الكتالوج… كيف إذا أهملناه!

حين يشتري الواحد منا آلة معقدة فإنه يحاول تشغيلها من خلال دليل الصانع الذي يصطلح عليه ب “الكتالوج“، فالكتالوج قد وضع خصيصًا للتعرف على المنتج من خلال مكوناته وصلاحياته ومشكلاته. إذ يحتوي على طرائق الاستعمال وحسن الاستغلال، ويبين أيضا الخطوات المتبعة والمناهج المستخدمة للاستفادة المثلى والقصوى منه، مراعين في ذلك التسلسل المنطقي والتدقيق المعرفي. ولأن الصانع الحكيم أراد لهذه الآلة المهمة أن تؤدي الدور المنوط بها-بكل فاعلية-فجهزها وأحكم الترابط بين عناصرها لتكون في النهاية كلًا متكاملًا وجهازًا واحدًا، بعد أن كانت قبل تصنيعها أدوات مختلفة. ومما يدل على عمق فهم الصانع أنه بصفته-الخبير بصنعته-نبه على المحاذير التي ينبغي اجتنابها من وضعيات وهيئات وحالات حقيقية ومحتملة تشكل ضررًا بالغًا على شكل الآلة ووظيفتها. وبذلك فقد برأت ذمة الصانع من العطب أو الخلل الذي قد يلحق بها لسبب أو لآخر كجهل المستخدمين وقلة معرفتهم بقائمة المحتويات في كتالوجها.

إخواني وأخواتي

للأسف فإننا نخسر أموالًا طائلة في شراء الأجهزة التقنية الحديثة ثم نتجرأ على استخدامها دون إمعان النظر في دليل الصانع أو استدعاء لتقني مختص، وللناس في ذلك أراء شتى:

  • فمنهم المتسرع الذي يسابق الزمن في بدء عمله فيشغل الجهاز دون تفكير أو تنظير.
  • ومنهم من يتريث قليلًا ولكنه يقول: العملية سهلة ،وليست خطوات التشغيل والصيانة  بخافية عني سأحاول وربما أنجح.
  • ومنهم من يأخذ الدليل ويدرجه ضمن الأشياء الثمينة في بيته، وقد يبدو هذا النوع من البشر مهتمًا لكن الحقيقة غير ذلك تمامًا: إذ يقوم بهذا الإجراء ليستفيد من فرصة بيعه في مستقبل الأيام.

فالمستخدم الحصيف يدرس الكتالوج بعناية ولا يتعجل التشغيل أول مرة إلا بمساعدة التقني المتخصص، وكل مخالفة للمستعمل فإنها قد تعرض الآلة-لا سمح الله-للفساد وتضيع الأموال الباهظة التي بذلت سلفًا لشرائها والسبب هو إساءة الاستخدام.

إخواني أخواتي

إن تلف الآلة يتسبب في توقف العمل وخسارة المال وتضييع الوقت، لكن كل هذا يهون! أما أن تتلف حياتنا الدنيا والأخرة بسب عدم اطلاعنا على الدليل الإلهي فضلًا عن تمثله منهجًا نعيش به فهذا هو الخسران المبين!

ألا ترون أننا نجهل الكثير مما ورد في دليل الشارع الحكيم والصانع العليم؟!

الكتالوج

نعم، لأن مشكلة عدم فقهنا لروح الدين الإسلامي أعظم عدو يواجهنا، فأصبحنا نعرف كل شيء عن الثقافات والمجتمعات والرياضات والمحركات والطائرات ولا نعرف ربنا وكيفية ترقيع صلاتنا وشروط زكاتنا وجبر حجنا وآداب تعاملاتنا!

والعلة، لأننا ابتعدنا-بكل صراحة-عن الوحي الإلهي من صريح القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية، فغاب عنا مفهوم أن الله هو الخالق العليم بما يصدر عن عباده في السر والعلن، وأنه-جل جلاله-أعلم بما يصلح حالهم ومآلهم، فلنقرأ هذين الآيتين الكريمتين بقلوبنا ونتدبرها بعقولنا، قال تعالى:

وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

يا الله! أبعد هذا يشرد كثير من العباد عن شرعك وهم يعلمون أنك قد خلقتهم من عدم وربيتهم بالنعم وفضلتهم على كثير من الأمم! أليس وجودهم دلالة على بديع صنعك! يا الله! رزقت المؤمن والكافر، التقي والفاجر، لتستمر حياتهم وتقضى حوائجهم، وذلك لعلمك بضعفهم وفقرهم المتأصل فيهم، فلك الحمد على نعمة الإيجاد والإمداد والرشاد. فالله خالقنا ورازقنا ومدبر أمورنا فهو وحده أدرى بما تستقيم به حياتنا، قال وقوله الحق وهو أصدق القائلين: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)

إخواني أخواتي:

اعلموا أن الله -سبحانه وتعالى-هو العالم بخبايا الأمور المدبر لها برفق وحكمة وهو الخبير العليم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض، ومادام أن الله هو الخالق الذي أوجد جميع الأشياء من العدم وقدَّر أمورها منذ الأزل، وهو-جل في علاه-من ركب الأشياء تركيبًا، ورتبها بقدرته ترتيبًا، فهو الصانع المبدع لها، الميسر لها شؤونها، لتسعد بالإيمان والعمل الصالح في الدارين .

أخيرا وليس آخرا:

فلنقبل على دليل الصانع الإلهي تلاوةً وتدبرًا، روايةً ودرايةً، علمًا وعملًا، فتنتظم علاقتنا بالخالق وبالمخلوقات المحيطة بنا، ونحيا بعدها حياة طيبة، قال تعالى:

من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.

185

الكاتب

عبد الغني حوبة

أستاذ بمعهد العلوم الإسلامية جامعة الشهيد حمه لخضر الوادي-الجزائر، خطيب بمسجد الصحابة تكسبت الوادي، ماجستير شريعة وقانون تخصص قانون دولي إنساني.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.