ما قيل عن «اقتتال» بين «فتح الشام» و«جيش المجاهدين» وجماعات أخرى، لا علاقة له بفتنة ولا ببغي، ولا وقع قتال بمعناه الفعلي، ولا سفك فيه دما ولا ماء! بقدر ما هو بداية لحملة دولية – إقليمية منظمة، بمشاركة قوى وشخصيات محلية، وإدارة استخبارية، أكدتها فشل كل محاولات الاندماج، وكل التصريحات الروسية السابقة على مفاوضات آستانة، والساعية إلى تصفية كل الثورة السورية ..

فالثابت الوحيد في النظام الدولي يقول بأنه لا يمكن لأي حل سياسي أن يتجاوز  هوية سوريا الطائفية وهيمنة الطائفة النصيرية أو الأقليات عليها، وإلا فستعبر الثورة السورية الحدود، وهو مما لا يمكن السماح به. أما البيان الختامي لآستانة؛ فقد وردت فيه فقرة واضحة كعين الشمس، تحدد دور المشاركين والقوى المرشحة لأدوارها القادمة بلا أية تأويلات من أي جهة كانت. أما الفقرة فتنص على أن:

 تعيد الوفود المشاركة تأكيد إصرار الجميع على القتال ضد تنظيم «داعش”، و«النصرة» (على أن يجري) فصل مجموعات المعارضة المسلحة منها.

   هكذا بصريح الفقرة؛ مفردة مفردة!!!! (تعيد .. تأكيد .. إصرار .. الجميع .. على القتال .. ضد «داعش”، و«النصرة»). وهي فقرة دموية، لا هدف لها إلا النفاذ، من خلال تعارض الأيديولوجيات والمرجعيات، لضرب كافة القوى ببعضها البعض، تحت العنوان الوحيد لآستانة «مكافحة الإرهاب»، مقابل لا شيء سوى وعود بالأمن وتجديد رخص اللحى!!!! فأي أمن هذا القادم؟ ومع من؟ وضد من؟ ولصالح من؟

    أين يمكن إحسان الظن إذا كان النص بهذا الوضوح؟ وإذا كان الروس بأنفسهم يقولون بأن هناك 14 جماعة مسلحة رفضت وقف إطلاق النار. وهذا يعني أنها ستكون مهددة بضمها إلى «قوائم الإرهاب» أولا ثم ضربها ثانيا. ليس لأنها «إرهابية» أو لها علاقة بـ «الإرهاب»، بحسب تصنيفات ومزاعم النظام الدولي؛ بل لأنها تعارض الحل السياسي الذي قطع نهائيا مع الحل العسكري، ويسعى لإعادة إنتاج النظام، وفق الدستور الجديد الذي أعدته روسيا وقدمته للمعارضة المسلحة! .. دستور تنكرت فيه لهوية سوريا الإسلامية وتاريخها، بل حتى لعروبتها!

    الطريف في الأمر أنه رغم أن كثير من رموز ومنظري وشرعيي وقادة الثورة السورية لم يتركوا جحرًا من جحور النظام الدولي أو الإقليمي إلا ودخلوه مستنصرين به، بل أن بعض الرموز ممن تولوا قمة المسؤولية، وعلى رأي بعض السوريين، هم عملاء لبريطانيا أبا عن جد! وبعضهم ليس معروفا له أصل من فصل! ومع ذلك لا يتوانون عن وصم غيرهم بأصحاب الأجندات الخارجية!!! وكأن الداعمين والممولين والناتو وجنيف وغرف الموك والموم وأصدقاء سوريا وحتى التواصل مع اليهود والشياطين والمشاركة في مفاوضات آستانة من « آل البيت»!!!!

   أما بؤساء المربط العقدي فهم منهمكون اليوم بالدجل والكذب والفتن وتصدير الفتاوي المفصلة على مقاسات النظام الدولي. وكأن هذا ما ينتظره الملايين من المشردين والنازحين والمشتتين والمنفيين في أصقاع الأرض، ومئات آلاف الضحايا، ومثلهم من المعتقلين والمختطفين والمغتصبين والمغتصبات، والجوعى والأرامل والثكالى والأطفال والرضع، والبلاد التي دمرت والبيوت التي خربت والنفوس التي كُسِرت ..

     ألا نعم ما ورث هؤلاء من علم صحيح عن الأنبياء، ولكن بئس هم وما يصنعون .. وبئس هم وما يحقدون .. وبئس هم وما يدبرون .. وبئس الحق الذي يزعمون .. وبئس الجهل الذي هم فيه غارقون .. وبئس الرياء الذي يمارسون .. فما زال بينهم وبين دين الله والأمة بعد المشرق عن المغرب.

   كيف يتحدث هؤلاء عن بغي وهم رؤوس البغاة؟ كيف يتحدثون عن ثورة ومبادئ ثورية وحرية ودول مدنية وديمقراطية وضد الطائفية وفيدرالية وخيالات وأوهام، وقد صارت البلد، للقاصي والداني، ملك يمين روسيا، عسكريا وسياسيا ودستوريا، ومرتعا لإيران وعصاباتها؟ عن أي قيم أصيلة يتحدث هؤلاء فيما دستور البلد يكتبه الروس؟!! عن أي دولة يتحدث هؤلاء وقد تشتت أهلها في كل أنحاء الأرض؟ كيف يجرؤ هؤلاء على كل هذه الفتن؛ وقد مُزقت البلاد شر ممزق بين قوى الشر الدولية والإقليمية والطائفية؟ كيف يجرؤون وقد غدا الفارق بين الحياة والموت يقاس بالدقيقة؟ هل صار لديهم فائض من الوقت والأرواح وقد باتت الحرب عند قوى العدوان، منذ اللحظة الأولى، حرب وجود!!!! ثم كيف وقد بلغت القلوب الحناجر؟ هل واتت هؤلاء خشية الله للحظة فيما يقولون أو يدبرون أو يفعلون أو يعتقدون!!!؟ فقط لحظة؟

   والله ما كانوا، ولا هم، بمؤتمنين على دين ولا أمة، بقدر ما هم أهل للإدانة والسخرية والمحاسبة على ما فعلوا بالبلاد والعباد .. والله ما هم بمؤتمنين على شيخ ولا امرأة ولا طفل ولا رضيع ولا مدينة ولا قرية ولا حي ولا حتى شارع .. والله ما هم بمؤتمنين.

1274

الكاتب

د. أكرم حجازي

كاتب وباحث أكاديمي ومراقب لأحوال الأمة وقضايا العالم الكبرى.

التعليقات

  • Hazem Salah منذ 3 سنوات

    بالطبع يا دكتور لا ينكر أحد خيانة الأستانة ومن ذهبوا إليها وقبلوا بها …،
    لكن النصرة اخطأت ببدء الهجوم على تلك الفصائل اكثر من خطأ:
    خطأ شرعي أولا لأنها هاجمتهم بناء على الريبة ، ولو كانت انتظرت إلى ان يبدئوا  هم الهجوم عليها فتدفعهم حينها لأصبح موقفها صحيحا شرعيا حينها ، فلا يمكن أن نقع في خطأ شرعي بعلة وقوع عدونا فيما هو اعظم منه، والبغي لا يشترط له أن يحدث فيه قتل فمجرد الاعتداء على أي من حرمات المسلم بغي .
    قال عليه الصلاة والسلام:(لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة ،فقد ظهر فيها الريبة في منطقها وهيئتها)
    قال أهل العلم : فﻻ يجوز بناء حكم على الريبة ، لأن النبي لم يرجمها لما ارتاب منها .

    وقال تعالى في قتال الكفار المعاهدين وليس المسلمين : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)
    جاء في التفاسير:
    يقول تعالى ذكره: (وإما تخافن)، يا محمد، من عدو لك بينك وبينه عهد وعقد، أن ينكث عهد. وينقض عقده، ويغدر بك =وذلك هو ” الخيانة ” والغدر (13) =(فانبذ إليهم على سواء)، يقول: فناجزهم بالحرب, وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، (14) حتى تصير أنتَ وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب, فيأخذوا للحرب آلتها, وتبرأ من الغدر =(إن الله لا يحب الخائنين)، الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر به فيحاربه، قبل إعلامه إياه أنه له حرب، وأنه قد فاسخه العقد.
    فهداهم الله حولوا انفسهم من كون الحق معهم إلى كون الحق عليهم .

    2- أخطأت أكثر من خطا حركي :
    أ ) فلقد ضيعت النصرة علة نفسها فرصة كبيرة لامتلاك قلوب كل من بالساحة ، فلو انتظرت النصرة لايام فقط ، حتى تبدأ تلك الفصائل قتالها ، و حتى تنفذ تلك الفصائل على الارض أي شي من بنود مؤتمر الاستانة ، فتبدأ بالدفاع عن نفسها و الدفاع عن الساحة مع أقتران ذلك الدفاع بتوعية لمن يجهلون حقيقة الأمور التي سيساعدها على توعية الناس بها موقف تلك الفصائل في بدء تنفيذ تلك البنود وبدء قتال النصرة ، مما كان سيحقق إظهار للحق بلا لبس أو دخن لعامة الناس و ألتفافهم حول الجبهة فيه ، وهو ما ضيعته النصرة حاليا .

    ب ) – الفصائل التي ذهب ممثلوها لمؤتمر الاستانة كان لها مواقف كثيرة في رفض تصنيف جبهة فتح الشام كجماعة إرهابية  ورفض خروج فتح الشام من حلب ، وهو موقف يحسب لتلك الفصائل و كان يمكن للجبهة استثمارة إعلاميا لمخاطبة عناصر تلك الفصائل لتاخذ موقف ضد قيادتها التي قررت الذهاب للاستانة ، لكن النصرة لم تفعل ذلك للأسف  .
    ج ) – بذلك الهجوم الذي بداته النصرة والإصرار عليه للأن تقدم أكبر خدمة للنظام الدولي لتسهيل تحقيق أمر قتالها وفض عموم المسلمبن عنها ، فممثلوا الفصائل بالاستانة لم يوقعوا على البيان الختامي للمؤتمر أصلا ، وهذا يجعل القول بقبولهم تلك البنود بالمؤتمر قول لا بينة عليه ،و بالتالي خسرت النصرة من كان يمكن أن تكسبهم من أبناء تلك الفصائل ، وان كان مجرد ذهابهم إلي الاستانة غفلة وخيانة لكن ذلك لا يبنى عليه حكم شرعي بالهجوم عليهم ، لعدم تنفيذهم شي مما جاء ببنود المؤتمر .
     د ) – مؤتمر الاستانة مثله كسائر مؤتمرات جنيف السابقة ، فلماذا اعتبرت النصرة مؤتمر الأستانة ذريعة لها لبدء الهجوم على الفصائل المشاركة فيه ولم تفعل ذلك وقت مؤتمرات جينيف من قبل ؟ ، بل إن مؤتمرات جينيف السابقة لم تنفذ الفصائل المشاركة فيها من قبل قتال ضد النصرة رغم تضمن بنود جنيف ذلك وتوقف الفصائل المشاركه عن تنفيذه تماما كما هو الوضع بالأستانة ، فلماذا تغير موقف النصرة الذي اخذته من قبل وقت مؤتمرات جينيف وكان موقفا صحيحا على جميع الاصعدة ، فتغير إلى هذا الموقف الغير مفهوم !
    ه) كان الأجدر بالنصرة بدلا من ان تتصرف منفردة وتبدأ الهجوم على من لم يقاتلوها ، ان تقوم بحملة توعيه أو إصدار إعلامي بياني لأهم نقاط عوار مؤتمر الاستانة وكان ذلك كفيلا بتوعية الناس وكشف انحراف من رضي بالأستانة ، فتكسب بصفها من لم يظهر لهم الحق من عموم الناس ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، ويمونوا ناصرين لها إن بادرها أحد بالإعتداء عليها .
     و) منحت النصرة فرصه على طبق من ذهب لكل مخالفيها ومن لا يملكون شرف الخصام ويفجرون بالخصومة ، بخطأها هذا وبعدم رجوعها عنه .

    3 -خطأ النصرة الأول ببدأ الهجوم على تلك الفصائل ، ترتب عليه دخول فصائل أخرى في الصراع لم تكن طرفا فيه كصقور الشام وذلك بسبب خطأ قيادتهم وتحزبهم ضد النصرة بدل من قيامهم بواجب إصلاح ذات البين ، وتضاعف خطأهم بالفتوى بان النصرة خوارج  جاهلين بذلك الفرق الشرعي بين البغاة والخوارج ، وبناء عليه قتلوا عناصر من النصرة .
    .
    4- رغم انضمام الفصائل التي ذهبت للاستانة وبدأت النصرة الهجوم عليها لحركة احرار الشام ، لم يتم توقف القتال للأن ، وذلك بسبب إصرار النصرة على قتال الصقور بعد قتلهم منها والذين لم يكونوا أصلا هدفا للنصره في بداية هجومها على الفصائل التي ذهبت للاستانة .
    5-رغم سعي جميع اهل العلم لإيقاف ذلك القتال وسعيهم لإقامة محمة شرعية تكون النصرة طرف في قضاتها ، ويقدم فيها كلا الطرفين المتقاتلين مظالمهم ، إلا ان النصرة رفضت ذلك ، واصرت على الاستمرار في قتال الصقور ، رغم زعم الجميع سعيهم لإقامة الشريعه !!!!!
    6-عند انضمام الجند للنصره في الخلاف السابق بين الجند والأحرار ، تم اعتبار الجند عناصر من عناصر النصرة واي اعتداء عليهم يكون اعتداء على النصره ، وتم تشكيل محكمة شرعية لرد المظالم عارصتها الأحرار في البداية ثم يسر الله اتفاق بينهم وبين النصرة وإقامة محكمة من الاطراف المختلفة ، فلما عادت الجند للاعتدائهم على الاحرار ، اعلنت النصره انفصالهم عنها ، وكذلك فالوضع الحالي يجعل الفصائل التي انضمت للاحرار تابعه للاحرار واي اعتداء عليهم يكون اعتداء على الاحرار ، وان ظهر منهم بهد ذلك غدر كغدر الجند فيحق للنصرة حينها العودة للقتال إن لم يكن للأحرار حينها موقف واضح كموقف النصرة من الجند بعد تكرار أعتدائهم ، ولكن الواجب على النصرة الأن هو وقف ذلك الاقتتال والقبول بتشكيل محكمة شرعية تفصل في مظالمه .
    .
    7-نصب فخ لجبهة فتح الشام خاصة وقد وقعت به ، وكان كذلك فخ لكل من بالساحة عموما وقد وقعوا به ايضا ، و أظن ان سببه السماع لحماقات مشايخ خارج الشام تنشر الحزبية والتعصب لمناهجهم على حساب الأمة المسلمة ويسعرون الغل في نفوس الطرفين ، عليهم وزر ما وصلنا له دون ذكر اسماء أحد منهم .

    8-توقف الاقتتال في الساحه حاليا بفضل الله أولا ثم بسعي الصادقين من أهل العلم فيها والحريصين على الجهاد وساحة الشام واصحاب الوعي فيها ، وتشكيل هيئة تحرير الشام هو خطوة في تحطيم المخطط الدولي للأمة ، ودليل على أننا نستطيع مواجهة مخططات عدونا لنا إن احسنا التصرف فقط ، واختيار ابو جابر لقيادتها هو دهاء في حد ذاته لكسب قلوب كتائب الاحرار الفصيل الذي لم ينضم .

    فالشاهد ان علينا احسان التصرف بدهاء قبل أن نرفع أصواتنا ونندب على تخطيط وتآمر عدونا علينا .

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.