأمن الذين أصبحوا هم أسياد المجتمع الجديد القائم إلى يومنا هذا.

إلى جانب ذلك شهدت الأحقاب المتتالية لحكم ورثة محمد علي من الخديويات وصولًا إلى الملك فاروق تدني تدريجي في أخلاق المجتمع والعمل المنهجي لسلخه عن دينه وهويته فانتشرت المعازف والمغاني والمراقص وشرب الخمور وحالات التشبه المرضي لطبقة الحكام والنبلاء بالفرنسيين والإنجليز.

فالإضافة لما اشتهر عن الملك فاروق ذلك الشاب اليافع الذي ورث عرش مصر صغيراً من حياة الترف والنساء ولعب القمار، فقد وصل تدني الأخلاق في مصر إلى ترخيص عمل الدعارة حتى صارت مهنة علنية تتفاخر ممتهنتها ولم تنتهي تلك الحالة إلا بصفقة سياسية مع جماعة الإخوان المسلمين انسحب الإخوان على إثرها من الانتخابات النيابية لعام 1942 مقابل منع حكومة الملك التي كان يرأسها مصطفى النحاس لدور الدعارة وانهاء تقنينها.

وكان الحديث دومًا عن القاهرة بأنها قطعة من باريس تلك المدينة الحية ثقافيًا والمتفوقة على نظيراتها العربية في تلك الحقبة بالمظاهر الحضارية وبشوارعها وعماراتها أريد منها أن تكون نموذج التحضر الذي يقتاد به باقي العرب بكل ما يحمل هذا النموذج من الاغتراب وحالة الانفصام مع الثقافة الأصيلة للمجتمع المصري.

حقيقة الرخاء الاقتصادي

يبدو أن المقارنة بين العهدين ترتبط بالحديث عن الرخاء الاقتصادي المصري في العهد الملكي وما كانت تملكه مصر من احتياطي ذهب ومقارنة قوة الجنيه المصري وقتها بانخفاضه البائس حاليًا!، والحديث عن تفوق مصر على اليابان وقتها وانبهار العالم بجمال وتفوق القاهرة.

مبدئيًا المقارنة بين الفترتين غير منطقية أولًا لأننا نتحدث عن فترة بداية الخمسينات أي عن حقبة اقتصادية قديمة لم يكن العالم بعد قد دخل في عصر العولمة الاقتصادية أوما يسمى “بالنيوليبرالية”، ولم تكن عملات العالم قد تحولت إلى الارتباط  بالذهب بدلًا من الدولار وهو ما حصل في بداية السبعينات على يد الرئيس الأمريكي نيكسون، أي أننا نتحدث عن عالم آخر بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

فكان سيتراجع سعر الجنيه المصري تدريجيًا وتغرق مصر بالمديونية الخارجية راضخة لشروط صندوق النقد الدولي كما هو الحال الآن في مصر وكما هو الحال في المغرب والأردن اللتين بقيت فيهما الملكية إلى يومنا هذا.

أما بالنسبة لموضوع ازدهار زراعة القطن في مصر تلك الفترة وتصديره وأن ما يزيد عن 90% من صادرات مصر كانت من القطن المزروع في مصر والمروي من نهر النيل هو في الحقيقة ذم للنظام الملكي بل هو العلامة الدالة على تبعيته الاستعمار، فما يكون الاستعمار إلا تحويل الأرض المستعمرة إلى مصدر مواد خام مزروعة أو مستخرجة تغطي حاجة مصانع دولة المركز، وحاجة المصانع بعد الثورة الصناعية هي السبب في ظهور فكرة الاستعمار في العالم.

فكان القطن المصري يغطي حاجة مصانع النسيج الإنجليزية المتعطشة للقطن عالي الجودة ثم يستوردها أبناء الباشوات المصريين على شكل ملابس فخمة يتفاخرون بأنها مستوردة من بلاد الأسياد، كما أن الاستعمار كان يعمد على حصر التصدير في المستعمرة على نوع واحد من المواد الخام أو محصول زراعي واحد فيبقى اقتصاد هذا البلد معاقًا يعاني من إعاقته حتى بعد عقود من انتهاء السيطرة الاستعمارية المباشرة.

الصراع على أدوات الملك

ربما تكون من الحجج الداعمة لأفضلية النظام الملكي على نظيره العسكري هي وجود درجة أعلى من الحريات الفردية وحرية انشاء الأحزاب السياسية والمشاركة في الانتخابات، صحيح أن في عهد الملك فاروق كان في مصر برلمان وأحزاب سياسية يشتهر منهم تاريخيًا حزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين، لكن لم تكن لتختلف حالة النظام السياسي المصري  لو قدر له البقاء عن ما هو الحال الآن في الممالك العربية التي تسمح بوجود الأحزاب والانتخابات (المغرب والأردن والكويت والبحرين).

وما الممالك المذكورة آنفًا إلا دويلات محكومة بقبضة المخابرات التي تدار بشكل مباشر من الملك، يحرسها جيش تذوب عقيدته العسكرية في شخص الملك المتفرد في لقب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مع السماح بوجود بعض الأحزاب الليبرالية والحركات الإسلامية “المعتدلة” يوسع ويضيق عليهم جلالته حسب الحاجة.

وتحتفظ  المملكة مجلس نواب يسمح لها بالحصول على لقب ملكية دستورية على الأقل نظريًا، مجالس لا تعدو عن كونها محاصصة عشائرية وحزبية لا تملك التحكم في السلطة التنفيذية أو إصدار القوانين دون إرادة الملك، فيكون الواقع أن العمل السياسي في البلاد مجرد عبث حول بلاط الملك المتحكم بسلطات البلاد بشكل مطلق، وقد تمكنت هذه الممالك من الصمود أمام موجة الثورات العربية وأمام أية احتجاجات لما يوفره هذا النظام من درجة استقرار عالية.

فلو قدر لمصر جدلًا البقاء في الحكم الملكي لم يكن ليخرج الواقع السياسي فيها عن النموذج الحالي للممالك العربية مملكة خاضعة للنظام الدولي يتصارع فيها الساسة على الامساك بأدوات الملك والركوب إلى جانبه في مقطورة القيادة.

الملكية والولاء للأسياد

يقال عند الحديث عن التاريخ السياسي “للشرق الأوسط”، أن بريطانيا فضلت إنشاء الممالك في مستعمراتها بينما دعمت فرنسا الجمهوريات لسبب تاريخي مرتبط بكون فرنسا رمز الجمهوريات في العالم وأول من تخلص من الملكية للأبد والارتباط البريطاني المعروف بالملكية، ولسبب آخر أكثر أهمية يعود لكون بريطانيا كانت تنظر إلى أن السيطرة على البلد من خلال أسرة ملكية واحدة تضمن ولائها المطلق مع سيطرة هذه الأسرة على جميع مفاتيح الحكم في البلاد بهذا يتم الحفاظ على الاستقرار في الممالك خاصة الغنية منها بالمعادن الثمينة.

وتلخصت قصص الانقلابات العسكرية العربية في الصراع بين الاستعمارين الجديد المتمثل في الولايات المتحدة والقديم المتمثل في بريطانيا وفرنسا، أما الآن في عصر تفرد الولايات المتحدة في حكم العالم فإن الجميع يدخل في قوانين اللعب التي يضعها العم سام.

وبخصوص إخلاص الملكية لقضايا الأمة وصراعاتها الرئيسية، تخيل معي أنك ضابط في معركة وترى خلال المعركة بأم عينك المدافع وهي تنفجر في جنودك ثم تتيقن أنك خسرت المعركة أمام بضعة عصابات غريبة عن المنطقة!، وتكتشف بعدها أن قائد جيشك لم يهتم بكسب المعركة بقدر اهتمامه في الحصول على عمولة شراء الأسلحة للمعركة!

عرفت هذه القصة بقضية “الأسلحة الفاسدة” التي تعتبر أهم أسباب خسارة الجيش الملكي المصري لحرب 1948 مع باقي الجيوش العربية مع الأخذ في عين الاعتبار عدم جدية هذه الجيوش في خوض المعركة وأنها كانت فعليا لا تزال تحت القيادة البريطانية.

ختامًا لا بد من ذكر أن الهدف هنا نقد أفكار الملكيين الجدد ولا يعني هذا إكلال أي من المديح للحكم العسكري أو لتجربة الحكم الجمهوري عمومًا في الدول العربية، كما أن فكرة عودة الملكية إلى مصر محض أوهام لبعض الحالمين وعلينا تجاوز الماضي والبحث عن الطريقة التي يُحكم بها شعوبنا بما يتناسب مع هويتنا الإسلامية دون تبعية للغرب ودون الحاجة للخضوع لأسرة ملكية أو مؤسسة عسكرية طاغية تملك البارود والنار أو حزب متفرد يدعي حمل لواء التحرر.

84

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

أحمد عسَّاف

مدوُن في الشؤون السياسية والثقافية.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.