التيار الجهادي و “الدولة الإسلامية” بعد ثورات الربيع العربي .. تحليل “استراتيجي” وليس “فكريا”.

أعلم أن هذا التحليل سيكون صادما للبعض في هذا الوقت، وأعلم أن البعض قد لا يقبله اليوم وسيبادر بالهجوم عليه وعلى صاحبه، والبعض الآخر لن يفهم المغزى من نشره، لكن أقول للجميع اعتبرني – على الأقل – أعرض عليك الأحداث عرضا مختلفا عن كل ما تراه وتسمعه :

– قامت ثورات الربيع العربي في ٥ دول .. ٣ دول منها تقع تحت سيطرة المعسكر الغربي للنظام العالمي ( أمريكا وحلفائها ) و٢ منها تقعان تحت سيطرة المعسكر الشرقي ( روسيا وحلفائها ).

– أما ال ٣ الدول التي تقع تحت سيطرة المعسكر الأمريكي : ( تونس – مصر – اليمن )
أما الدولتان التي كانتا تحت سيطرة المعسكر الروسي : ( ليبيا – سوريا ).

– معنى وجود دولة ما في معسكر من المعسكرين الدوليين يعني أن ولاء الجيش في تلك الدولة وثرواتها وسياساتها تصب بالأساس في صالح هذا المعسكر الذي تتبعه سواء كان المعسكر الروسي أو الأمريكي.

– في الدول التي تقع تحت سيطرة المعسكر الأمريكي لم تسمح أمريكا أبدا بتفاقم الأحداث فيها حتى لا تتحول لثورات مسلحة، فأمريكا تحرص بشدة على استقرار تلك الدول التي تقع تحت سيطرتها خوفا على مصالحها، فبمجرد أن بدأت ” الثورات ” واشتد الغضب الشعبي في هذه الدول قامت أمريكا فورا بإعطاء أوامرها للمؤسسات العسكرية في تلك الدول بضرورة التخلص من الرؤساء والتضحية بهم حفاظا على النظام كله، وبالفعل تمت الإطاحة برؤساء الدول الثلاثة : ( بن علي – مبارك – على عبد الله صالح ) احتواء للغضب الشعبي، وكانت الإطاحة تحت إشراف جيوش تلك البلدان، وابحث في جوجل سريعا أين كان سامي عنان – على سبيل المثال – عندما قامت الثورة في مصر ؟!

– وبذلك تفهم لماذا كل الثورات التي قامت في دول المعسكر الأمريكي قد حافظت على طابعها “” السلمي ” ! ، حتى اليمن التي يوصف شعبها بأنه شعب مسلح وفيها قطع سلاح لا تُعد ولا تُحصى لم تتحول الثورة الشعبية حينها إلى ثورة مسلحة !! بل اقتصرت الثورة على تحركات سلمية تقودها وجوه متأمركة كوجه مثل : ( توكل كرمان ).

– بينما في الدولتين اللتين يقعان تحت سيطرة المعسكر الروسي ( سوريا وليبيا ) تُركت تلك الأوضاع فيها حتى تفاقمت وتحولت الثورتين إلى ثورتين مسلحتين، سمحت أمريكا بل ودعمت بصور مختلفة هذا التوجه المسلح للثورتين لأنها كانت حريصة على إزاحة النظامين الموالين لروسيا، ولأنه لا يضرها عدم الاستقرار في هذين الدولتين لأنهما أصلا خارج سيطرتها السياسية، ولأن ثروات وخيرات الدولتين لم تكن أمريكا المستفيد الأكبر منها، كما أن تفاقم الأوضاع في هذين البلدين يمثلان ضربة أمريكية جيدة للمعسكر الروسي في المنطقة على غرار الضربة التي وجهتها لروسيا أيضا في ( أوكرانيا ).

– من وجهة نظري بناء على ما سبق : أن من كان يريد بالفعل أن يوجه صفعة مدوية للنظام الدولي ويغير ترتيب المشهد العالمي كله فعليه بوضوح التركيز على الدول التي تقع تحت المعسكر الأمريكي فهو المعسكر الأكبر والأهم والرئيسي في بنية النظام الدولي، مثل : مصر، ويساويها في الأهمية أو يزيد ” السعودية ” وباقي دول الخليج.

– خلافا لنظرية الدكتور أكرم حجازي، وخلافا لكل من يفسر أحاديث النبوءات عن الشام بوجه لا أتفق معه وينزلها قسرا على هذا الواقع وهذه المعركة بالذات، وخلافا لكل أحبابنا المتعاطفين مع المعركة في سوريا والعراق، مازلت كما أنا من اللحظة الأولى أعتقد أن المشهد في الشام بكل مكوناته وكل تداعياته وكل تمدداته ليس هو المشهد الرئيسي في التأثير على النظام الدولي !

– أرى أن وضع الأمة ميداينا في المعركة مازال على شكله الأول منذ ثلاث سنوات بلا تغيير!! فمفاصل النظام الدولي الرئيسية في منطقة ” الشرق الأوسط ” مازالت كما هي ، هذه المفاصل تدور في رأيي حول الآتي على سبيل المثال لا الحصر : قناة السويس وباقي المضائق الرئيسية في المنطقة – إسرائيل – “” السعودية “” وأذيالها في الخليج، إضافة إلى قواعد الغرب العسكرية ومصالحه الاقتصادية الكبيرة المنتشرة في المنطقة!

– لا أستثني ” الدولة الإسلامية ” من هامشية التأثير – العسكري – على النظام الدولي وخلافا للجميع أرى مركز ثقل “الدولة” استراتيجيا في المراحل المقبلة ( إذا تبقى لها ثقل ) ليس في العراق ولا الشام، بل في سينا!! ولا أبالغ إن قلت : ( في سينا فقط ) ولكن هذا في حالة وحيدة : إذا وصلت نيرانها لقناة السويس أو صارت تمثل تهديدا حقيقيا لإسرائيل أو لقوات ال MFO المتواجدة في سيناء وإلا سيظل تأثيرها في رأيي هامشيا كذلك !

– ربما يكون الوجود الجهادي في ليبيا كذلك مما يشغل الغرب خاصة لمن سيعتنق فكرة ” الجهاد العالمي “، وذلك لأن ليبيا منفذ سهل لأوروبا مما يهدد الغرب في عقر دارهم، ورحلات الهجرة غير المشروعة لم تستطع أوروبا القضاء عليها حتى الآن.

– مازلت أرى أن أمريكا لم تسعٓ في ضرباتها السابقة لاستئصال ” الدولة الإسلامية ” ومحوها تماما، وأرى أن ضربات التحالف الدولي اكتفت – مرحليا ومؤقتا – بما يُعتبر تهذيب للقوة فقط، وهذا “”لغرض ما”” أفهمه جيدا، بل أعتقد أنهم غضوا الطرف عن مساحة متعمدة للبقاء “المؤقت” والانتشار والتمدد المحسوب لنفس الغرض.

– هذا “” الغرض “” متشعب ويحتاج لمقالة مستقلة ولكن ما يهمنا في هذا التحليل هو شيء واحد يمكن استنتاجه ببساطة عندما تنظر للتيار الجهادي وتقارن بين انتشار فكرة استهداف ( رأس الأفعى ) أمريكا في عقر دارها واستهداف مصالحها المباشرة المنتشرة في العالم الآن، وبين انتشار نفس الفكرة منذ ٥ سنوات مثلا ! ، لتكتشف أن هناك اختلافا كاملا حدث في بنية العقلية الجهادية، وأن فكرة الجهاد العالمي المتحرك اضمحلت تماما لصالح فكرة “التمدد القطري”.

– يزداد تعجبك حين تعلم أن هذه النقطة بالذات أثارها تقرير راند عام ٢٠٠٦ والذي كان بعنوان : ( ما بعد القاعدة ) حيث تكلم عن وجود فكرتين داخل التيار الراديكالي : ( فكرة الجهاد العالمي ضد أمريكا – وفكر جماعات الجهاد القطرية أو المحلية والتي تركز على العدو القريب ) وأوصى التقرير بضرورة استثمار الخلافات بينهما وقطع علاقة جماعات الجهاد القطري بفكرة الجهاد العالمي تماما باعتبارها الفكرة الأخطر!!

– أحد مخاطر فكرة الجهاد العالمي المتحرك على النظام الدولي هي أنها تحول كثيرا من الأفراد المنتشرين في الغرب الى قنابل موقوتة قابلة للتفجير فيهم في أي وقت، بينما فكرة الجهاد القطري التمددي تمتص كل هؤلاء الأفراد والطاقات وتجمعهم في أماكن محددة كالمصايد، كما أنها تفقد الكثير من هذه الطاقات في معارك الاستنزاف مع العملاء ووكلاء الغرب.

– التخوف الأمريكي من فكرة الجهاد العالمي والذي يستهدف مصالح الغرب مباشرة هو الذي دفع أمريكا أن تقوم بنفسها بالمبادرة بقصف ( جماعة خراسان ) في حلب قبل أن يقوم التحالف الدولي بقصف أي موقع ” للدولة الإسلامية ” واعتبرتها المخابرات الأمريكية الأخطر مطلقا في سوريا، فقط لأن هذه الجماعة كانت تخطط لشن هجمات داخل الغرب وتحاول إحياء فكرة الجهاد المتحرك ضد مصالح أمريكا مباشرة.

– مواجهة وكلاء الغرب أخف على النظام الدولي من مواجهة الغرب نفسه، ففي النهاية هو أوجد هؤلاء العملاء ليكونوا بطانة له كما أنه قادر على توليد غيرهم، كما أن الكثير من الذين يدخلون في هذه المطاحن والمعارك القطرية ليسوا عملاء للغرب بالكامل، بل بعضهم أعداء له أيضا فتصبح أمريكا مستفيدة جدا من ضرب الأعداء بالأعداء واستنزاف قوة الجميع.

– في الشكل الحالي للنظام الدولي وفي هذا الواقع للمنطقة والعالم أعتقد أن فكرة التمدد القطري بدولة مركزية معلنة يُهاجر الجميع إليها هي بداية النهاية لكل من فكر فيها مهما بلغت قوته في مرحلة من المراحل، وهي فكرة ” انتحارية ” مكررة على كل حال وليست جديدة كما يظن البعض، ولا أعتقد صلاحيتها شرعيا ولا استراتيجيا في هذا الوضع من المعركة.

– بالرغم من أنه من المهم – استراتيجيا – من حين لآخر استغلال الفراغات التي قد تحدث في المنطقة نتيجة أخطاء النظام الدولي، وبالرغم من أن السيطرة ” المؤقتة ” على أي منطقة من المناطق في قلب النظام الدولي هو شيء قد يكون ضروريا أحيانا ويساعد جدا في المعارك من هذا النوع لكنه في النهاية يساوي السيطرة على قطعة أرض داخل سجن من السجون!!

– وبالتالي أقصى ما يمكن أن نعتبره بالنسبة لتلك الأماكن المسيطر عليها أنها قواعد جيدة يمكن الانطلاق منها لمعركة هدم أسوار السجن بالكامل، ولا يجب أن تسمى السيطرة المؤقتة على أي منطقة من هذه المناطق “فتحا” كما أن الانسحاب التكتيكي منها لا يسمى “سقوطا”، وبالتقييم الاستراتيجي للمعركة أعتقد أن الانطلاق من هذه المناطق وعدم الاستمرار فيها يجب أن يكون سريعا، وسريعا جدا لأن هناك من يستفيد باستنزافك داخل تلك المناطق حتى لا تستثمر قوتك ضده.

– بالتقييم الاستراتيجي المجرد أرى – خلافا للكثيرين – أن ( الجهاديين ) على مشارف الوقوع في مصير أسود متكرر تاريخيا ينتظر الجميع منهم، وأرى أن تمددات الأمس واليوم لا تزيد عن كونها كمينا محكما وشباكا يلفها التيار الجهادي حول نفسه، وفي الوقت نفسه أرى أن هناك فرصة تاريخية لهم لتوجيه أكبر صفعة لأمريكا ونظامها الدولي

– هذه الصفعة تمثل نقلة نوعية للمشهد، وتمثل مخرحا استراتيحيا نموذجيا للتيار الجهادي، وتمثل نقطة انتشار منقطعة النظير في هذا الوقت بالذات للفكرة الراديكالية ، هذه الصفعة هي : العودة الكاملة والفورية لفكرة ” رأس الأفعى ” والتركيز على الاستهداف المباشر لممصالح منظومة الاحتلال الدولي المنتشرة في المنطقة والعالم، كل هذا مع الاستفادة من المناطق التي تم السيطرة عليها في المنطقة دون المبالغة في الاستنزاف في الدفاع عنها واعتبارها تمددا وفتحا وخلافة الخ … لأن المعركة مازالت في مشهدها الأول!!

– من المضحك المبكي أنه في ظل هذه المعجنة القطرية تجد أن كل الأطراف في المنطقة تدعي أنها تمثل خطرا على أمريكا وأن أمريكا تتآمر عليها وحدها وأنها من تدعم خصومها! هذا يقوله : الإيرانيون والحوثيون في معركتهم، ويقوله بشار وجيشه في معركتهم، وبالطبع تقوله ” الدولة الإسلامية ” ومن يناصرها في معركتهم، ولا تعجب أن النظام المصري وأبواقه أصبحوا يدعون هذا الادعاء!!!!

– لا تستطيع أن تجزم أن هناك أي طرف يمثل حاليا تهديدا حقيقيا لأمريكا وخطورة ما لم تتوجه نيرانه لها ولمصالحها المنتشرة في العالم كله ولمفاصل النظام الدولي، وأكرر مصالحها المباشرة وليس العملاء والوكلاء فقط!

– كما أن السنوات والتجارب أثبتت أن الفوضى في منطقتنا مالم تمس مصالح النظام الدولي المباشرة ومفاصل سيطرته وما لم تصل نيرانها إلى عقر داره فالمستفيد بنتائجها في النهاية هو النظام الدولي نفسه !

– هناك حالة من التخبط لدى ” الجهاديين الحاليين ” بخصوص التعامل مع ( أمريكا والغرب ) ، فالبعض يتجاهلها عسكريا تماما ويركز على العدو القريب ويرتب الأعداء بحسب الأولولية الجغرافية وإن كان طبعا لا يتجاهلها إعلاميا وخطابيا، والبعض بسذاجة منقطعة النظير وسفاهة وبلاهة ( وضف ما شئت من ألفاظ ) يرى إمكانية تحييد الغرب وعدم استعدائهم والنمو – جهاديا – بين أحضانهم في منطقة هم مسيطرون حتى على ” الهواء ” فيها !!

– مفتاح المعركة يكمن في تحديد الموقف الدقيق من النظام الدولي والغرب، موقف ميداني وليس موقفا منهجيا فقط، وبغير هذا التحديد الدقيق فمحصلة المعارك كلها ستكون : (صفرا)

– تحديد الموقف النموذجي من النظام الدولي ومصالحه ونقاط سيطرته قد يجعلك أمام حقيقة يرفض الاعتراف بها المتعجلون، هذه الحقيقة هي : مازلنا في المشهد الأول من المعركة، بل إن شئت فقل : لم تدخل الأمة المعركة الحقيقية بعدُ.

ملاحظة: هذا تحليل للأوضاع استراتيجيا وليس فكريا، فالتحليل الفكري للتيار الجهادي أو تحديدا للدولة الإسلامية يحتاج إلى تفصيل آخر ربما أكبر من هذا بكثير!

1763

الكاتب

أحمد سمير

ناشط ومهتم بالشأن الإسلامي والعالمي، مؤلف كتاب معركة الأحرار وعضو مؤسس في "حركة أحرار".

التعليقات

  • كريم محمد منذ سنتين

    تحليل ممتاز ولكن … انت تتحدث ان الجهاد القطرى مصيدة للقضاء على المجاهدين … ولكن لم تذكر ان الدولة الاسلامية قد اتخذت الاسلوبين معا .. السيطرة على الارض ضد العدو القريب (الذى هو فى الاساس من جملة مصالح الغرب) والاسلوب الثانى بضرب فى داخل الكيانات الغربية نفسها فهى فعلتها فى امريكا و فرنسا و المانيا و المملكة المتحدة …. ثم انك تبالغ حين تولى سيناء اهمية اكبر من سوريا … ان كان الامر كذلك لم فى رايك نرى كل كلاب الكرة الارضية تجمعت فى سوريا من امريكا وحلفائها و روسيا وحلفائها وجميعهم متفقون ان عدوهم الدولة الاسلامية -التى ارى انك ظلمتها حين تحدثت ان امريكا تستطيع القضاء عليها و لكنها تتعمد ان تضعفها فقط … لا اعتقد هذا … امريكا حين تتحدث عن اهدافها -من خلال جنرالاتها او محلليها -من قتال الدولة الاسلامية دائما تكرر جملة”القضاء على الخلافة”بل هى لا تستطيع ان تقضى على الدولة الاسلامية الا باساليب مثل الارض المحروقة + عدم الاستعجال بالزمن … سياسة النفس الطويل لانها تعلم ان المعركة مع الدولة الاسلامية -صاحبة العقيدة القوية- لن تكون سهلة او قصيرة وتتطلب حشد كبير جدا جدا من عملائها”العدو القريب “

    رد
  • Reda Gamaa منذ سنتين

    كلام جميل

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.