سقوط الشرعية بتنحية الشريعة

Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

كثر الكلام حول شرعية الأنظمة، حتى جعل البعض شرعية الأنظمة تبعا لكونها أتت بطرق ديمقراطية، وفي الحقيقة إن الشريعة هي المعول عليها في إقامة شرعية وإسقاط أخرى، مع التأكيد على أن يأتي الحاكم عن رضا الرعية (ولهذا مبحث آخر)، ولكن متى نحى الحاكم الشريعة أو تعامى عن غيابها، كان وجوده كالعدم شرعا وهو ما سأبحثه من خلال الفرعين التاليين.

 

الفرع الأول: غاية الحكم هي إقامة الدين

غاية الخلق هي إقامة الدين، ويتفرع من هذا الأصل الكبير، فرع لازم؛ وهو أن الولايات جميعا مقصدها الأول إقامة الدين، وعلى ذلك تقاطرت كلمات الأئمة لتجعل هذا أصلا ثابتا، لا ينبغي أن يمارى فيه.

ولماذا ألزمنا الشرع بالرجوع إلى رأس، هل هو ليكون سيفا مصلتا على رقابنا، أم لإقامة مصالح الدين والدنيا، فإن فقد الأمر مصلحته، كان اعتباره لاغيا.

قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ» [1]

فكما تعلم أن قرشية النسب شرط، ولكن بشرط ألا يخالف مقصداً كلياً وهو إقامة الدين وحراسته، ثم يأتي في زماننا من يزعم أن إقامة الدين أمر يمكن تجاهله، ويؤسس لإمامة فاقده!!!

فهذا من الشروط التي لا يتهاون فيها الشرع بل لا تنعقد الإمامة أصلاً لمن لم يحققه

قال المواردي “الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ” [2]

ويقول الإيجي الشافعي[3]: هي خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة “[4]

ويقول الإمام الجويني “فإن الأئمة إنما تولوا أمورهم، ليكونوا ذرائع إلى إقامة أحكام الشرائع “[5]

ويقول ابن جماعة ” ويجب نصب إمام بحراسة الدين، وسياسة أمور المسلمين، وكف أيدي المعتدين، وإنصاف المظلومين من الظالمين “[6]

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية “وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”[7]

ويقول “فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم. “[8]

وما أجمل قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ” حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك كان حقا على المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا “[9]

وقد اتفق العلماء على أن أول واجبات الحاكم هو حفظ الدين [10]

وقد ذكروا تحت حفظ الدين أمورا منها:

1-حماية بيضة الإسلام

2- حفظ الإسلام على أصوله المقررة ورد البدع

3-نشر العلوم الشرعية وتعظيم أهل العلم

4- مشاورة العلماء في الأحكام

5- إقامة شعائر الإسلام

وأختم هذا المطلب بكلام ماتع لابن خلدون حول أقسام الملك:

“” والخلافة هي حمل الكافّة على مقتضى النّظر الشّرعي في مصالحهم الأخرويّة والدّنيويّة الرّاجعة إليها إذ أحوال الدّنيا ترجع كلّها عند الشّارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشّرع في حراسة الدّين وسياسة الدّنيا به”[11]

وقال: ” وما كان منه بمقتضى السّياسة وأحكامها فمذموم أيضا لأنّه نظر بغير نور الله «وَمن لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ من نُورٍ 24: 40» لأنّ الشّارع أعلم بمصالح الكافّة فيما هو مغيّب عنهم من أمور آخرتهم وأعمال البشر كلّها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره قال صلّى الله عليه وسلّم «إنّما هي أعمالكم تردّ عليكم» وأحكام السّياسة إنّما تطلع على مصالح الدّنيا فقط «يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا”[12]

 

الفرع الثاني: تنحية الشريعة كفر بالله:

 

وهذا الأمر من قطعيات الدين التي لا أرى للمخالف فيها وجها، إلا جدال عقيم إما جهلا بمعاقد التوحيد، أو إرضاءًا للطواغيت وخوفا من كلمة الحق الثقيلة.

ويكفي في الاستدلال قول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) النساء

قال ابن كثير “ هذا إنكار من الله، عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله “[13]

وسبب نزول الآية تحاكم بعض المنافقين إلى أحد الكهان، أو إلى كعب بن الأشرف [14]

فانظر كيف جعل الله التحاكم إلى الطاغوت كفر بالله وإيمان بالطاغوت فأي بيان بعد هذا البيان

وانظر ماذا قال في الآيات بعدها:

  1. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا 62 فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا( 63) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ( 64) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ( 65) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا. فنفى عنهم الإيمان حتى يجعلوا شرع الله حكما بينهم في جميع شئونهم.

    فهم يكفرون بتحكيم الطاغوت، ولا يؤمنون حتى يحكموا الشرع …فهل هناك أدل ولا أبلغ من هذا!!

    يقول ابن كثير: عند قوله تعالى: “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) “المائدة

    ” ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق «3» ، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بينه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير “[15]

    وقال رحمه الله” فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين.”[16]

    ونقول العلماء في هذا كثيرة معروفة، وأكتفي بوضوح الدليل على ما أوردت والله المستعان

    إن منا من لا ينفذ أوامر الله مع جعله مرجعا له، وهذا حال العصاة، ومنا من يبحث عن مرجع له غير الله، وهذا عين الكفر، والفرق بين الحالين واضح بين الحالين.

    وفي الحقيقة وقوع الحاكم في هذا النوع من الكفر كاف في سقوط شرعيته، حتى ولو لم نقل بكفره على التعيين فإن العبرة برؤية الكفر بغض النظر عن الحكم على صاحبه

    لحديث عبادة رضي الله عنه: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [17]

    ولم يقل إلا أن تروا كافرا بواحا، بل وقوع الكفر من الحاكم كاف في انخلاعه.

    وانظر كيف أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أن الرجوع للشرع شرط لا يمكن تجاوزه حتى وإن تجاوزنا غيره من الشروط مضطرين:

    عن أم الحصين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن أمر عليكم عبد مجدع -حسبتها قالت -أسود، يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا له وأطيعوا» [18] ولأحمد ” ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل” [19]

    قال النووي: قال العلماء معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم…”[20]

    “فشرط الولاية ((يقودكم بكتاب الله))”

    قال ابن حزم الأندلسي بعد أن ذكر واجبات الخليفة:

    “فهو الإمام الواجب الطاعة ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فإن زاغ عن شيء منهما، منع من ذلك، وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمَن أذاه إلا بخلعه، خلع وولِّي غيره”[21].

     

[1] البخاري باب مناقب قريش برقم 3500

[2] الأحكام السلطانية للماوردي  1/15

[3] محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الحسني الحسيني الإِيجي الشافعيّ (المتوفى: 905هـ)

[4] المواقف 8/345 نقلاً عن النظرية السياسية الإسلامية

[5] غياث الأمم 1/374

[6] تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام 1/48

[7] مجموع الفتاوى 28/66

[8] مجموع الفتاوى 28/262

[9]الأموال لابن زنجويه 1/ 74 ، مصنف ابن أبي شيبة 6/418 ، تفسير الطبري 8/490 ورجاله ثقات

[10] انظر الأحكام السلطانية للفراء  1/27 ، الأحكام السلطانية للماوردي 1/40  ، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام 1/65

[11] تاريخ ابن خلدون المسمى((ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر))1/239

[12] السابق 1/238

[13] تفسير اين كثير 2/346

[14] انظر الطبري 8/507 ، وابن كثير 2/346

[15] تفسير ابن كثير 3/131

[16] البداية والنهاية ط/ إحياء التراث 13/39

[17] البخاري 7055 –  مسلم 1709

[18] مسلم باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية برقم 1838

[19] أحمد 27260 وصححه الأرناؤوط

[20] شرح مسلم 9/47

[21] الفصل لابن حزم 4/84

 

بقلم: هيثم أبو المنذر

447

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com ،مقالات الرأي تُعبر عن رأي الكتاب ولا تُعبر بالضرورة عن تبيان.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.